كيف خرج زيدان من نفق ريال مدريد المظلم؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: تنفس ريال مدريد وعشاقه الصعداء، بتحسن الأداء والنتائج في فترة ما بين آخر عطلتين للفيفا هذا العام، ليسكب زين الدين زيدان الكثير من الماء على كرة اللهب المشتعلة حول مستقبله، والتي تجلت في أعنف وأشرس حملة انتقادات تعرض له منذ توليه مقاليد حكم النادي الملكي في ولايته الثانية مع بداية فصل الربيع الماضي، بسبب البداية المتواضعة، على المستوى المحلي والقاري، والتي على إثرها كاد زيزو أن يخسر وظيفته لولا الصحوة الأخيرة المبشرة.

عامل التوفيق

عُرف عن زيدان أنه مدرب محظوظ، وكثيرا يبتسم له التوفيق في لحظات فارقة على الألقاب، وهذه الميزة افتقدها في بداية ولايته الثانية، بكم صادم من الإصابات المتلاحقة لجُل اللاعبين، واستمرت لوقت غير بعيد هذا الموسم، بتعرض 12 لاعبا لإصابات متنوعة، منهم لاعبان أصيبا مرتين وثلاثة مثل الظهيرين مارسيلو وفيرلاند ميندي، وهذا الحظ العاثر، أجبره على تغيير خطته أكثر من 3 أو 4 مرات حتى الجولات التسع الأولى لليغا، فكانت المحصلة الفوز بخمس مباريات فقط، أغلبها انتصارات تحققت بالمصطلح الكروي الدارج “كرة قدم قبيحة”، وفي خضم هذه الأزمة، وضع الفريق نفسه في موقف لا يحسد عليه في دوري أبطال أوروبا، بجمع نقطة واحدة في أول جولتين، بالهزيمة أمام باريس سان جيرمان 3-0، ثم التعادل مع كلوب بروج في قلب “سانتياغو بيرنابيو” بهدفين للكل، ما ضاعف الضغوط على زيدان وفتح المجال للتكهن حول مستقبله، مع تزايد الحملة الإعلامية التي كانت تقودها الصحف المدريدية، بالتمهيد لخطوة ما بعد زيزو إذا أقيل في المستقبل القريب، لكن فجأة، ابتسم له القدر، بتعثر المنافسين المباشرين على المستوى المحلي، كما سقط برشلونة أمام ليفانتي بالثلاثة، وفي التوقيت ذاته، بدا وكأنه يتحسس أول طريق المشروع، بعدما قادته الظروف للاعتماد على الوجوه الشابة التي كان يجلسها بجانبه في بداية الموسم، والحديث عن الغالاكتيكو الحقيقي رودريغو غوس، الذي أعطى إضافة لا يستهان به في الثلث الأخير من الملعب، لدرجة أنه جعل البعض يسرح بخياله لزمن كريستيانو رونالدو الجميل، بعد أهدافه الثلاثة الهاتريك في غلطة سراي في مباراة الستة، وقبل التمعن في انفجار الموهوب البرازيلي، فتش عن ذكاء زيدان في اختبار عقلية اللاعب وقدرته على تحمل الاستفزاز، بإخراجه من التشكيلة الأساسية وأحيانا من القائمة بعد تألقه في مباراة، صحيح في بداية الموسم، كانت مبالغة من زيدان في عدم اعتماده على صاحب الـ18 عاما، لكن يُحسب له أنه عندما قرر منح الفرصة لرودريغو، نجح بامتياز في تخيف الضغط عليه بشكل تدريجي، بالاعتماد عليه في البداية في مباريات أمام فرق متوسطة، وبشكل تدريجي بدأ يعطيه الفرصة في مباريات فارقة، كما أشركه ضمن التشكيلة الأساسية في لقاء غلطة سراي الأول، الذي بسببه، هدأت كل التوترات داخل النادي، والدليل على ذلك التغير الجذري في أداء الفريق على المستوى الفردي والجماعي بعد رحلة اسطنبول، باستثناء التعادل السلبي مع ريال بيتيس.

العثور على القطعة النادرة

من أكثر الأسباب التي أوقدت شرارة شائعات إقالة زيدان، عدم ظهور ملامح حقيقية لمشروعه الجديد، باللعب بنفس التشكيلة التقليدية المحفوظة لدى الصغير والكبير، لكن في الأسابيع القليلة الماضية، كان محظوظا بظهور البديل الإستراتيجي للقطة المفقودة في مشروعه في وسط الملعب، وهو لاعب الوسط الشاب فيديريكو فالفيردي، الذي يعوض مدربه من مباراة لأخرى ضياع صفقة مواطنه بول بوغبا، بأداء متزن مفعم بطاقة وحيوية بداية العشرينات، وهو الخيار الذي كان يفتقده الريال في الوسط لحل معضلة الحلقة الفارغة في العمق بين الدفاع والوسط، وكنا نشاهد الفرق تخترق الفريق المدريدي من العمق بكل سهولة وأريحية، كما فعل أتلتيكو مدريد في مذبحة السباعية الودية وباريس سان جيرمان في ثلاثية “حديقة الأمراء”، لكن في وجود فالفيردي، بدأ زيدان يتخلص من هذا الصداع، وحدث ذلك بعد تعرض لوكا مودريتش للإصابة مع منتخب بلاده الكرواتي في عطلة أكتوبر، ليعثر على كنز في وسط الملعب بجانب كاسيميرو، بمهام وإمكانيات لاعب وسط دفاعي من طراز خاص، كما أثبت في مباريات الصحوة الأخيرة، والتي ختمها بآخر هدف سجله الريال قبل فترة التوقف الدولي في مرمى إيبار، وعودة الانضباط والشراسة الدفاعية للوسط، حرر توني كروس في مركزه الجديد كلاعب وسط ثالث، بأدوار هجومية أكثر، أشبه بصانع الألعاب المزيف على مسافة قريبة من إيدين هازارد وكريم بنزيمة ورودريغو، وهذا أعاد روح المنافسة في وسط الملعب مرة أخرى، بعد وصول مودريتش وكروس وكاسيميرو لمرحلة الاسترخاء الكروي، لعدم وجود منافس حقيقي لهم في مراكزهم، إلى أن فرض فالفيردي احترامه على الجميع، بمجهوده الكبير في كل مكان في الملعب، كواحد من الوجوه الجديدة، التي بدأت الجماهير تألفها في الآونة الأخيرة، دليلاً على أن زيدان بدأ يفي بوعوده بوضع حجر أساس المشروع الجديد، الذي سيكون قوامه الرئيسي من جواهر المستقبل.

حالة بنزيما المذهلة

دائما الفريق الذي يبحث عن بطولة، ينبغي أن يكون لديه جلاد بإمكانه التسجيل من نصف فرصة، ومن حُسن حظ زيدان، أن كريم بنزيما، يُقدم أفضل نسخة له كمهاجم في مسيرته الاحترافية، ولغة الأرقام تعكس تأثيره الكبير في عودة الميرينغي لمنافسة البارسا على صدارة الليغا، بالتساوي معه في عدد النقاط قبل مباريات الجولة الرابعة عشرة، بتسجيل تسعة أهداف، وقبل فترة التوقف الدولي تمكن من تسجيل 4 أهداف في غضون 70 ساعة، بثنائية في غلطة سراي ومثلها في مباراة افتراس إيبار بالأربعة، ليعتلي صدارة هدافي الليغا بفارق هدف عن برغوث برشلونة، ليرفع غلته التهديفية منذ رحيل كريستيانو رونالدو لـ41 هدفا و13 تمريرة حاسمة في 68 مباراة، أفضل من الدون الذي سجل مع اليوفي 34 هدفا بجانب 12 تمريرة حاسمة في 56 مباراة، بالإضافة إلى ذلك حطم رقم بوشكاش بوصوله لهدفه الـ157 في الدوري، وهذه بالكاد غريزة المهاجم السفاح، التي افتقرها الفريق في فترة ما بعد رحيل صاروخ ماديرا، وفي الوقت الذي يتفانى فيه المهاجم الفرنسي في مساعدة زيزو والريال بالتسجيل وصناعة الفرص، بدأ ينسجم هازارد مع زملائه الجدد، بتحسن واضح  في أدائه من مباراة لأخرى، بظهور بصيص من لمحاته الإبداعية التي جاء من أجلها إلى “البيرنابيو”، بانطلاقات مرعبة للمنافسين، ومساعدة زملائه في الثلث الأخير من الملعب كما ينبغي، فقط ينقصه اللمسة الأخيرة كما كان يفعل الموسم الماضي مع تشلسي، بعدم الاكتفاء بصناعة الفرص والأهداف، والإصرار على التسجيل في كل مباراة. إذا فعل ذلك، سيبدأ في تقديم أوراق اعتماده كغالاكتيكو حقيقي، وهذا ما تنتظره الجماهير، ليقدم يد العون للفريق في ما تبقى من الموسم، لكن هذا لا يمنع حقيقة، أنه بدأ يرد عمليا على المشككين في قدرته على مساعدة زيدان، بدليل أن استفاقته مع رودريغو وبنزيما وباقي المهاجمين، أعادت الفاعلية اللازمة للخط الأمامي، بتسجيل 15 هدفا في فترة ما قبل عطلة الفيفا الأخيرة، وهو أمر لم يحدث سوى مع سانتياغو سولاري في نفس التوقيت من العام الماضي، والتحدي القادم لهذه المجموعة، المضي قدما بنفس النسق والروح والرغبة، على الأقل لتأمين مستقبل مدربهم حتى إشعار آخر.

كل الطرق تؤدي إلى نجاة زيدان

واحدة من الأسباب التي ساهمت في خروج زيدان من النفق المظلم، تأجيل مباراة الكلاسيكو، كيف لا وتوقيتها كان في أوج لحظات انتشار شائعات رحيله، حتى أن مصادر تحظى بمصداقية لا بأس بها، أكدت أن نتيجتها ستكون حاسمة في مستقبله مع الريال، لذا يمكن القول أن تأجيلها صب في مصلحة زيدان، ليعيد ترتيب أوراقه من جديد، قبل أن يكون أكثر استعدادا لزيارة “كامب نو” في منتصف ديسمبر المقبل، وكأن القدر منحه فرصة العمر لإنعاش فرصه في كتابة فصل تاريخي آخر كمدرب مع الريال، ولم نتحدث عن حدوث آخر ما كان يتوقعه أو ينتظره أكثر المتشائمين من عشاق النادي، بتألق مفاجئ من الحارس تيبو كورتوا، بتصديات مذهلة ساعدته على التخلص من رهبة الوقوع في الأخطاء الساذجة، ليظهر بصورة مغايرة في المباريات الماضية، وكأن الريال تعاقد مع حارس جديد من الطراز العالمي قولاً وفعلاً، والشاهد على ذلك اعتياده على الخروج بشباك نظيفة، بدعم شبه مثالي من المدافعين، وقبلهم حائط الصد الأول في الوسط، يظهر في تقارب الخطوط ووقوف اللاعبين على مسافة قريبة من بعضهم بعضا، ويحدث ذلك بعمل جماعي بحت وتفان في وضع الكرة أمام أقرب لاعب أمام المرمى لمصلحة الفريق، والملاحظ أيضا أن الفريق عاد يلعب بأريحية وبدون قيود مع رغبة عنيفة للفتك بالمنافسين بعدم الاكتفاء بهدفين أو ثلاثة كما حدث أمام ليغانيس وغلطة سراي وإيبار، حيث سجل الفريق 15 هدفا بدون أن تهتز شباكه ولو مرة واحدة في هذه المباريات، صحيح هي اختبارات في المتناول، لكن الرغبة والحماس والطريقة القتالية التي لعب بها جُل اللاعبين، تظهر أن هناك شيئا ما يُطبخ على نار هادئة، وكل هذا اكتمل بالنبأ السار الذي زفه توتنهام صباح الأربعاء الماضي، بإعلان تعيين جوزيه مورينيو مدربا خلفا للأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، وهو خبر لو تعلمون وقعه على زيزو، وكأنه تخلص من كابوس كان يطارده في أحلامه كل يوم، وهذا في حد ذاته، سيجعل المدرب الفرنسي أكثر هدوءا في المرحلة القادمة، بعد التخلص من ذاك الشبح الذي كان يهدد وظيفته مع كل كبوة أو تعثر، ما سيساعده على العمل في ظروف مناخية بضغوط أقل وتركيز أكثر، على أمل أن يواصل الصحوة حتى الوصول لنقطة الأمان.

متى ستنتهي مرحلة التهديد؟

حتى الآن، من الصعب الإقرار بأن قلب زيدان ما زال مطمئنا على مستقبله، كل ما في الأمر، أنه تجاوز مرحلة الخطر الأولى، بتصحيح أوضاعه في دوري أبطال أوروبا، بالاقتراب من تأمين المركز الثاني في المجموعة الأولى قبل استضافة باريس سان جيرمان في سهرة الثلاثاء الانتقامية التي سيستضيفها ملعب “سانتياغو بيرنابيو”، بحثا عن رد اعتبار وكبرياء الريال بعد ثلاثية الافتتاح، بجانب مزاحمة برشلونة على الليغا، لكنه ما زال بحاجة لمزيد من الانتصارات المدوية، ولتكن البداية بافتراس نيمار ورفاقه في قمة الثلاثاء، حيث ستكون أفضل دفعة معنوية قبل خوض مباريات في المتناول أمام ديبورتيفو ألافيس وإسبانيول وكلوب بروج، قبل أهم اختبارين في شهر أعياد الميلاد أمام فالنسيا وبرشلونة في مباراتي الجولتين السابعة عشرة والكلاسيكو المؤجل من الأسبوع العاشر، وإذا فعلها زيزو وحافظ على أقل تقدير على مكانه كتفا بكتف مع ليو ميسي ورفاقه في صدارة الليغا قبل عطلة الشتاء، ثم عاد من السعودية بالكأس السوبر بنسختها الجديدة، فبنسبة تزيد على 90% سيكون تخلص نهائيا من شبح تهديد مستقبله، وبالتبعية ستتضح ملامح مشروعه، كأفضل رد على من شكك في ظهور هذا المشروع إلى النور، أما إذا تعثر بشكل صادم أمام برشلونة وفالنسيا، أو خرج عن النسق الذي كان عليه قبل فترة التوقف الدولي الأخيرة، فهو يعرف أكثر من غيره، أن استمراره في منصبه لنهاية الموسم سيكون محل شك. وكي يتفادى عودة هذا الصداع، يحتاج أولا لابتعاد لعنة الإصابات عن لاعبيه، وحُسن اختيار توقيت مداورة اللاعبين في فترة ازدحام المباريات، للحفاظ على لياقة الجميع قبل الكلاسيكو الفارق في ولايته الثانية، باعتباره أفضل اختبار لقوة فريق زيدان للتأكد أنه يسير على الطريق الصحيح، وليست مجرد صحوة مؤقتة تأتي وتذهب على حساب الأندية المتوسطة، وهذا سيتوقف على حالة اللاعبين وقدرتهم على الاستمرار بنفس الروح القتالية والإصرار على تحقيق الانتصارات العريضة بلا توقف، مع التحلي بالذكاء اللازم لتحقيق الفوز حتى في أسوأ الظروف، لأن المرحلة المقبلة تحتاج للنتائج أكثر من جمال ومتعة الأداء، لتفادي الابتعاد عن المنافسة على لقب الليغا، الذي يعتبر هدفا رئيسيا للنادي هذا الموسم، فضلا عن الهدف الأهم بالقتال على دوري الأبطال كما هو قدر الريال، وكما اعتاد الجمهور مع زيدان في ولايته الأولى، باحتكار الكأس ذات الأذنين 3 مرات في ظرف عامين ونصف العام، والمؤشرات حتى هذه اللحظة، تظهر أن كل شيء يسير كما كان يخطط له زيزو، ولو بمساعدة المنافسين بتعثرهم، فهذا يرجع لزيادة المنافسة وتجرؤ الأندية الصغيرة على الكبيرين، الآن تغير من 30 لـ40% من القوام التقليدي، الذي اعتاد عليه الجميع في آخر 3 أو 4 سنوات، ومع الوقت ستزيد النسبة على 50% في ظل اشتعال المنافسة في كل المراكز، بما فيها حراسة المرمى، في وجود أريولا كمنافس لا يستهان به لكورتوا، ولزيادة الأمان، يحتاج الريال لقلب دفاع من نوعية ميلان سكرينيار مدافع الإنتر أو آخر بنفس المستوى، لتحريك المياه الراكدة بين راموس وفاران، في ظل تفاوت الخبرة الهائل بينهما وبين ميليتاو مع تكرار إصابة المدافع الجوكر ناتشو، أما غير ذلك، فهذه المجموعة، تملك من الجودة والخبرة ما يكفي لإنهاء الموسم بالصورة التي تنتظرها وتريدها جماهير الميرينغي، حتى إذا صرف النظر عن فكرة التوقيع مع لاعب ارتكاز عالمي، وهذا هو المتوقع بعد عروض فالفيردي الأخيرة، والسؤال الآن: هل سيواصل زيزو وكتيبته مسلسل العروض والنتائج المقنعة؟ أم سيتأثر بشكل سلبي بفترة التوقف الدولي الأخيرة بعد وصول اللاعبين لقمة الانسجام والتفاهم؟ هذا ما سنعرفه في الأسابيع الأربعة المقبلة، التي سيخوض خلالها زيدان معارك فاصلة وحاسمة في مستقبله مع النادي، وفي مثل هذا اليوم الشهر المُقبل ستكون الأمور أكثر وضوحا، إما إفحام المشككين أو عودة هاجس الإقالة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية