كيف رأى المثقفون ‘أمل دنقل عابراً للأجيال’؟!

حجم الخط
0

يبدو أن رهَان أمل دنقل على الكتابة مازال هو الحقيقة الوحيدة الباقية، فمع موت أمل ايار/ مايو 1983، إلا أنه مازال (وسيزال) حاضراً في الوجدان، والوعي الجمعي، بأعماله الخالدة والصالحة لكلِّ زمانٍ.
وها هم مثقفو مصر، يطرحون رؤاهم عن أمل دنقل عابر الأجيال، في هذا الكتاب الاحتفائي ‘أمل دنقل عابراً للأجيال’ الصَّادر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بإشراف الأستاذ أسامة الألفي، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والدراسات التي أعدَّها نخبة من الأكاديميين المتخصصين، علاوة على ما كتبه شقيق الشَّاعر الرَّاحل أنس دنقل، وأحد محبي شعره.
يمكن تقسيم الكتاب إلى جُزأْين مضافاً إليهما ملحق في نهايته. تسبقهم مُقَدِّمة كتبها مُحَرِّر الكِتَاب بعنوان ‘شاعر صنعته المتناقضات’، وفيها يربط بين أمل وشاعر العربية الأكبر المتنبي حيث ثمّة نقاط تلاقٍ تجمع بينهما ‘فكلاهما لم يرضَ النَّاس عن شخصه، وإن أقروا لهما بالشَّاعرية، وكلاهما لاقى نهاية مأساوية، فالمتنبي قُتل بعد صراعٍ وَكرٍ وفرٍ مع أعدائه’، وفيها يشير إلى سبب فكرة الكتاب، باعتباره إعادة قراءة حياة أمل وشعره، من خلال ‘تقديم معالجة شاملة متوازنة لشخص الشّاعر وشعره، عبر دراسات ومقالات لمجموعة نقاد من جيلي الشيوخ والشباب ينتمون لمدارس نقدية مختلفة’.
الجزء الأوَّل مِن الكِتَاب يمكن وصفه بشهادات عن الشّاعر، على نحو ما فعل أسامة الألفي في قراءة سيرته الذاتية وفيها يلقي الضوء على تنشئة أمل الصعيدية وطفولته ثمّ روافده الثَّقافية التي كانت منعطفاً مهماً في مسيرة الشَّاعر، منذ التحاقه بالجامعة، وحياة البؤس التي رافقته مع أقرانه الذين سكن معهم في شقة العجوزة، متتبعاً مساره مع أصدقائه إلى زواجه مِن ‘عبلة الرويني’، التي كانت بمثابة الاستقرار (الذي لم يتحقق) له في رحلة الشَّتات، كما يُظهر الكاتب جوانباً من علاقته الصدامية بالسلطة من خلال شعره وصولا إلى حالة المرض الخبيث الذي اقتحم جسده، وتعامل معه بعناد وتحدي حتى أنّه كان يُصرَّح لزوجته ‘لماذا لا يريدني الطبيب أن أتعامل مع السرطان كشاعر؟’ ثم تأتي شهادة شقيقه أنس دنقل تحت عنوان’الإنسان في زمن السكتة’ ويصدِّرها ببيتين مِن شعر عبد المعطي حجازي: ‘كنا أخوين…فأصبحنا / من بعد وفاة أبينا / أخوين وأبوين!!’ في دلالة واضحة لعمق العلاقة بين الشقيقين، والشهادة لا تختلف في بعض جوابنها عما كتبته عبلة الرويني في ‘الجنوبي’ عن حياة أمل وعائلته وعلاقته بأبيه وتأثره به، وإن كانت الشهادة تركز على حالة الفقد التي عانها أمل من فقدان الأبوة الحقيقة، ورفضه الأبوة في الواقع والبحث عنها في المستحيل ومن ثمّ كان الشَّعر هو الأب الحقيقي الذي عَثَرَ عليه أمل وعاش يرافقه في دروب الحياة حتى وهو يجود بأنفاسه الأخيرة في معهد السّرطان، العجيب أن الأخ يحيل إلى اليتم أسباب حدة أمل وتمرده على السلطة وكذلك عزوفه عن الانضمام إلى الأحزاب والتنظيمات، كما يشير إلى أثر موت الأب في تشكيل أمل الذي فرَّ من القرية إلى المدينة بحثاً عن المعرفة، ومع انغماسه في قاع المدينة إلا أنَّه في شعره كان يَفْضَحُ زيف الواقع والعلاقات الاجتماعية، ويعيد صياغة مفاهيم جديدة فالشَّرُّ قد يُخْفِي نُبْلاً مأساويا ورائه، وَمِن ثمَّ كان رافضاً للأسلوب المادي في التعامل مع الناس وهو ما جعله متهماً بأنّه سليط اللِّسان، وتبدو لي هذه الحقائق مهمة في أن تضع فصلاً جديداً في قراءة أمل دنقل ورؤيته للأحداث وتعاملها معه.
ويدخل في هذا الإطار ما كتبه محمد جبريل عن الجانب المقاوم فيه والذي انعكس على شعره، حيث تحدّث عن علاقته بأمل والمواقف التي كان شاهداً فيها على مقاومة أمل، ثمّ ما كتبه الدكتور حلمي محمد القاعود بعنوان ‘بين الأيديولوجيا والشعر’ ومع أن العنوان مخاتل حيث المتن في الحقيقة لا يبعدُ عن قراءة في سيرة أمل الذاتيّة، وإن كان سبقها بالحديث عن علاقته بأمل وتناول النقاد لشعره، وتأكيده على أن أوَّل مَن تناول شِعره نقدياً هو على ‘عشري زايد’ في مجلة الآداب البيروتية، لكنه انتهى إلى نتيجة لا أعرف مبررها أو حتى مناسبتها بأنَّ سبب كثرة الاهتمام بأمل نقدياً راجع إلى مواقف أمل الأيديولوجية والتي تميل إلى الفكر اليساري!!!(والتعجب من عندي)، وفي ضوء هذا راح ينقب عن الأيديولوجيا في شعره، وقد رأى أن الديوان الوحيد الذي نجا من ثرثرة الأيديولوجيا هو ديوان أوراق الغرفة 8. وأخيراً شاذلي دنقل ورؤيته التخيُّليَّة التى ارتأها مفترضاً لو أنَّ أمل دنقل كان بيننا أثناء الثورة في ميدان التحرير مُستنطقاً شعر أمل دنقل متفاعلاً مع الحالة الثورية في مقابل رقصة الديكتاتور الأخيرة وهو ينفس خطابات الاستجداء، ورد أمل عليها من خلال شعره وكذلك موقعة الجمل وهو يرى دماء الأحرار تسيل فيصيح أمل بأيقونته ‘العكعة الحجرية’، وعندما يستجدى الديكتاتور العواطف والمشاعر للشعب يستدعي لا تصالح (كيف تنظر في يد من صافحوك / فلا تبصر الدم./ في كل كف؟ / إنَّ سهماً أتاني من الخلف / سوف يجيئك من ألف خلف / فالدم -الآن- صار وساماً وشارة) وصولاً إلى الاحتفال بسقوط الديكتاتور وكيف راهن أمل على الكتابة في حين راهن أصدقاؤه على الملك، فالكتابة هي الباقية.
أما الجزء الثاني فهو عبارة عن مجموعة مِن الدِّراسات المهمّة التي حاوطت شعر أمل بالدرس والتحليل من كافة الزوايا، وباختلاف الرؤى والأجيال، وقد انقسمت إلى جزأين أولهما دراسات في قصائد بعينها، على نحو ما فعل حسن البنداري في قصيدة براءة، حيث قرأ تبادل الغياب والاستحضار في هذه القصيدة، عبر تبادل الضمائر الثلاث (الأنا / الأنت / الهو) لبيان مدى تأثير هذه المرأة فى نفسه عبر حالة الاعتراف التي وقع فيها الشاعر إزاء المحبوبة وأيضاً حالة الحياد التي أرادها في عرض مشاعره. وبالمثل جاءت دراسة حسن لشكر ‘عن البُعد السَّردي في شعره’، من خلال تحليله لقصيدة ‘من مذكرات المتنبي في مصر’، مؤكداً على ثمة علاقة وثيقة بين السَّرد والشِّعر على مستوى الممارسة التطبيقيِّة، حيث كلاهما يخرق حدود الآخر في مغزى جمالي وتشكيلي يبتغيه، ويرى مع كون النّص شعرياً بامتياز، إلا أنه مشتملٌ على مقومات النّص الشعري (لغة شعرية،إيقاع،انزياحات صوتية ودلالية….) وأيضاً على مقومات العمل السّردي (حكاية، سرد ذاتي، حبكة، شخصيات) ويصوغ من خلالهما شِعراً درامياً، هكذا يتداخل السَّردي مع ما هو شعري في عملية تبادلية دون أن تؤثر على خصوصية الشعر المستقلة، أو تفرض على النّص صفة نوعية جيدة مكتسبة من العناصر الجديدة، ومع حضور الوظيفة الأيديولوجية للسَّارد يتماهي صوت الشَّاعر مع صوت السَّارد رغم تحقّق أهداق السَّارد المتعدِّدة، لكن في ضوء تدخلات الشَّاعر الواضحة والقائمة على عمليات تكرار مقاطع وألفاظ معينة، تفيد في كسر خطية السَّرد وتفكيك بنيته وتطعيم القصيدة بسمات الغنائية التي تجلت بصورة خاصة في تحفيز الوظيفة الانفعالية وتنشيط حركية الإيقاع.
أما النوع الثاني فهو ما تناول إبداع الشَّاعر في مجمله كما ظهر في دراسات الدكتور محمد عبد المطلب ويوسف نوفل، وأحمد الصغير، وجمال محمد عطا. بالنسبة لدراسة الدكتور محمد عبد المطلب فقد بناها على فرضية اعتبار ‘أمل ناقداً’ يمتلك أدواته النقدية ويمارسها على نصوصه بالحذف تارة والتغيير تارة أخرى وهو ما يرده الدكتور عبد المطلب إلى مصطلح التنقيح الموجود في التراث النقدي القديم عند ابن قتيبة وأبي هلال العسكري، والأخير طالب الشَّعراء بتهذيب قصائدهم، وقد ارتأى الدكتور عبد المطلب أنّ وثائق أمل المخطوطة التي تحوي تعديلاته على نصوصه في انفتاح النص لا على تعدُّد الدلالة وفقط كما هو شائع بل وأيضاً لتعدُّد الصياغة، وبهذ يظل النّص مفتوحاً صياغياً طوال حياة مبدعه، ولا ينغلق إلا مع غيابه النهائي، ومن جانب آخر تنفى المقولة الرائجة بانغلاف النص على بنيته بعد نشره، وهذا ما لاحظه في قراءته لعناوين القصائد والتغيرات التي لحقت بها كلعبة النهاية التي مشرت بصيغتين، الموت مرة والآخر مرة ثانية، وكذلك قصيدة شجوية التي نشرها بعنوان الكمان هذا على مستوى العنوان، أما على مستوى البناء فلاحظ التغيرات التي لحقت في قصيدة ‘أوراق خاصة لابن نوح’ وانتهى إلى ملاحظة مهمة، ألا وهي أن التعديلات اشتملت ديوانه الأخيرة فقط وقد خلت منها الدواوين الأولى، ومرجع هذا كما ذكرت له زوجته، هو إلحاح الناشر على نشر الديوان وهو ما كان يجعل أمل يكتب ضغط إكراهات انعكست على عدم رضاه على ما كتب وتعجّل في نشره. ثمّ تأتي الدراسة الثّانية للدكتور حسن نوفل بعنوان ‘صوت التراث في شعره’ ويرى أن الصوت التراثي عند أمل دنقل يقوم على ‘تأمُّل ذلك التفاعل الجدليّ بين طرفيْ: النّص الحاضر والنّص الغائب في شبكة من العلاقات الممتدة في فضاء النص، دون وقوع في أسر المباشرة، ودون اقتصار على القشرة الخارجية، التي لم تكن ذات وزن عنده، بقدر ما كان انشغاله بالترميز واستغلال طاقاته، وتفجير علاماته، وإعادة قراءته’، ثم يلي ذلك دراسة الدكتور أحمدالصغير، وهو من جيل النقاد الشَّبَاب، في تعقبُّه لأشكال التناص في شعره، أو التفاعل النصي وثنائية التداخل، وإن كان استفاض في مقدمته عن مفهوم التناص وتأثرات أمل دنقل وروافده الثقافية التي نَهل منها والتي كان لها بالغ الأثر في طغيان الموروث بكافة أشكاله وإن شئنا الدقة الموروث الثقافي بمعناه العام الغربي والعربي، الإسلامي وغير الإسلامي، وينتهي الدكتور الصغير بعد استقصائه في شعر أمل إلى نتيجة مفادها ‘أنَّ أمل دنقل امتلك خطاباً شعرياً وثقافياً، يحمل الكثير مِن الخصوصية الفنيَّة واللغوية، من خلال اتكائه الواسع علي التراث الإنساني بصفة عامة والعربي بخاصة’، وفي الأخير اشتمل ‘خطابة الشعري علي مجموعة من الخطابات المتعدِّدة بداخله’، وأخيرا يطرح الناقد جمال محمد عطا في دراستة ‘ شعر أمل: أمس واليوم وغداً’ سؤالاً مُتجدداً وحاضراً عند كل مناسبة احتفاء بأمل، ألا وهو: لماذا يزدادُ شعر أمل دنقل توهجاً وتألقاً وبريقاً ولمعاناً في الوقت الذي تزداد فيه أزمة الذّات العربيَّة؟ واكتفى الناقد بتقديم دلالات تُطرح مع السؤال تغني عن الجواب المباشر وأوّلها: إن حضور شعر أمل مع حالات انكسارات وخيبات الذّات العربيّة رغم تواجد أجيال جديدة وأصوات شعرية مغايرة في التّجربة، هو ما يمثّل في حدِّ ذاته صك البراءة لشعر أمل من التُّهم التي لحقت شعره بأنه شِعْرٌ عَارِضٌ يزولُ بزوال الفترة. ثاني هذه الدلالات، هي دعوةٌ صريحة للتخلي عن النظرية التي ترى في الأدب انعكاساً للواقع، ومِن ثمّ يُصبحُ الجمالي وثيقة تاريخية ليس إلا، في حين إنَّ العناية يجب أن تكون خلف التشكيل وعلاقته بالواقع، وأخيراً أنَّ بلاغة الرؤية والتشكيل هما وراء ديمومة شعر أمل، وفي الأخير يطرح دعوة إلى الاهتمام بالأشكال لدراسة الواقع، وبناءً عليها قرأ من خلالها تشكيل أمل للموروث كمقاومة للأساطير السياسية في ضوء رؤيته لثلاث دواوين ارتبطت بالفترة السّاداتيّة وهي (العهد الآتي وأقوال جديدة عن حرب البسوس وأوراق الغرفة 8)، مقارنة بما صدر لأمل في الفترة الناصرية وهو ما كشف عن حالة التناقض الاجتماعي التي نعيشها.
أما الملحق الذي جاء في نهاية الكتاب فهو مجموعة من القصائد التي لم يشتمل عليها أي ديوان، وهي بخط يد الشاعر، وإن كان ثمة ببلوغرافيا بالدراسات التي تناولت الشّاعر نقدياً وأكاديمياً من إعداد الباحث جمال محمد عطا إلا أن مسئول النشر رأى أن اسم الباحث غير ذي أهمية فأسقطه، في جريمة تُضاف إلى جرائم مَن يشرفون على النشر دون وعي ثقافي أو حتى حِسّ جمالي وهو ما انعكس على صورة الغلاف الردئ التي لا تتناسب مع قامة أمل ولا مكانته بوصفه شاعراً ملأ الدنيا وشغل شعره الناس، وأرّق الحكام والمستبدين.
الملاحظة الأخيرة مع تثمين الجهد الكبير للأستاذ أسامة الألفي المُعدّ للكتاب، إلا أنه كان يحتاج إلى تنقيح حيث تكرّرت بعض الدِّراسات بصيغٍ مختلفةٍ، وبعضها نحى منحى أكاديمياً، وهو ما لا يتناسبُ مع كتاب احتفائي يُخَاطِبُ الجماهير وليس المتخصصين فقط.

‘ ناقد مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية