لوس أنجليس – «القدس العربي» : بعد مشاهدة العرض الأول لفيلم «جوكر» العام الماضي، أجريت أول مقابلة تلفزيونية مع بطله خواكين فينيكس، المعروف بعدم ارتياحه في مثل هذه المقابلات، لكنه وافق على إجراء مقابلات تلفزيونية بسبب ضغط الاستوديو المنتج «وورنر بروس». ومع أنه يعرفني منذ عشرة أعوام ونقاشنا العديد من المواضيع الشخصية والمهنية عبر السنين، إلا أنه أوقف المقابلة عندما شرعت بسؤاله عن مضامين الفيلم المثيرة للجدل، وخرج معي الى الصالة بعيداً عمن حولنا، وهمس في أذني: دعنا لا نناقش هذه المواضيع أمام الكاميرا. فسألته ألا تريد أن يسمع جمهورك رأيك في تلك المواضيع؟ فهز رأسه، وقال: أريد أن أناقشها معك لأننا نعرف بعضنا وأنت تحترم رأيي، لكن أنا لا أعرف من هؤلاء الناس الذين سوف يشاهدونني ولا أعرف كيف سيردون على رأيي إذا لم يتوافق مع نظرتهم.
فاتصلت بمخرج الفيلم، تود فيليبس، وأخبرته عما حدث مع خواكين. فقال لا تقلق، سأجيب على كل الأسئلة. وفعلاً، فعل ذلك أمام الكاميرا. وبعد المقابلة، عبّر عن قلقه من رد فعل محبي شخصية «جوكر». فهل كان تصرفهما منطقيا؟
الجواب أتى بعد بث المقابلة على شبكات التواصل الاجتماعي. انهالت المسبات والشتائم ليس على خواكين وتود وحسب، بل طالتني أيضاً. استشاط البعض غضباً من أسئلتي وطريقة طرحها على بطلهم المغوار، خواكين، وتمنوا لو أنه تصرف مثل شخصية الجوكر وقتلني. والبعض الآخر استاء من تصرفات خواكين في المقابلة ووصفه بـ «المضطرب النفسي». بينما اتهمت فئة آخرى تود بعدم فهم شخصية جوكر وتشويهها.
تلك المسبات لم تنحصر في مواقع التواصل الاجتماعي. فعندما التقيت بتود وخواكين لاحقاً في مناسبات هوليوودية، أخبرني تود أنه تلقى كماً هائلاً من رسائل الشتم وحتى التهديد بالقتل من معجبي جوكر، الذين لم يشعروا بالرضا إزاء طرحه لشخصية الكوميكس الشريرة في فيلمه.
لكن خواكين تفادى ذلك لأنه بنى جدرانا الكترونية حوله حالت دون وصول أي رسائل من هذا النوع.
السؤال إذا: ما هو مصدر ذلك التعصب والتطرف الفكري تجاه شخصيات روايات خيالية اختلقها ذهن كاتب أو مخرج أو فنان ما، وما سبب الارتباط العاطفي بها وكأنها شخصيات نبوية أو مقدسة أو حتى مؤلهة؟
شخصيات الأساطير تبجل وتعبد
في الواقع، كانت شخصيات الأساطير تبجل وتعبد منذ نشأة أولى الحضارات البشرية، وكان أولها وأشهرها شخصيات الأساطير الإغريقية التي اختلقت آلهة مقدسة ذات قوى خير أو شر خارقة. تلك الأساطير كانت أساس الديانة الإغريقية والمسرح الإغريقي. كما أن كتب الديانات السماوية اللاحقة قدمت أساطير ذات شخصيات مشابهة ما زالت تعتبر مقدسة حتى يومنا هذا، ويستدعيها المؤمنون في أوقات عصيبة لتنجدهم من محنهم الدنيوية.
في تلك الأساطير، تملك الشخصيات الشريرة قوى خارقة تستخدمها لتعيث خرابا ودمارا.
والبشر لا يملكون القدرة على مواجهتها، فيظهر بطل خير ذو قوى وقدرات فوق طبيعية يتصدى لقوى الشر ويهزمها وينقذ البشرية. وهكذا يستحوذ البطل على تبجيل المتلقي وتقديسه.
وكلما زادت قوة شخصيات الشر وتمكن البطل من هزمها، يزداد تبجيله من قبل الجمهور وربما يتحول إلى إله.
بداية اتخذ البشر آلهة من مكونات الطبيعة التي منحتهم الحياة مثل الشمس والبحار والأنهار والنار. لكن الأساطير خلقت لهم آلهه فوق الطبيعية أقنعتهم بوجودها دون أن يحسوا بها في أي من حواسهم الخمسة، من خلال إثارة مشاعرهم الفطرية تجاههم وإبهارهم بقدراتهم الخارقة.
فالإنسان يخاف أو يبجل من لا يحس به أكثر من الذي فعلا يحس به. وأذكر قول المخرج العريق، وودي آلن، في أحد لقاءاتنا: «لا تحاول أن تلتقي بمعبوديك من النجوم، لأنك سوف تكتشف أنهم بشر مثلك، يشكون ويبكون، وسيخيب أملك. فأفضل أن تتمسك بصورة تخيلك بهم».
منذ نشأتها، أدركت «هوليوود» القوة التأثيرية لشخصيات مثل هذه الأساطير على أذهان الناس، فقامت بخلق نجوم السينما، الذين اتسموا بجمال ساحر وكاريزما خارقة، لتجسيدها على الشاشة الكبيرة الساحرة.
وسرعان ما تحول أولئك النجوم الى مشاهير أكثر جاذبية للجماهير من رجال الدين أو زعماء الدول، يتدفق الناس لمشاهدتهم أو إذا كانوا محظوظين لمسهم أينما ذهبوا وكأنهم كانوا قديسين.
ظهور أساطير «الكوميكس» بعد الحرب العالمية الثانية
وعندما اشتعلت الحرب العالمية الثانية وأصيب الشعب الأمريكي بالهلع، ظهرت أساطير الكوميكس في الولايات المتحدة لتطرح أبطال قوى خارقة تواجه أعداءً جبارين وتدحرهم.
هؤلاء الأبطال الخياليون أثاروا روح الطمأنينة بين الأمريكيين وعززوا من ثقتهم بالنصر ونظرتهم تجاههم كآلهة تحارب معهم ضد أعدائهم.
لهذا عندما صار يخفت بريق نجومها، ألبستهم هوليوود أقنعة مطاطية ليؤدوا أدوار أبطال أساطير كوميكس، يستخدمون قواهم الخارقة لإنقاذ البشرية من شخصيات قوى خارقة شريرة.
وسرعان ما سحرت تلك الشخصيات مئات الملايين من المعجبين وجعلت بعضهم يقدسها.
إذا تستخدم أفلام هوليوود نهج الديانات في إشعال خيال البشر لتحميهم من واقعهم المر وتوهمهم بوجود عالم أفضل، يحققون فيه مآربهم وينتصرون فيه على أعدائهم ويتذوقون نعماً هم محرومون منها من خلال تجارب ابطالها.
لكن هذا الوهم يتحول عند الكثيرين الى حقيقة مطلقة، يتصدون لمن يشكك فيها بالمسبات وأحيانا بالعنف وسفك الدماء. فعندما تشتعل المشاعر تخمد العقلانية.
لهذا قلما تطرح الأفلام أحداث قصصاً واقعية أو تاريخية بمصداقية، بل تتلاعب بها من خلال مزجها بالخيال وتجعلها درامية لكي تثير مشاعر الجمهور وتربطهم عاطفياً مع شخصياتها فتكون أكثر تأثيرا عليهم، رغم أن طرحها يكون غالباً غير منطقي، وذلك لأن إثارة المشاعر تخلق التصديق عند المشاهد، فيتحول الطرح الخيالي إلى حقيقة بينما تغرق الحقيقة المستلهمة منها في بحر النسيان.
سرد القصص والأساطير للناس لا يقل أهمية عن الهواء الذي يتنفسونه. فمنذ نشأة الحضارة البشرية، ملأت الأساطير الفراغ الروحاني والنفسي والذهني عند البشر وحمتهم من شعور الملل المروع وأوهمتهم بتاريخ مجيد لا مجد فيه وبمعنى لحياة لا معنى لها، وغرست في أذهانهم أفكارا بلورت حضارات وتقاليد وديانات متباينة لدرجة أنها أثارت العداء والكراهية بين بعضهم البعض وأسفرت عن صراعات دامية وحروب مدمرة.