كيف تخلص باريس سان جيرمان من رهبة بايرن ميونيخ؟ ومن بطل دوري الأبطال المنتظر؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي» : كما كان متوقعاً، لم تشهد مواجهات إياب الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا مفاجآت مدوية، أو بالأحرى قصص ريمونتادا جديدة، بعد تأهل الفرق الأربعة التي قطعت نصف الطريق في مواجهات الذهاب، بنفس الطريقة التي أسدل بها الستار على الدور ثمن النهائي، ليصل قطار الكأس ذات الأذنين إلى محطته قبل الأخيرة، باكتمال أضلاع المربع الذهبي، بحثا عن تأشيرة السفر إلى عاصمة تركيا القديمة أسطنبول يوم 29 مايو / آيار المقبل، لخوض نهائي «أتاتورك الأولمبي».

كسر الهيبة
يعرف المشجع البسيط قبل خبراء النقد والتحليل، أن كبح جماح بايرن ميونيخ يحتاج الى الكثير من التضحيات والشجاعة، إلى جانب دعم القدر واستغلال التفاصيل البسيطة، وذلك للتعامل شراسة العملاق البافاري وقوته الهجومية المفرطة، وغيرها من نقاط القوة التي جعلت الفرق السبعة الأخرى تخشى الوقوع في طريق كتيبة هانزي فليك في قرعة دور الثمانية، وبالكاد، هذا ما فعله باريس سان جيرمان ومدربه ماوريسيو بوتشيتينو، في مواجهتي الذهاب والعودة، إذ تقمص البوش دور ملك الكوميديا عادل إمام في ملحمة «سلام يا صاحبي»، حين وقف الجريء مرزوق الكوتش ومعه بركات الدمنهوري في وجه الكينغ، ليقول الزعيم جملته الشهيرة: «هاتضرب هانضرب، هاتكسر هانكسر هاتحرق هانحرق»، ووضح ذلك من خلال البداية القوية للباريسيين، على عكس جُل التوقعات، التي رجحت تكرار سيناريو مباراة «آليانز آرينا»، بتعرض بطل الليغ1 لضغط وحصار في أول ربع ساعة، على اعتبار أن عملاق البوندسليغا لن يكرر أخطاء أول نصف ساعة في المباراة الأولى، وسيبدأ موقعة «حديقة الأمراء» بضغط وهجوم كاسح، ليرد اعتباره بعد صفعة الذهاب، وأيضا دفاعا عن لقبه، لكن ما حدث من قبل مدرب توتنهام السابق، كان مفاجئا للجميع، بضرب فليك بنفس سلاحه، بالضغط والمحاولات المستمرة المخيفة على مرمى الحارس مانويل نوير، معتمدا على أصوله الثمينة، متمثلة في سحر وإبداع أمتع لاعب كرة قدم في الوقت الراهن نيمار جونيور، وذكاء أنخيل دي ماريا وسرعة كيليان مبابي، ما ساهم في كشف ثغرات البايرن وعزز جرأة اللاعبين على الكبير البافاري، بدعم سخي من الثلاثي الآخر في خط الوسط غايا ودراكسلر وباريديس، وتجلى في مشاهد خروج الكرة من الخلف إلى الأمام بسهولة وبشكل منتظم، ليظهر فارق السرعات بين مبابي ونيمار وبين ثنائي دفاع بايرن ميونيخ بواتينغ وهيرنانديز، ولهذا، بدا وكأن الفريق الباريسي يصل بسهولة إلى المناطق المحظورة في الدفاع الألماني، ولولا تعملق نوير وتعاطف اطار المرمى معه، لما انتهى الشوط الأول بهدف تشوبو موتينغ، الذي جاء على عكس أحداث وسير المباراة.
صحيح أن البايرن تفوق فنيا وبدنيا في الشوط الثاني، وكان قريبا من تسجيل الهدف الثاني المؤهل للدور نصف النهائي، خاصة بعد نجاح فليك في الحد من خطورة مبابي، بإيقاعه في مصيدة التسلل، لكن بوجه عام، يمكن القول إن البطاقة ذهبت للطرف الأفضل والأقل أخطاء في مباراتي الذهاب والعودة. وكما أشرنا أعلاه، الفوز على البايرن وكسر الخوف والهيبة من بعبع أوروبا، يحتاج بالضرورة الى عدة عوامل واجتهادات مضاعفة على مدار 90 دقيقة، ظهرت في الدور الكبير الذي قام به الحارس كيلور نافاس في الأوقات الصعبة في الشوط الثاني، بتصدياته المذهلة، التي أثبتت أنه بالفعل القطعة النادرة التي كان يفتقدها مشروع ناصر الخليفي قبل قدوم الكوستاريكي من ريال مدريد في صيف 2019، ليتخلص من صداع نقص الجودة في مركز حراسة المرمى، بامتلاك حامي عرين على نفس مستوى طموح وجودة المشروع الباهظ، وهذا في حد ذاته، واحد من أهم الشروط والأساسيات المطلوبة لدى الأندية الكبيرة التي تنافس بشكل حقيقي على لقب مثل دوري الأبطال، وإلا لما قالت الأسطورة القديمة إن «حارس المرمى نصف الفريق»، وتشمل العوامل والأسباب التي تجمعت في سهرة الثلاثاء الماضي ليفتك «إلبي إس جي» بطاقة الصعود للدور نصف النهائي من أنياب البايرن، الحالة الفنية والبدنية الغريبة التي كان عليها مفتاح الفريق الألماني على الجهة اليسرى ألفونسو ديفيز، مقدما واحدة من أقل عروضه جودة على الإطلاق مع الفريق، ونفس الأمر بالنسبة للجناح الأيمن ليروي ساني، الذي غلب على أدائه الطابع الفردي، ونفس الأمر ينطبق على الجناح الآخر كينغسلي كومان، هو الآخر لم يصنع الفارق أو على الأقل لم يعوض غياب سيرج غنابري، بظهوره بمستوى أقل ما يُقال عنه مخيبا لآمال المشجعين، حتى كيميتش وألابا، لم يتقدمان كثيرا إلى الأمام لدعم مولر وتشوبو موتينغ في الأمام.
وقبل هذا وذاك، لعب القدر دورا جوهريا، بتخلص باريس سان جيرمان من كابوس جلاد الجلادين روبرت ليفاندوسكي، بداعي الانتكاسة التي منعته من اللعب في مباراتي الذهاب والعودة، وما جعل الأمور تسير كما خطط لها بوتشيتينو، تعلمه من أخطاء المباراة الأولى، وهذا ظهر في التحسن الملموس في جُل خطوط الفريق، خاصة في الشق الدفاعي، والدليل على ذلك الاحتكام للمقارنة في أرقام الذهاب والإياب بالنسبة لباريس سان جيرمان، منها على سبيل المثال لا الحصر، انخفاض نسبة الخطورة على مرمى الحارس نافاس، بالتعرض لـ5 تسديدات بين القائمين والعارضة في سهرة منتصف الأسبوع الأخير، مقارنة بـ10 كرات تصدى لها الحارس الباريسي في الذهاب، من أصل 14 محاولة بشكل عام على مرمى أصحاب الأرض، مقابل 31 محاولة في «آليانز آرينا». حتى نسبة الاستحواذ، ارتفعت من 37% في المباراة الأولى إلى 44% في موقعة الثلاثاء الماضي، ونفس الأمر بالنسبة لدقة التمرير، التي قفزت من 76% في الذهاب إلى 82% في العودة، وكذلك المراوغات ارتفعت إلى 58% بدلا من 50%، والفوز في المواجهات الثنائية من 41 إلى 66. الفارق السلبي الوحيد، أن الكرة استعصت على المهاجمين، لكن الفريق كان محظوظا بعدم تأثير الهزيمة بهدف نظيف على بطاقة التواجد في الدور نصف النهائي للمرة الثانية على التوالي، كأفضل مكافأة لبوتشيتينو، ليس فقط لاجتهاده في المباراة الثانية وإدارته الجيدة للمباراتين بوجه عام، بل لبصمته الواضحة على الفريق، بتحويل شخصيته في وقت قياسي، من فريق تطارده المشاكل والتوترات، تارة بين المدير الرياضي ليوناردو والمدرب السابق توماس توخيل، وتارة أخرى لمشاكل مبابي مع نفس المدرب، إلى مشروع يتحلى بصفات وشخصية البطل، مقدما الدليل والبرهان بإذلال عظماء بحجم برشلونة وبايرن ميونيخ في عقر دارهم، مع أداء وشخصية مخيفة للمنافسين، بفضل التطويع المثالي لأسلحته الفتاكة بما يخدم المنظومة الجماعية، ليصل إلى المستوى الذي يؤهله لتحقيق الفوز وتصدير ما يُعرف بالذعر الكروي للمنافسين مهما كانت النتيجة حتى اللحظات الأخيرة، وكل ما سبق منح اللاعبين ما يكفي من الجرأة والشجاعة لكسر حاجز الخوف ورهبة اللعب أمام حامل اللقب وتجريده من لقبه، ردا على هزيمة نهائي 2020 برأس كومان.

إهدار الريمونتادا
أثبتت التجارب السابقة، أن كتابة الريمونتادا تحتاج دائما الى استغلال التفاصيل البسيطة، أهمها الحصول على دفعة معنوية مثالية في أول خمس دقائق، لتضاعف رغبة وحماس اللاعبين في تعويض ما حدث في الذهاب، وهذا الأمر يعرفه يورغن كلوب أكثر من غيره، باعتباره «عراب» ريمونتادا أوريغي الشهيرة قبل عامين أمام برشلونة، لكن أمام ريال مدريد، تخلى التوفيق عنه وعن هداف الحقبة محمد صلاح، بإهدار فرصة، ربما لو تكررت 10 مرات أمام أبو مكة، لن يهدر واحدة منها، بتوجيه هدية ساديو ماني النادرة، بتسديدة في أقدام تيبو كورتوا عند الدقيقة الثانية، واكتمل سوء الطالع بضياع فرصة أخرى من النجم المصري في بداية الشوط الثاني، ما أعطى نظيره في ريال مدريد زين الدين زيدان، فرصة ذهبية لممارسة هوايته المفضلة، بقتل نسق المباراة، بتفنن نجومه المتمرسين على البطولة، في استنزاف الوقت بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية، معتمدا على قدرات لوكا مودريتش وتوني كروس الخاصة، في الاستحواذ والتحكم في وتيرة المباراة، بالتمرير الدقيق من قدم لقدم، مع تنويع في نقل الهجمة من أقصى الجهة اليمنى إلى اليسرى والعكس، لإحباط المنافس وإجباره على الاستسلام لمعركة الاستحواذ والتحكم في إيقاع ونسق المباراة.
بجانب ذلك، كان ثنائي دفاع الريال ميليتاو وناتشو في أفضل حالاتهم على الإطلاق، ولولا صمودهم أمام الغارات الحمراء، بعد التحسن الواضح في الشكل الهجومي للفريق الإنكليزي، مقارنة بالوضعية المأساوية التي كان عليها في مباراة «ألفريدو دي ستيفانو»، بفضل تعديل مركز ساديو ماني، من مهاجم يميل إلى العمق، إلى مركزه المفضل كجناح مهاجم حر في الرواق الأيسر، ووضح التأثير الفوري، بالمشاكل التي أحدثها أسد التيرانغا للشاب الأوروغواني فيدريكو فالفيردي في أول نصف ساعة، بعد أن اضطر زيدان للاعتماد عليه في مركز الظهير الأيمن، بعد انتهاء موسم لوكاس فاسكيز وغياب داني كاربخال بداعي الإصابة، لكن في الأخير، لم يستغل ليفربول الفرصة لإحياء آماله في تعويض ثلاثية مدريد، وهذا يرجع لهبوط منحنى ثلاثي الهجوم وفاعليتهم أمام المرمى، خصوصا روبرتو فيرمينو، الذي يصر من مباراة لأخرى أنه يبصم على واحد من أسوأ مواسمه على الإطلاق، ولو أن ثلاثي الوسط جورجينو فينالدوم وجيمس ميلنر وفابينيو قدموا مباراة رائعة، وبذلوا مجهودا لمجاراة ثلاثي الميرينغي كاسيميرو ومودريتش وكروس. أما الريال، فتسلح بشخصيته وهيبته للحفاظ على نظافة الشباك، ليخرج من «آنفيلد» بأقل الخسائر، في ظل معاناة زيدان مع لعنة الانتكاسات، التي حرمته من ركائز أساسية بحجم سيرخيو راموس ورافاييل فاران وإيدين هازارد وداني كاربخال وأسماء أخرى، ليعود نادي القرن الماضي إلى الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ عام 2018، بعد خروجه المبكر في آخر نسختين على يد أياكس أمستردام ومانشستر سيتي في الدور ثمن النهائي.

تسلل الإنكليز وملامح البطل
لم تشهد مواجهتا العالم الموازي مفاجآت خارج التوقعات، باستثناء البداية المزعجة لمانشستر سيتي في معركته مع بوروسيا دورتموند في إياب «سيغنال أيدونا بارك»، والتي أسفرت عن هدف جودي بيلنغهام في الدقيقة 15، ما أعاد إلى الأذهان ليالي السكاي بلوز الحزينة في ذات الأذنين، إلى أن أعاد رياض محرز الأمور إلى نصابها الصحيح بتسجيل هدف العودة في النتيجة، وتبعه فل فودن بهدف تأمين البطاقة في آخر ربع ساعة، ليفوز السيتي بنفس نتيجة موقعة «الاتحاد» بهدفين لهدف، ليضرب موعدا مع قاهر العمالقة باريس سان جيرمان في نصف النهائي. ونفس الأمر بالنسبة لتشلسي، الذي رافق مواطنه الى المربع الذهبي، بعد هزيمته أمام بورتو بهدف مهدي طارمي العالمي في آخر لحظات الشوط الثاني وفي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، في مباراة لم يقدم فيها الفريق اللندني نفس النسخة التي كان عليها في ليلة الفوز في مباراة الذهاب بهدفين نظيفين، بل أعاد خلالها إلى الأذهان صورته الباهتة التي كان عليها في مباراة الهزيمة بالخمسة أمام وست بروميتش ألبيون، كجرس إنذار شديد الخطورة بالنسبة للمدرب توماس توخيل، ليراجع حساباته قبل مقارعة ريال مدريد في نصف النهائي الآخر.
أما إذا ظهر بنفس النسخة أمام كتيبة زيدان، فسيواجه مصير المنافس المحلي اللدود ليفربول، لصعوبة ومشقة التغلب على الريال في الوقت الراهن، مع وصول اللاعبين لأفضل حالاتهم الفنية والبدنية، أو كما يقول زيدان «نتعافى بالانتصارات»، ما يضع الميرينغي على رأس قائمة المرشحين للفوز بالكأس الرابعة عشرة في تاريخه، ليس فقط لعامل الخبرة والتمرس على ذات الأذنين أكثر من باقي المنافسين، بل لعودة الصورة المحفورة في الأذهان عن ريال مدريد المرعب، كفريق يستمد طاقته بالفوز على كبار القارة. أما من تظهر عليه مؤشرات أو ملامح شخصية البطل، فكما أشرنا أعلاه هو باريس سان جيرمان، بعد عروضه الهوليوودية في الأدوار الإقصائية أمام البارسا والبايرن، فقط يحتاج الى المواصلة بنفس الزخم أمام فريق بيب غوارديولا، ليقترب مرة أخرى من حلم ناصر الخليفي باللعب في نهائي «أتاتورك الأولمبي»، ولو أنه في عالم كرة القدم وفي ذات الأذنين بالذات، لا يمكن استبعاد حدوث أي شيء، حتى لو فجر تشلسي والمان سيتي كبرى المفاجآت، بالوصول إلى المباراة النهائية على حساب الريال والفريق الباريسي، كأول نهائي بالصبغة الإنكليزية منذ نهائي موسكو 2008 بين مانشستر يونايتد وتشلسي. لذا دعونا لا نستبق الأحداث وننتظر المتغيرات وما سيحدث في جولة الذهاب، ومعها سنعود معكم لتسليط الضوء على ما يحدث من جديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية