كيف تلبي أوروبا حاجاتها من الطاقة في الشتاء المقبل بتكلفة معقولة؟

آدم جابر
حجم الخط
1

بروكسل ـ «القدس العربي»:  بينما يعيش الأوروبيون على وقع أزمة مستمرة خانقة وغير مسبوقة تسببت فيها الحرب في أوكرانيا، زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين كييف الخميس الماضي، وذلك غداة خطابها الذي كان منتظراً بقوة حول حالة الاتحاد الأوروبي، أمام أعضاء البرلمان الأوروبي المجتمعين في ستراسبورغ يوم الأربعاء الماضي، والذي طغت عليه أزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا.

في كييف، التي زارتها فون دير لاين يوم الخميس والتقت بالرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينكسي، تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية بدعم أوكرانيا «طالما اقتضت الضرورة» في مواجهة روسيا، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى بذل قصارى جهده كي يضمن لكييف «مزيدا من الأعمال ومزيدا من الدخل». وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، خلال هذه الزيارة الهادفة أيضاً إلى مناقشة عملية اندماج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، تقديم خمسة مليارات يورو كمساعدة مالية لهذا البلد الذي أنهكته الحرب والذي يصر رئيسه فلوديمير زيلينسكي منذ اجتياحه في الرابع والعشرين من شهر شباط/فبراير الماضي على أنه غير قادر على كسب الحرب دون مساعدات مالية غربية كبيرة ومعدات غربية متطورة جدا. بل إن الرئيس الأوكراني ظل يردد دوما عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» أمام برلمانات الدول المنخرطة في دول الاتحاد الأوروبي أنه على هذه الدول التحرك بسرعة وبجدية لمساعدة بلاده لأن الحرب على حدودها وفي عقر القارة الأوروبية.

مطالب عسكرية
ومالية وهموم طاقية

يذكر أن زيارة أورسولا فون دير لاين الأخيرة التي حصلت خلالها على وسام أوكراني من فلوديمير زيلينسكي هي الثالثة من نوعها، لكنها الأولى منذ أن أصبحت أوكرانيا مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على خلفية مصادقة الأوروبيين في حزيران/يونيو الماضي على هذا الترشح وشبه قناعة اليوم لدى كثير من الأكورانيين أن انضمام بلادهم إلى الحلف الأطلسي هي الطريقة المثلى لاختبار نوايا روسيا التوسعية من جهة وقدرة الغرب على الصمود أمام روسيا. والواقع هذا الاحتمال تنظر إليه موسكو على أنه تهديد وجودي وأنه يبرر إقدامها على شن حرب على أوكرانيا في شباط/فبراير الماضي. أما الغرب فقد سارع إلى تبني سلسلة من العقوبات ضد روسيا وتكثيف مساعداته إلى أوكرانيا ولاسيما المساعدات العسكرية. وهو دعم حاسم مكن القوات الأوكرانية في الأسابيع الأخيرة من استعادة آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي التي كانت القوات الروسية قد سيطرت عليها بعد اجتياح أوكرانيا. ومع ذلك، يلح الرئيس الأوكراني يوما بعد آخر على أن هذه المساعدات ينبغي أن تُكثَّف وكذا الشأن بالنسبة إلى المساعدات المالية خاصة بعد أن أثرت الحرب سلبا في اقتصادها. وتحتاج البلاد، وفقًا لتقديرات وزير ماليتها سيرجي مارشينكو، إلى خمسة مليارات دولار شهريًا لتغطية عجز ميزانيتها.
لقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عشية زيارتها إلى كييف، أمام أعضاء البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، خلال كلمتها حول حالة الاتحاد، أن الاتحاد الأوروبي سيؤسس بنكًا عامًا مخصصًا لتطوير طاقة الهيدروجين القادرة على استثمار ثلاثة مليارات يورو «لبناء سوق الطاقة في المستقبل» بالنسبة إلى دول الاتحاد. وقد تطرقت في جزء كبير من خطابها إلى هذا الموضوع، مؤكدة أيضًا أن الاتحاد سيجري «إصلاحًا عميقًا» لسوق الكهرباء الأوروبية للتعامل مع الارتفاع في أسعار الكهرباء والطاقة. ففي محاولة للتعامل مع هذه الأزمة، كانت رئيسة المفوضية الأوروبية قد قدمت في أيار/مايو خطتها «RePower EU» التي تنص على تسريع الطاقات المتجددة داخل الاتحاد الأوروبي لتحرير نفسه بأسرع ما يمكن من واردات الغاز الروسي، وذلك رداً على غزو أوكرانيا من قبل روسيا.

الاستثمار الأوروبي
في الهيدروجين

في هذا الإطار، وافق قادة المؤسسات الأوروبية، في تموز/يوليو الماضي، على مشروع بحث وتطوير لصالح الهيدروجين، وهو قطاع استراتيجي لإزالة الكربون من الاقتصاد، من خلال توحيد إحدى وأربعين مبادرة تضم خمساً وثلاثين شركة (مجموعات كبيرة، شركات صغيرة ومتوسطة أو شركات ناشئة) بدعم من خمسة عشر بلداً عضوا في الاتحاد، بما في ذلك ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا. وقد سمحت بروكسل بتمويل عام يصل إلى 5.4 مليار يورو، وتقدر أن هذه المساعدات الحكومية يجب أن تتيح تعبئة 8.8 مليار استثمارات خاصة إضافية وخلق 20 ألف فرصة عمل في جميع أنحاء أوروبا. ويفترض أن يلعب الهيدروجين دورًا مركزيًا في تمكين الصناعة من إنتاج الصلب أو الأسمنت أو المواد الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية دون انبعاث ثاني أكسيد الكربون. وبالتالي يمكن أن يحل محل الفحم في الصناعة ويجعل من الممكن تخزين الطاقات المتجددة المتقطعة والشمسية أو طاقة الرياح عبر خلايا الوقود. ويمكن أيضا ان يستخدم النقل الثقيل (القطارات والسفن ومركبات الطرق وما إلى ذلك) الهيدروجين ليحل محل الوقود الأحفوري. وتعهدت فون دير لاين أيضًا بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بإنشاء «احتياطيات استراتيجية» لتجنب انقطاع الإمدادات في المواد الخام «الحرجة» لصناعتها. وأكدت في النهاية أن الاتحاد الأوروبي سيضاعف قدراته على مكافحة الحرائق العام المقبل من خلال شراء عشر طائرات برمائية خفيفة وثلاث طائرات هليكوبتر إضافية.
كلمة رئيسة المفوضية الأوروبية الأربعاء المُنصرم حول حالة الاتحاد الأوروبي، سبَقها اجتماع مهم في بروكسل، من حيث السياقُ والتوقيت، لوزراء الطاقة الأوروبيين، ناقشوا خلاله وضع الطاقة في أوروبا في سياق الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وسط استمرار ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء.

مخاض عسير

تعلمت دول الاتحاد الأوروبي من أخطائها الكثيرة في مواجهة الشطر الأول من أزمة كورونا. وهي تثني عموما على رئيسة المفوضية الأوروبية التي تولت بنفسها الإشراف على شراء لقاحات ضد الفيروس المتسبب في الوباء باسم الاتحاد كله. وكان للمفوضية أيضا دور مهم في بلورة استراتيجية مواجهة روسيا والتخلص من تبعيتها تجاه الغاز الروسي. وتقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور هي التالية:
أولا، محور التخلي التدريجي عن الغاز الروسي والتخلي عنه كليا بنهاية عام 2027 وذلك عبر تنويع مصادر التزود بالغاز من بلدان أخرى في أوروبا وفي منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية. ثانيا، تعزيز منظومة مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة. ثالثا، ترشيد استهلاك الطاقة والحرص على أن يتم إشراك الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة في هذا الجهد.
وعلى الرغم من أن هذه التوجهات تبدو منطقية جدا وفي الطريق الصحيح، فإن تجسيدها على أرض الواقع يبدو عملية صعبة ومعقدة لعدة اعتبارات، منها مثلا أنه لا يمكن إقامة شراكات جديدة واعدة ومنتظمة مع بلدان أخرى للحصول على الغاز بين ليلة وأخرى، بل إن ذلك يحتاج إلى سنوات بل إلى عقود. وتنطبق الملاحظة ذاتها على عملية توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة. وبالتالي فإن هم المسؤولين في دول الاتحاد الأوروبي يتمثل في السعي إلى سؤال جوهري ذي أبعاد ثلاثية هو التالي: كيف تلبي أوروبا حاجاتها من الطاقة في الشتاء المقبل بتكلفة معقولة؟
في هذا السياق أيَّد وزراء الطاقة الأوروبيون تحديد سقف لدخل منتجي الطاقة النووية والمتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية والكتلة الحيوية والطاقة الكهرومائية) الذين يبيعون الكهرباء بسعر أعلى من تكاليف إنتاجهم. في الواقع، يتم ربط سعر الكهرباء بسعر الغاز الذي ارتفع بشكل حاد منذ بداية الحرب في أوكرانيا.
من بين الإجراءات التي تم النظر فيها، إجبار الدول على تقليل استهلاكها للكهرباء قبل فصل الشتاء المخيف. وقال كادري سيمسون، المفوض الأوروبي للطاقة: «سنقترح أهدافًا ملزمة لخفض استهلاك الكهرباء في أوقات الذروة». وتريد الهيئة أيضًا وضع حد أقصى لعائدات مشغلي الطاقة النووية والمتجددة، مثل طاقة الرياح، الذين يبيعون الكهرباء بسعر مرتفع للغاية مقارنة بتكاليف إنتاجهم. وسيجتمع الدول الأعضاء الـ 27 مرة أخرى الأسبوع المقبل، على أمل التوصل إلى اتفاق توافقي يضمن أمن الإمدادات.
وقدمت المفوضية الأوروبية إلى الدول الأعضاء عدة آليات ممكنة لوقف ارتفاع أسعار الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء. واتفق الوزراء على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية، لكنهم طلبوا من المفوضية تقديم مقترحات جديدة بحلول منتصف أيلول/سبتمبر الجاري للتوصل إلى توافق في الآراء. هذه الأخيرة (المفوضية الأوروبية) تقترح جني الإيرادات من هذه الشركات بتكاليف إنتاج منخفضة لإعادة توزيع الدخل على الأسر والشركات الضعيفة. كما تقترح إنشاء مساهمة تضامنية لشركات الوقود الأحفوري (الغاز والفحم والنفط) بحيث تساهم جميع مصادر الطاقة في حل أزمة الطاقة هذه. وللحد من تأثير ارتفاع أسعار الغاز على أسواق الكهرباء الأوروبية، تقترح المفوضية الأوروبية وضع حد أقصى لأسعار الغاز التي يشتريها الاتحاد الأوروبي وبالتالي الاتفاق على سعر مشترك لا يجب تجاوزه. لكن الدول الأعضاء في الاتحاد ما تزال منقسمة بشأن هذه القضية خاصة وأن عدة بلدان أوروبية تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، تخشى من العواقب الاقتصادية لمثل هذا الإجراء، حيث أعلنت روسيا أنها ستقطع شحنات الغاز في حالة فرض سقف للسعر.
وكان الرئيسُ الروسي فلاديمير بوتين قد هدد الأسبوع الماضي بوقف كل شحنات المحروقات في حال فرض حد أقصى للأسعار، وذلك وسط تزايد مخاوف الدول الأوروبية من حدوث نقص. وشدد بوتين على أن موسكو لن تسلم المزيد من النفط أو الغاز إلى الدول التي من شأنها أن تضع سقفًا لأسعار الهيدروكربونات التي تبيعها موسكو، معتبراً أن وضع سقف لأسعار المحروقات الروسية يعد «قرارا غبيا». بل إن النرويج التي أصبحت اليوم أهم بلد يزود دول الاتحاد الأوروبي بالغاز الطبيعي بعد تقلص الإمدادات الروسية ترفض بدورها وضع سقف لأسعار غازها.
أما الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فقد كانت قد توصلت في تموز/يوليو الماضي إلى اتفاق لخفض استهلاكها من الغاز بنسبة 15 في المئة خلال الفترة الممتدة من اب/أغسطس المُنصرم إلى آذار/مارس من العام المُقبل. ويمكن تعزيز هدف التخفيض هذا، حيث يطلب وزراء الطاقة الأوروبيون من المفوضية الأوروبية تقديم اقتراح تحفيز التخفيض المنسق في الطلب على الكهرباء في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغط على توليد الكهرباء ومعالجة نقص الطاقة.
صحيح أن أحد دروس غزو أكورانيا من قبل روسيا يتمثل في اقتناع دول الاتحاد الأوروبي بضرورة وضع استراتيجية أوروبية مشتركة في مجال الطاقة تساعدها على تحقيق الأمن الطاقي، ويدرك القادة الأوروبيون أن هذا المخاض سيكون عسيرا جدا لأن أوروبا لا تزال بحاجة كبيرة إلى الغاز الروسي بدليل أن الأموال التي دفعتها بلدانها إلى روسيا لشراء محروقاتها ولاسيما الغاز بلغت 87 مليار يورو منذ نشوب الحرب الروسية على أوكرانيا. وهم، اليوم، يشترون الغاز أقل بأربع مرات من روسيا، غير أنهم يدفعون مقابل ذلك عشرة أضعاف. وبينما تهدد روسيا بوقف عمليات التسليم، ترغب الدول الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في التخلص من التبعية الطاقية تجاه روسيا أيا كان الثمن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية