كيف تنظر إسرائيل إلى الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

حجم الخط
0

قرار الرئيس الأمريكي إعادة قوات بلاده من شمال سوريا إلى الديار استقبل بغضب شديد وبوابل من الانتقاد من اليمين واليسار. فالانتقاد الذي رأى “خيانة” للأكراد نبع من قلق أخلاقي على مصير الأكراد، ولكن بقدر لا يقل عن ذلك، من الكراهية والاحتقار لترامب أيضاً.

في الوقت نفسه الذي يمكن لنا فيه أن نفهم العطف على الأكراد، من الصعب أن نقبل الجهل الذي أبداه منتقدو القرار بشأن جوهر العلاقات الدولية وبالنسبة للسياسة الخارجية والمزاج العام في المجتمع الأمريكي.

إن العلاقات بين الدول منظومة من المساعدة الذاتية، وعلى كل دولة أن تحرص على مصالحها في حماية استقلالها وسيادتها. أما وجود الكيانات الصغيرة فهو عرضة للخطر دوماً، والاعتماد على الحلفاء يتبين أحياناً كخطأ مصيري. حالة تشيكيا في 1938 مثال على ذلك.

كان ينبغي للأكراد أن يعرفوا هذا. فقد سبق أن هجروا في الماضي من قبل الولايات المتحدة ما إن تغيرت المصالح الأمريكية: في 1975 تحت رئاسة جيرالد فورد، وفي 1992 تحت رئاسة جورج بوش. فقرار ترامب ليس جديداً، بل سبق أن أعلن قبل نحو سنة عن نيته سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا. وعملياً فإن قراره يعكس سياسة بدأ بها الرئيس أوباما: الانسحاب الأمريكي من المنطقة. فالولايات المتحدة لم تعد تحتاج إلى مقدرات الطاقة التي في الشرق الأوسط، وتدخلها العسكري طويل السنين جبى ثمناً دموياً باهظاً بكل معنى الكلمة.

ترامب ليس معروفاً كرجل الكتاب، ولكنه يواصل تقاليد ثقافية عتيقة ومعروفة من كتابات توكيديدس، وماكفيلي، وكيسنجر: الواقعية السياسية. فمن السذاجة التوقع بأن تتصرف الدول وفقاً للمبادئ الأخلاقية؛ فالحكومات تتبنى سياسة تخدم مصالح دولها. قد يبدو هذا “بارداً” ولكن الواجب الأخلاقي الأعلى هو البقاء والمصالح وليس الإيثار.

في الديمقراطيات، يقرر المصالح زعماء الدولة وتعكس بقدر كبير تفضيلات الشعب. سياسة ترامب التي لا يمكن أن نفصلها عن دوافعه الانعزالية، تعكس المزاج السائد في الجمهور الأمريكي. بعد عقود من القتال في الشرق الأوسط دون تحقيق إنجازات ذات مغزى، تعبت أمريكا من الحروب.

صحيح أن الولايات المتحدة درجت على أن ترى في نفسها برجاً من القيم الديمقراطية وشرطي العالم أيضاً، ولكن مواطنيها تعبوا من تحقيق هذا الهدف. ترامب نفسه لم يكن قط شريكاً في الحساب بأن لأمريكا دوراً خاصاً في العالم، ولكنه يشعر بنفور كثير من الأمريكيين من المغامرات العسكرية خلف البحار. وإحضار الجنود إلى الديار هو استجابة لما يريده الجمهور، الأمر الكفيل بأن يفيده في انتخابات الرئاسة السنة المقبلة.

لا شك أن إخراج القوات الأمريكية من شمال سوريا يؤثر على المصالح الإسرائيلية. فالقرار يمنح حرية عمل أكبر في المنطقة لإيران وتركيا ودول أخرى في الخليج قد تقترب من طهران. ولكن القرار بالمقابل يجعل إسرائيل حليفاً أهم من الماضي بالنسبة لواشنطن؛ وهي تحظى بحرية عمل أكبر لتحقيق أهدافها واستخدام القوة.

بدلاً من الانضمام إلى جوقة التنديد، على إسرائيل أن تتكيف مع الوضع الجديد الذي -كما أسلفنا- هو بمثابة مفاجأة، وأن تجد الردود المناسبة، وعليها أن تمتنع عن الدعوة إلى وجود أمريكي في المنطقة، ففي نهاية المطاف شدد التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي دوماً على الاعتماد على النفس. اليوم، مثلما في الماضي، على إسرائيل أن تكون مستعدة للعمل بنفسها، حتى بدون حليف.

بقلم: أفرايم عنبر
إسرائيل اليوم 22/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية