لندن – “القدس العربي” : شهدت بطولة كأس الأمم الإفريقية التي نظمتها مصر على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، ظواهر عجيبة، ما كان لنا أن نُصدقها لولا أنها تفرض نفسها على الساحة، أبرزها على الإطلاق، التّحول العجيب في علاقة جزء كبير من المصريين مع أسطورتهم محمد صلاح، أمامه وصلت شعبية الجزائري رياض محرز والسنغالي ساديو ماني الى مستوى غير مسبوق في مختلف محافظات مصر.
غلطة الشاطر
بدا واضحا وضوح الشمس في هذه الأيام، أن الرأي العام في البلاد من الأسكندرية إلى أسوان والنوبة، لم يهضم تدخل صلاح في أزمة الفضيحة الأخلاقية، التي تصدرت غلاف الفضائح في كبرى الصحف البريطانية والعالمية، وفي هذا التوقيت الحرج من البطولة، كان زميله في “أنفيلد” ومنافسه في استاد “الاتحاد” يقدمان أفضل ما لديهما لأسود التيرانغا ومحاربي الصحراء، بينما انشغل صلاح والمحمدي وبقية الكبار، بحل أزمة زميلهم، وهذا التدخل، تم تفسيره على أنه ضغط على الاتحاد والجهاز الفني، تماما كما يحدث من حين لآخر في المنتخبات الإفريقية، التي تواجه مشاكل في فرض سيطرتها على المحترفين الكبار، وهذا الموقف بالذات، أخذ على هداف البريميرليغ آخر عامين، كونه لا يتماشى مع حديثه السابق عن ضرورة عدم العنف ضد المرأة، وباللهجة المصرية البسيطة “مش جدعنة ولا أصول ولاد البلد”، أن ينتصر القدوة لشخص مهما اختلفنا عليه وعلى من استغلت الموقف للتشهير، فهو “متحرش” مع سبق الإصرار والترصد… أليس كذلك؟
ليست الأولى يا أبو صلاح
يقولون عندما تقع “الضحية تَكثر السكاكين”، وهذه حقيقة أظهرتها ردود الأفعال الغاضبة على ما قدمه صلاح للمنتخب في هذه البطولة بالتحديد، وآخر عام أو عامين بوجه عام، هناك حالة من عدم الرضا على طريقة تعامله مع المنتخب، على سبيل المثال، تعبيرات وجهه الغاضبة عندما سجل لمصر في كأس العالم، وما أوقد فتيل الشرارة الهادئة منذ أشهر، صوره بنفس الوجه الحزين، التي كان ينشرها عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع شعب عاطفي قال عنه أبو تريكة: “لما بيحب بيحب ولما بيكره بيعاقب بشدة”، كان طبيعيا أن ينسحب البساط من تحت أقدامه رويدا رويدا، وفي خضم الحرب المؤجلة بين صلاح ومنتقديه في وطنه، قام النجم بأكثر من موقف غير موفق، على غرار ما فعله بعد ساعات من حادث قطار “رمسيس”، الذي قتل المصريين حزنا، بينما كان صلاح يحتفل بمفرده في كوكب مواز، بنشر صورة على “تويتر” وهو يبتسم بطريقة غير مسبوقة، ورغم مئات بل آلاف التعليقات التي طالبته بحذف التغريدة، في موقف مشابه لما فعل كريستيانو رونالدو من قبل، إلا أنه لم ينصع الى أحد، وترك الصورة، والسبب؟ لأنها ضمن اتفاقية تجارية.
القشة الأخيرة
في ظرف شهرين أو ثلاثة بحد أقصى، ارتكب صلاح هفوتين كان بحاجة لمراجعة نفسه جيدا قبل القيام بأي واحدة، الأولى وهي ما أثارت غضب الكثيرين، بالأخص الفئة النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، بمعنى أدق، جمهوره الأصلي، الذي كان معه منذ البداية قبل أن يتحول لنجم عالمي، حين كان يتابعه مجرد آلاف، بذكريات إمضاء “أدمن”، كما يقولون في مصر “أيام الكحرتة”، هذه الفئة، انزعجت بشدة من تصريحاته التي أدلى بها أمام مجموعة من الصحافيين الشباب المصريين في مدينة ليفربول، في مؤتمر دعائي لإحدى البنوك المصرية، شعروا أنهم أمام شخص آخر غير أسطورة الأخلاق أبو صلاح، من كان يُضرب به المثل بالعبارة الشهيرة “الله على أخلاقك يا فخر العرب”، يرى في نفسه، أنه وصل لمكانة لم يصل لها أي لاعب إفريقي من قبل، لو افترضنا جدلا أنه على صواب، رغم أنه لم يضع الإفريقي الوحيد الفائز بالكرة الذهبية جورج وياه، رئيس ليبيريا حاليا، ولا الأسطورة صامويل إيتو، الذي حقق كل ما يتمناه أي لاعب كرة قدم مع برشلونة والإنتر وتشلسي وآخرين على نفس الدرجة بما فيهم أساطير العرب السابقين وبعض الحاليين، لكن لا يُعقل أبدا أن يخرج التصنيف من صاحب الشأن، مثل هذه الأمور، ينبغي تركها للنقاد والرأي العام ليحكم، هذا في كفة وما قاله عن تقليله من شأن أبناء وطنه في كفة أخرى، صحيح نحن جميعا نعرف أنه قال الحقيقة، بأن المصريين يعشقون “الفهلوة” وإظهار معرفتهم لكل الأشياء، حتى لو أشياء لا يعرفون عنها أي شيء، بحسب تعبيره الذي تّحول لكوميكس ساخر في مواقع التواصل الاجتماعي “المينتالتي”، كرد على ما وصفه واعتبره البعض “إهانة واضحة” للمصريين، خاصة وأنه في التوقيت ذاته، أعطى ماني درسا في التواضع وإظهار أفضل ما لدى بلاده، معتبرا نفسه مجرد لاعب كرة قدم، وهناك الكثير في بلاده يخدمون المجتمع بطريقة أفضل منه، خاصا بالذكر فئة الأطباء والمهندسين والمعلمين وأساتذة الجامعة، وهو بالكاد ما مهد الطريق، لبداية علاقة الحب الجديدة بين ماني وبين كل ما كان ينعته بأقذع الأوصاف والكلمات الخادشة للحياء، تقريبا على نفس مقاعد المقاهي التي شهدت أيام العداء.
ماني ومحرز فوق العادة
من كان يصدق أن ماني، الذي كانت تتهمه الجماهير المصرية، أو بمعنى أكثر دقة عشاق صلاح، بالأنانية، كونه لا يمرر له في الفرص المؤكدة، يأتي الوقت ويكتسب هذه الشعبية والحب الكبير من الشعب المصري، وهذا لم يأت من فراغ، بل بالوطنية التي تفوح منه سواء داخل المستطيل الأخضر أو في تواضعه مع كل من يصادفه في أي مكان، أظهر على أرض الواقع، أنه رجل متواضع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكأنه لم يكتف بالقسمة الثلاثية بينه وبين صلاح وأوباميانغ على جائزة هداف البريميرليغ، بل ذهب إلى مصر، ليضرب شعبية زميله في مقتل. وكما أشرنا، الشعب المصري تغلب عليه العاطفة بطبعه، وتصرفات ماني العفوية وحكمته في حديثه عن منتخب بلاده، عّجلت بنسف الصورة السيئة أو الانطباع المأخوذ عنه لدى عشاق الفرعون. والمشكلة لا تكمن في تعلق المصريين بماني وحسب، بل بنجم البطولة رياض محرز، الذي نصب نفسه باللقب الفخري “فخر العرب”، والغريب بحق، أن الاعتراف هذه المرة، جاء من داخل مصر قبل الجزائر، حتى تصريحات قائد الخضر، أثنى عليها الغريم قبل المناصر. الرجل لم يُبالغ في تقديراته، فقط تعامل مثل منافسه السنغالي، بكلمات تعطي انطباعا بأن المنتخب الجزائري لا يفرق بين أحد من خصومه، ما يُقال عنها “الاحترام الواجب للمنافس”، بغض النظر عن اسمه وتاريخه، وهذا عزيزي القارئ في حد ذاته، ساهم في الهزة الأرضية التي شعر بها صلاح أكثر من غيره، رغم أنه كان يتابع الأصداء من دبي، فبعيدا عن تغير صورة وانطباع المصريين البسطاء عن غريمي ابن بلادهم، فالواقع المرير يقول إن الفرعون انتهت كل فرصه في الاحتفاظ بجوائزه الفردية التي احتكرها في آخر عامين، رغم أنه حتى بداية البطولة، كان مرشحا فوق العادة للحفاظ على مكانه ضمن أفضل 3 لاعبين في العالم للمرة الثانية، لكن الآن، على ما يبدو أن الأمور انقلبت 180 درجة، ولم يَعد خارج هذه القائمة وحسب، بل التهديد الأكبر، بابتعاده عن جوائزه الفردية المفضلة عنه، مثل أفضل لاعب في القارة السمراء من قبل “كاف” أو جائزة هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي).
بالورقة والقلم
صحيح قبل البطولة، تطرقنا هنا في هذا المنبر الأسبوعي، عن حظوظه في المنافسة على الجوائز الفردية العالمية، وعلى وجه الخصوص جائزة العظماء (الكرة الذهبية)، باعتباره حافظ على جائزة هداف البريميرليغ للعام الثاني على التوالي، حتى لو بالمشاركة مع ماني وأوباميانغ على الحذاء الذهبي، والأهم من ذلك فوزه بدوري أبطال أوروبا، لذا كان بحاجة فقط لإنهاء موسمه بنفس القوة مع منتخب بلاده، لكن على أرض الواقع، كان واضحا من قبل بداية العُرس الإفريقي، أنه ليس مهتما بالبطولة بالقدر الكافي، بحالة الغموض التي سيطرت على موعد عودته، لدرجة أن لا أحد في مقر الجبلاية أجاب على وسائل الإعلام عن موعد عودة نجم الفريق من الجونة، وكعادته في الأشهر الـ12 الأخيرة، بدا حزينا بعد انتهاء أيام الابتسامة العريضة على اليخت الفاخر في أفضل بقعة في محافظة البحر الأحمر، والشيء الجديد غير المعتاد منه، العازل البشري الذي كان بينه وبين الجميع طوال فترة وجوده مع المنتخب المصري، على عكس مثلا ماني، الذي كان يتعامل ببساطة وتواضع مع المشجعين قبل الصحافيين، والأمر ينطبق كذلك على محرز. وتلاحظ عزيزي القارئ، أن كليهما لعب دور البطولة في وصول منتخب بلاده للنهائي، وهي تقريبا الأشياء التي كان ينتظرها مشجعو مصر عموما وصلاح بالأخص، لكن في حقيقة الأمر، وضعه لم يختلف كثيرا عن بقية اللاعبين، مكتفيا بتسجيل هدفين بجهود ذاتية بحتة، وبوجه عام، لم يظهر شخصية اللاعب البطل أو القائد التي كانت منتظرة منه، بل فعل النقيض، خاصة عندما انحاز لزميله المتحرش على حساب كل شيء، لذا، ربما لو انتهى موسمه عند احتفاله بالكأس ذات الأذنين، ولم يكن هناك “كان” من الأساس، لظل المرشح الأول لاحتكار جائزة أفضل لاعب في القارة السمراء على أقل تقدير، بينما الآن، يواجه شبح فقدانها إما لماني، باعتباره يقاسمه نفس اللقبين، أفضل هداف في البريميرليغ والتتويج بالأبطال، لكنه يتفوق بحملته الجيدة جدا مع أسود التيرانغا في البطولة، ولا ننسى أن محارب الصحراء، خطف البساط من الجميع في ختام الموسم، بتسجيل واحد من أهم وأجمل أهداف مانشستر سيتي في اللقاء الختامي أمام برايتون، عندما رسم لوحة إبداعية على طريقته الخاصة، بفاصل مهاري ولا أروع، ختمه بتسديدة ضمان احتفاظ السيتي بلقب الدوري الأشهر عالميا للمرة الثانية على التوالي، وللمرة الثانية لرياض بعد معجزته الشهيرة مع ثعالب ليستر سيتي عام 2016، قبل أن يكمل مع منتخبه من حيث انتهى مع السيتي، بتقديم أفضل عروضه على الإطلاق على المستوى الدولي، وباعتراف معلقهم المحبوب حفيظ دراجي، هو بنفسه لم يشاهد محرز ابن جلدته بهذه الصورة البراقة من قبل، ونحن كذلك، أشرنا في مادة عن المنتخب العربي الأكثر إقناعا مع بداية دور المجموعات، أن صورة رياض أقرب ما يكون للنسخة التي كان عليها في موسم المعجزة.
ماذا بعد؟
أقل ما يُمكن قوله، أن صلاح كان الخاسر الأكبر من البطولة الإفريقية، بسببها تقلصت فرصه في تكرار ما فعله في آخر عامين، وأيضا دفع ضريبة باهظة من قاعدته الجماهيرية الأساسية بسبب مواقفه الصادمة للرأي العام في معسكر المنتخب، وكأنه يسير بسرعة الصاروخ مع منتخبه على طريق ليو ميسي مع الأرجنتين، بطل الأبطال في أوروبا والعكس عندما يرتدي قميص المنتخب، والمفارقة، أن البرغوث لم يفز بأي بطولة قارية مع سحرة التانغو، لكنه في الوقت ذاته هدافهم الأول على مر العصور، كذلك النجم المصري، لديه في سجله أكثر من 40 هدفا، على بعد أقل من 20 هدفا ليتجاوز عدد أهداف حسام حسن بقميص الفراعنة، وفي الوقت ذاته إنجازه الوحيد مع المنتخب هو الوصول لكأس العالم 2018، قبلها بعام شارك في أول بطولة إفريقية، وخسر في النهائي أمام الكاميرون، وفي حضوره الثاني في مصر لم يكن في الموعد، لذا عليه مراجعة حساباته مرة أخرى، ليس فقط ليعود للمنافسة على جوائزه المفضلة العام المقبل، بل ليصالح من صدمهم بـ”المينتالتي” ومواقفه التي جعلته نسخة كربونية من ميسي في الأرجنتين. كذلك في ما يخص اختيارات اللاعبين، فكما يُشاع عن البرغوث أنه يتدخل في اختيارات اللاعبين والتشكيلة، بل يُقال إنه المسؤول الأول عن انضمام ماورو إيكاردي للتانغو، نفس هذه التهم وغيرها، جلبها صلاح لنفسه، بعد ضغطه لإعادة زميله، بعد اتخاذ قرار طرده من المعسكر، ما يعني أن عليه التركيز على ما يخصه داخل الملعب فقط، بدون الالتفاف أو التركيز مع مشاكل زملائه الخارجية، حتى لا يجهد ذهنه وتفكيره في أشياء تؤثر على تركيزه ومستواه مع المنتخب، وليس لأي شيء آخر، وكما صّعد لهرم النجومية العالمية بتواضعه وأخلاقه التي كان يُضرب بها المثل، لن يعود لوضعه ومكانته الطبيعية، بدعم 100 مليون في ظهره إلا بالعودة لها مرة أخرى، بتصرفات ومواقف الأبطال، ومن يُحكى عنهم في كتب الأساطير، وليس بمواقفه الأخيرة التي فُسرت بسوء نية على أنها محاولة منه لإظهار مساوئ أبناء وطنه، بالطبع هذا النقد، بعيد كل البعد عن الجانب الإنساني في حياته الاجتماعية، كشخص يتبارى في فك كرب الفقراء والمحتاجين يوميا، والسؤال الآن: هل سيعود للتواصل مع متابعيه كما كان يفعل في الماضي؟ أم سيواصل العيش في عالمه الموازي؟ كما يفعل كل يوم، بنشر صور غير مفهومة بشكل يومي على “تويتر” و”فيسبوك”، وكأنها رسالة بأنه لا يكترث بما يُكتب أو يتداول عنه أو بالمقارنات بينه وبين ماني ومحرز… إن غدا لناظره قريب.