«لأن الحقيقة غير كافية في بعض الأحيان..لأن الناس يستحقون الأفضل .. لأنهم يحتاجون أن نعزز إيمانهم» .. قالها «باتمان» بصوت رخيم مبهم للمفتش «جوردون» قبل أن يتوارى في الظلام.. كان هذا في المشهد الختامي للجزء الثاني من ثلاثية The dark knight وهو المشهد الذي يعتبر عنصرا مهما يمكن أن نبني نحن حوله فلسفة هذا الفيلم و أن ننظمه في سلك ظاهرة الأبطال الخارقين ، ظاهرة تمثل ركنا أساسيا وجديدا في صناعة الرأي العام و توجيهه.
في حين كان يكتفى بتوشيح أشخاص حقيقين بهالة من القداسة والقوة لغايات جمع الناس حول رمز يكون مصدر إلهامهم و محل اهتمامهم خصوصا في أوقات الحروب والنزاعات يكون تعبيرا عن حاجة المجتمع له وعن كونه مصدرا للحشد والاستقطاب، شهدنا مطلع القرن العشرين بروز ظاهرة صناعة الرموز وإنشائها من لاشيء، لتكون شخصيات خيالية محملة بكم هائل من الإيحاءات والأنماط والإلماحات إلى ما يراد توظيفها لأجله.
ويبدو أن هذا اللجوء إلى الخلق والإنشاء سببه -في نظري- كون الرموز المنبثقة من شخصيات حقيقية ليس لها تلك القابلية على استيعاب فضاء واسع من الإيحاءات والمعاني المراد ترويجها، فهي يمكن أن تنهار لأن أصحابها عرضة للمساءلة والنقد سواء كانت هذه المساءلة مساءلة راهنة أو نقدا تاريخيا. وباستقراء سريع لطبيعة هذه الشخصيات المختلقة يتبين أنها بالفعل مستودع أنماط وإيحاءات و معان واسعة، وقد أثبتت هذه الرموز أنها أكثر ديمومة و مرونة .
ربما هذا ما يفسر نزوع الآلة الإعلامية إلى إعادة انتاج هذه الرموز بين حين وآخر وتحميلها بحمولات فكرية تناسب اللحظة دون الخوف من انهيار الرمز وتعرضه للمساءلة، كان هذا واضحا مثلا في الصورة التي قدمت فيها شخصية «باتمان» حين اختار «كريستوفر نولان» انتاجها بصورة أكثر واقعية و أكثر تماهيا مع الواقع السياسي و الاجتماعي.
لكن الأكثر خطورة هو كون هذه الرموز من حيث ماهيتها تحتوي على دلالات جديرة بالتأمل، فمثلا مما يلفت في شخصية «باتمان» أنها صورة معدلة ومحسنة لفارس مقنع يقوم بمهام محورية من شأنها التأثير في الواقع السياسي والاجتماعي للمدينة التي يسكنها، وإذا فالآلة الإعلامية الغربية تفهم دينامية الرأي العام وتحاول أن تجعلها متماهية مع متطلبات المرحلة، وهي بذلك قد فهمت هذه الديناميات فتعاملت معها بحيث توجهها متجنبة أي صدام أو استقطاب داخلي، وكما رأينا فإن الوسيلة إلى ذلك هي الحفاظ على مصداقية الرمز إن كان له امتداد حقيقي، و الاجتهاد في تقديم الرمز غير الحقيقي بصورة تبقيه في إطاره الترفيهي فلا ينظر إليه على أنه وسيلة خداع ممنهج.
يبدو أن الأنظمة العربية الراهنة في مواجهتها للربيع العربي أغفلت هذا القانون الحساس، فتجدها تجتهد في صناعة رموز من شخصيات أصبحت محل نقد ومساءلة من قبل الجمهور ، فنحن نرى الآلة الإعلامية التابعة للأنظمة تصر على تلميع تلك الشخصيات إلى الحد الذي انكشفت فيه وسائل التلميع هذه للرأي العام بوضوح فنبذها، وبهذا انحسر تأثير هذه الأنظمة لدى الغالبية المطلعة والمتابعة. رأينا ذلك واضحا في استجابة المجتمع للإعلام استجابة متهكمة ساخرة.
وإذا فإن ظاهرة صناعة الرموز وإنشائها ظاهرة مهمة في نظرنا يجب أن تتناول بالدراسة، ونحن تناولناها هنا من خلال صناعة الأبطال الخارقين وهي صناعة لم نولها اهتماما وليس لنا فيها إنجاز يذكر، مع أن تاريخنا مليء بالأبطال، ومع أن في اللغة و الثقافة العربية عناصر كامنة تستطيع أن توظف في خلق رموز تكون عنوانا للعدالة والأخلاق.
سعيد أبو زينة