لندن – “القدس العربي”: رد المدرب الإيطالي ماوريسيو ساري، بكل قوة وعنف كروي على كل من شكك في قدراته وكفاءته كمدرب مختلف عن الآخرين، بإنهاء موسمه الأول في بلاد الضباب بشكل شبه نموذجي، بعدما قاد فريقه تشلسي أولا الى خطف المركز الثالث المؤهل بشكل مباشر الى دوري مجموعات أبطال أوروبا، قبل أن تأتي لحظة المكافأة الكبرى، بسحق العدو اللندني آرسنال برباعية تاريخية مقابل هدف، في المباراة النهائية لمسابقة الدوري الأوروبي (يوروبا ليغ)، التي احتضنها ملعب العاصمة الأذربجانية باكو في آخر ساعات الأربعاء الماضي.
بداية رحلة الكفاح
هذا الرجل الستيني، الذي لم يمارس كرة القدم بشكل احترافي كلاعب ولو دقيقة واحدة، أصبح رمزا لكل من يبحث عن النجاح في عالم الساحرة المستديرة، من دون أن يمارس اللعبة. صحيح مرت علينا نماذج قبل ساري، أثبتت أن كتابة المجد ليست حكرا على من مارسوا كرة القدم، أبرزهم على الإطلاق قائد نهضة كرة القدم في التسعينات أريغو ساكي، وفي عصرنا الحالي المثير للجدل دائما وأبدا جوزيه مورينيو، لكن حالة ابن مدينة نابولي، تبقى استثنائية وتستحق فعلا فكرة سينمائية، بدون إفراط في المبالغة. ساري شخص لا يختلف كثيرا عن أغلبنا، كرجل مكافح عائلا لأسرة، يعمل في وظيفتين بحثا عن حياة كريمة، بعدما دمرته لعنة الإصابة، وحرمته من تحقيق حلمه، باللعب على الأقل في المباريات المنقولة على شاشات التلفاز، وفي شبابه، أو بالأحرى بعد الانتهاء من تعليمه، ظل أكثر من 20 عاما، يذهب في الصباح لعمله في البنك، وبعد الظهيرة يتدرب مع فريق بلدته فيغلاين، وفي عام 1999، قرر تغيير نشاطه في مهنته الثانية، بالإشراف على تدريب أحد فرق الهواة تيغوليتو، بجانب عمله الأساسي في البنك، لكن الأمر المحير، أنه في سنوات عمله في دوري القسمين الثالث والرابع الإيطالي، كان يواجه انتقادات حادة، وصلت الى وصفه بالمجنون، بعد قيامه بابتكار أكثر من 40 خطة وطريقة لعب، ومع ذلك، لم يكن يكترث إلا لعقله وأفكاره، وفي الحقيقة، الجزئية الأخيرة، هي ما ساعدته كثيرا للتدرج من تحت الصفر حتى لحظته التاريخية مساء الأربعاء الماضي، وإلا لانصاع لكل من طالبه بالعدول عن رأيه الغريب، بالاعتماد على صاحب الرئات الثلاث نغولو كانتي على الجانب الأيمن في وسط الملعب، مع الإصرار على لاعبه المفضل جورجينيو كصانع ألعاب وهمي أمام رباعي الدفاع، على عكس كل البشر، يعتمدون على لاعب بلسان جوزيه مورينيو في تحليلاته “أشبه بالكلب المسعور” أمام رباعي الدفاع، لكن في النهاية، ربح المدرب الإيطالي الرهان، كما ربح من قبل جُل رهاناته مع منتقديه والمعترضين على فلسفته، في ما يتعلق بابتكاره مراكز جديدة للاعبين، على غرار ما فعله مع القصير دريس ميرتينز، بتغيير مركزه من لاعب جناح الى رأس حربة وهمي بعد انتقال غونزالو هيغواين إلى يوفنتوس، وأمور أخرى مشابهة رسخت الاعتقاد السائد عنه أنه “مدرب عنيد لا يستمع لأحد”، والمتابعون الجيدون قبل خبراء التحليل، يفهمون جيدا، أن هكذا ميزة لا يملكها إلا المدربين الكبار بحق والفلاسفة. وبالنسبة لساري، فمعروف من قبل، أنه من طينة المدربين المبدعين، نتحدث عن أفضل مدرب في إيطاليا عام 2017، لكن مشكلته الوحيدة، كانت تكمن في “زيرو بطولات” في مسيرته التدريبية، وها قد تغلب عليها الآن، ويا لها من أقدار، أن تنصفه الكرة في وقت كان الجميع يتكالب عليه في تشلسي.
مشاكل بالجملة
من تابع وسائل الإعلام البريطانية أو الإيطالية قبل أيام وساعات قليلة من نهائي اليوروبا ليغ، أحيانا راوده شعور بأن ساري لن يظهر على دكة تشلسي في سهرة “باكو”، بكم لا يستهان به من الشائعات التي تتحدث عن اقتراب الأسطورة فرانك لامبارد من خلافة الرجل الإيطالي في “ستامفورد بريدج”، فضلا عما تردد بكثافة عن استقرار الإدارة على قرار التخلص من المدرب، بحجة كثرة مشاكله مع اللاعبين داخل غرفة خلع الملابس، وقيل أيضا أنه خط بالقلم على عقد ارتباطه بيوفنتوس ليخلف مواطنه ماسيميليانو أليغري في “يوفنتوس آرينا”. وما زاد الطين بلة، ما حدث في ليلة المباراة، باشتباك المدافع البرازيلي دافيد لويز مع الكابوس الأرجنتيني غونزالو هيغواين، وكأنه مستهدف من اللاعبين في اللحظات المهمة، بعد واقعة الحارس كيبا في نهائي كأس رابطة المحترفين ضد الإعصار السماوي مانشستر سيتي، ليترك التدريبات في ما بعد غاضبا، كما وثقت عدسات المصورين. الشاهد، أن كل شيء كان يسير على عكس ما يريد ساري قبل النهائي، إلا أنه سرعان ما استنسخ المقولة الشهيرة “من يضحك أخيرا يضحك كثيرا”، بقيادة البلوز للفوز على آرسنال، في مباراة بدت وكأنها من طرف واحد، بعد البداية الجيدة للمدفعجية، التي كادت تسفر عن هدف في أول نصف ساعة، لتنقلب الأمور رأسا على عقب بعد ذلك، بعدما لعبت “الفوارق الفردية”، دورا مهما، متمثلة في إبداع البلجيكي إيدين هازارد، الذي ختم أفضل مواسمه على الإطلاق، بشكل مذهل، والفضل الأول يرجع لمدربه الإيطالي، الذي أعاد اكتشافه في مركز نيمار القديم مع برشلونة، كلاعب يخرج كل طاقته في الثلث الأخير من الملعب جهة اليسار، بدلا من استنزاف طاقته في اللعب كجناح في أقصى الطرف الأيسر، تنتهي طاقته بعد مراوغتين أو ثلاثة قبل اقترابه حتى من خط منطقة الجزاء، أما ما فعله صاحب الـ28 عاما أمام الغريم اللندني وفي أغلب أوقات الموسم بوجه عام، كان مختلفا عما قدمه مع كل المدربين، الذين تعاقبوا على تدريبه منذ قدومه من ليل الفرنسي قبل سبع سنوات، أقل ما يمكن قوله، إن ساري قدم لريال مدريد نسخة مرعبة لهازارد، كلاعب مبتكر وقادر على اتخاذ القرار بنفسه، سواء بصناعة اللعب أو التسجيل في الثلث الأخير من الملعب، يكفي أنه كان العلامة الفارقة في نهائي الأربعاء. كانت المباراة متكافئة في كل شيء، بل في بعض الأوقات، وكانت الأفضلية لرجال المتمرس على البطولة أوناي إيمري، فقط إبداع هازارد وعبقريته في اتخاذ القرار الصحيح في اللمسة الأخيرة في الثلث الأخير من الملعب، هي ما ساهم في انتهاء المباراة بهذه النتيجة العريضة، لنا فقط أن نتخيل المباراة بدونه، على أقل تقدير، ما كانت ستنتهي بهذه السهولة.
قرارات موفقة
المدرب الذكي هو من يحسن اختبار لاعبيه في المواعيد الكبرى، ويحسب لساري أنه تغلب على عاطفته الشخصية، بإبقاء واحد من أصدقائه المفضلين على مقاعد البدلاء، والحديث عن هيغواين، وهذا في حد ذاته، أراه بشكل شخصي قرار البطولة، بتخلصه من لاعب “نحس” على فرقه في النهائيات، وفي المقابل، استعان بآخر يملك من الخبرة ما يكفي للتعامل مع ضغط مباراة بهذا الكم، وهو الفرنسي أوليفييه جيرو، بتوظيفه بشكل مثالي كلاعب رأس حربة، مهمته الوحيدة أن يتذكر لحظاته الخوالي بلمسة سينمائية واحدة من داخل منطقة الجزاء، وعلى مسافة قريبة منه الإسباني بيدو رودريغز، القادر على تقديم الإضافة عندما يكون في يومه، وحدث بالفعل ما كان ينتظره المدرب، بظهور ثلاثي الهجوم في الأوقات المناسبة، على عكس فريق أوناي إيمري، الذي لم يستغل الفرصة لقتل المباراة في بدايتها، وبدا واضحا أن فريقه لديه مشاكل على الأطراف، تحديدا من جهة الأظهرة، بوصول لاعبي تشلسي بالكرة بكل سهولة وأريحية لأبعد مكان على الطرفين من تمريرة واضحة، في وجود كولاسيناش على مسافة بعيدة جدا من ثالث مدافعي الوسط مونريال، والأمر ذاته بالنسبة لمن يتبادل من سوكراتيس وكوشيلني نفس المهمة مع ميتلاند نايلز في الجانب الآخر، وهذا كان أشبه بالانتحار الكروي، بترك مساحات أمام لاعبين مثل هازارد وبيدرو، من الصعب إيقافهم في المساحات. المشكلة الحقيقية، أن تشاكا وتوريرا، كانا يفكران في الضغط على هازارد وبيدرو، بعد أن يستلم أي منهما الكرة ويكون وجهه الى المرمى، بدلا من الوقوف كحائط صد قبل أن يتسلم واحد من الاثنين الكرة، لتعطيله على كسب مساحة كبيرة بعد الدائرة. أضف إلى ذلك، رعونة لاعبي آرسنال، بالتفنن في إهدار فرصتين، واحدة لو أعيدت 10 مرات لأوباميانغ، لن يهدر أكثر من اثنتين، بتسديد الكرة بغرابة بعيدا عن اطار المرمى، وهو بدون مراقبة داخل منطقة الجزاء، والحارس ساقطا على الأرض. والأخرى، التي قرر خلالها لاكازيت السقوط بدلا من التسديد المباشر في حواره المباشر مع الحارس كيبا في الدقيقة 17، بينما في الجهة الأخرى، كانت الأسلحة الهجومية على أتم الاستعداد للتعامل مع أنصاف الفرص قبل الفرص المحققة، وهذا تجلى في رأسية جيرو، التي تحتاج رأس حربة رقم (9) فعلها عشرات المرات من قبل، ليسرق آخر مدافع، ومن ثم يوجه الكرة برقبته في مكان مستحيل على بيتر تشيك. أيضا هدف بيدرو المهم جدا في أحداث المباراة، جاء بماركة “بيدرو برشلونة”، حين كان يبدع في استغلال مثل هذه الهدايا لحظة انشغال المدافعين بالبرغوث ليو ميسي، والثالث من نفس نقطة الضعف الواضحة في الدفاع، بوصول سهل للمناطق المحظورة خلف الظهير الأيسر المبالغ في التقدم في طريقة 3-4-3، والتي كان يحولها إيمري لـ3-5-2 في المواقف الدفاعية، انتهت بخطأ فادح من ميتلاند نايلز، بدفع جيرو من الخلف داخل منطقة الجزاء، ليحتسب الحكم الإيطالي روكي ركلة جزاء، سجلها بأريحية هازارد، ثم تبعها بلوحة فنية رائعة مع جيرو في لقطة الهدف الرابع، ولولا توفيق تشيك في التصدي لفرصة البديل ويليان مع استهتار لاعبي البلوز في الدقائق الأخيرة، لانتهى الدربي بنصف دستة أهداف، لكن في النهاية، أنصفت الكرة ساري وابتسمت له للمرة الأولى بعد 30 عاما من الشقاء والكفاح في الحقل التدريبي، كأفضل هدية من القدر على حملة الهجوم التي تعرض لها من قبل حتى قدومه إلى معقل البلوز، حين تأخر تشلسي في التعاقد معه، لاعتراض بعض المسؤولين على سلوكه، كونه في بعض الأوقات لا يسيطر على لسانه، بجانب عادة التدخين بشراهة، لدرجة حرق 3 “علب سجائر” في اليوم الواحد!
أرقام تتحدث عن نفسها
الآن كما يقولون “تغيرت الخطة”، فبعدما كان ينتظر أول طائرة للعودة إلى وطنه، تحول ساري الى بطل قومي بالنسبة لجماهير تشلسي، التي تقدر ما فعله من أجل النادي، بنجاحه أولا في تحقيق جزء كبير من أهدافهم، إن لم يكن قد حقق 100%، بإنهاء موسم البريميرليغ في المركز الثالث، بعناصر أقل جودة من فرق أخرى أنهت الموسم في مراكز أقل منه. بجانب ذلك، وصل بالفريق الى نهائي كأس الرابطة، ولولا واقعة كيبا الشهيرة، لكان الآن يحتفل بلقبين في موسمه الأول في إنكلترا، هذا بخلاف ما أشرنا إليه، عن صموده أمام حملات النقد اللاذع، التي تعرض لها بعد الهزة العنيفة التي ضربت الفريق، بتلقي هزائم تعتبر الأثقل للنادي في العصر الحديث، كسداسية مانشستر سيتي ورباعية بورنموث، لم ينهار بعدها، بل عاد أقوى من أي وقت مضى، بسلسلة من العروض المقنعة للجماهير، وقبلها نتائج، منحته أول لقب في تاريخه كمدرب، وكذا أضحى أول مدرب إيطالي يتوج باليوروبا ليغ بنظامه ومسماه الجديدين، وأول إيطالي منذ أن فعلها مواطنه ألبرتو ماليساني مع بارما عام 1999. ومن الأرقام التي يستحق عليها ساري كل أنواع الشكر والثناء من قبل جماهير البلوز، وصوله لـ39 انتصارا في مختلف المسابقات هذا الموسم، وهو رقم لا يتجاوزه أي مدرب آخر، باستثناء “سبيشال وان” في موسمه التاريخي مع الفريق 2004-2005، حيث حقق آنذاك 42 فوزا في كل البطولات. كما جعل ساري تشلسي أول ناد في القرن الجديد، يظفر بالكأس الثانية في القارة العجوز من دون أن يتعرض ولو لهزيمة واحدة، من أصل 15 مباراة، حقق 12 انتصارا وتعادل في ثلاث فقط، فهل بعد كل هذه الأرقام وقبلها بصمته الواضحة على الفريق، كان وما زال تشلسي يفكر في الاستغناء عنه؟ أمر محير، لكن إذا لم تصدق التقارير الإيطالية التي تؤكد أنه وقع بالفعل على عقد ارتباطه باليوفي لخلافة أليغري، فلن توافق جماهير النادي بأي حال من الأحوال على رحيل المدرب، على الأقل الموسم المقبل، لصعوبة المهمة على أي مدرب سيتولى قيادة الفريق، من دون دماء جديدة، في ظل رفض الفيفا تخفيف عقوبة الحرمان من ضم لاعبين جدد لمنتصف العام المقبل، فماذا سيحدث يا ترى في الأيام والأسابيع المقبلة؟ هذا ما سنعرفه قريبا، لكن سواء رحل ساري أو استمر مع ناديه اللندني، فلن ينسى التاريخ أنه أفحم كل منتقديه والمشككين في قدراته بشجاعة وقوة شخصية قلما نجدها في أي مدرب في العالم في الوقت الراهن، ليتحول في زمن قياسي من مجرد مدرب مغضوب عليه داخل النادي الى حديث وسائل الإعلام الرياضية العالمية، وهذا بطبيعة الحال لم يأت من فراغ أو ضربة حظ، بل كما حاولنا سرد قصة أجزاء بسيطة جدا من رحلة كفاح يضرب بها المثل.