لندن – “القدس العربي”: قبل أكثر من 1400 عام، قال الشاعر والصحابي معن بن أوس عبارته الخالدة “أعلمه الرماية كل يوم… فلما اشتد ساعده رماني”، مجسدا مشاعر ولسان حال رئيس باريس سان جيرمان السيد ناصر الخليفي، بعد ضياع حلم التتويج بكأس دوري أبطال أوروبا، بهزيمة في منتهى القسوة والألم، برأس ذاك الطفل الصغير، الذي جاء إلى “حديقة الأمراء” بعمر ثماني سنوات، ليتعلم قواعد كرة القدم والمعنى الحقيقي للاحتراف، وفي الأخير طّوع كل ما اكتسبه من خبرات متراكمة على مدار تسع سنوات من الاحتراف، ليعانق المجد مع بايرن ميونيخ على حساب ناديه السابق وممثل مسقط رأسه، وبرأسية لن تُمحى من ذاكرة الباريسيين إلى أن يحين موعد كسر العقدة.
ملك نهائي لشبونة
بينما كانت أغلب التوقعات والتقارير ترجح سيناريو اعتماد هانزي فليك على نفس التشكيلة، التي سحقت برشلونة في الليلة الظلماء ومباراة نصف النهائي أمام ليون، خاصة ثلاثي الهجوم سيرجي غنابري وروبرت ليفاندوسكي وإيفان بيريسيتش، فَضل الرهان على ابن أكاديمية باريس سان جيرمان كينغسلي كومان، بدلا من الكرواتي القادم من أفاعي الإنتر الايطالي، ربما اعتقد كثيرون، أن مساعد يواكيم لوف في مونديال 2014، فقد صوابه أو سار على نهج بيب غوارديولا، بالمبالغة في التفلسف في المباريات الفارقة، كما يفعل بالتركيز على المنافس أكثر من تركيزه على قوته الضاربة، لكن في حقيقة الأمر، كانت بالدارجة المصرية “ضربة معلم”، وتجلى ذلك في الكثافة التي خلقها العشريني الفرنسي في الجبهة اليسرى، حيث كان أول مدافع عن العملاق البافاري، بضغط هائل على المرتبك ثيلو كيرر وأنخيل دي ماريا في منتصف ملعبهم، كما كان يفعل ليفاندوسكي وغنابري مع تياغو سيلفا وخوان بيرنات، غير أنه كان رئة ثالثة لثنائي الارتكاز تياغو ألكانتارا وليون غوريتسكا، بتقمص دور لاعب الوسط الثالث بامتياز، في المرات النادرة، التي كانت تصل فيها الكرة لكيليان مبابي أو نيمار جونيور بعد دائرة المنتصف، هذا بخلاف دوره الرئيسي، كمهاجم ثالث أو جناح مهاجم أيسر، مطالب بأدوار دفاعية لمساعدة الاكتشاف الكندي ألفونسو ديفيز في غلق الطرق المؤدية لمرمى مانويل نوير من جبهتهم، وأيضا شن غارات على الدفاع الباريسي سواء لخلق فرصة هدف للجلاد البولندي أو لنفسه، وهو ما طبقه على أرضية ملعب “النور” بشكل أقل ما يُقال عنه “خرافي”، وإلا لما اُختير رجلا للنهائي، رغم المعجزات الكروية، التي قام بها نوير، لمنع سحرة “البي إس جي” من فك تعويذة شباكه، وهذا دليل على أن فليك يُحسن اختيار وتجهيز رجاله قبل كل مباراة، من منطلق أن “لكل مواجهة رجالها”، دون أن يترك أي مجال للصدفة، ومن المؤكد، كان يعرف مسبقا أن كومان، سينفجر في وجه ناديه القديم، أو على الأقل، سيخلق مشاكل بالجملة لتوماس توخيل، ليرد اعتباره بعد طرده من عاصمة الموضة في صيف 2014، بقرار من المدرب الأسبق لوران بلان، بحجة قلة خبرته وعدم الحاجة لخدماته بعد انتهاء عقده.
فليك الحكيم
صحيح بايرن ميونيخ من العظماء الخمسة في القارة العجوز، وجمهوره في بافاريا لا ينظر إلى الفوز بالبوندسليغا والكأس المحلية على أنه إنجاز، لكن من الصعب الاختلاف على بصمة فليك الواضحة، منذ تكليفه بمهمة إنقاذ الفريق، خلفا للكرواتي نيكو كوفاتش، عقب فضيحة السقوط أمام آينتراخت فرانكفورت بنتيجة 5-1 في الجولة العاشرة للدوري الألماني، ويُحسب له نجاحه في تحويل المجموعة التي كانت تتعرض لانتقادات حادة في بداية الموسم، إلى أقوى فريق في ألمانيا وأوروبا، ولم يفعل ذلك، لعبقريته في إدارة المباريات أو قراءة أفكار المنافس فحسب، بل أيضا لاهتمامه بالجانب البدني والنفسي للاعبين، ويظهر ذلك بوضوح في التحول الجذري في شكل البنية الجسدية للاعبي البايرن في الوقت الراهن، مقارنة بأجسادهم الهزيلة قبل ثمانية شهور، بمن فيهم فيليب كوتينيو، الذي اكتسب كتلة عضلية لا بأس بها، بجانب ذكائه الفطري كمدرب يُجيد التعامل مع لاعبيه ويعرف كيف يتقرب منهم على المستوى الشخصي، ليخرج منهم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر في الوقت المناسب، كما ساعد توماس مولر، في العودة بنسخة فائقة الجودة، بعد وصوله لمرحلة الحضيض الكروي مع كوفاتش، ونفس الأمر ينطبق على تياغو ألكانتارا، هو الآخر قدم أفضل مستوياته كلاعب كرة قدم في عهد فليك، بصرف النظر عن موقفه وإصراره على الرحيل هذا الصيف.
ولا ننسى دور المدرب في مولد مشروع الأسطورة ألفونسو ديفيز وآخرين، فكان طبيعيا أن يكون “ختامه مسك”، بنجاح حيلته الماكرة، باستغلال غريزة الانتقام داخل كومان أمام ناديه السابق، ليكون سببا في ضياع ذات الأذنين على رفاقه القدامى، وهذا ما أشار إليه في تصريحاته عقب نهاية المباراة، حين سُئل عن سبب البدء بكينغسلي على حساب وصيف بطل العالم، حيث قال: “إنه لاعب سابق في باريس سان جيرمان. ربما يعطيه هذا الأمر حافزا أكبر، أشركته بفضل سرعته لأننا كنا في حاجة إليها”، لكن ما تكتم عليه، أنه على دراية جيدا، بأن لاعبه ذا الأصول الكاريبية، لأب يتحدر من غوادلوب وأم فرنسية، عدائي وسريع الغضب وقابل للتحول إلى وحش كاسر في وجه من يتسبب في غضبه، هذا بشهادة أقرب المقربين، كوالده الذي يقول عنه “كان لا يتوقف عن الصراخ بعد كل هزيمة أو بطولة ضائعة في عامه الأول في أكاديمية باريس”، فيما تقول زوجته سيفورا غونين “لا يتحدث لمدة يوم عندما يتعرض للهزيمة”، حتى الزوجة، لم تسلم من بطشه في بداية العام، باعتداء وحشي عليها ألزمها الفراش ثمانية أيام، ما تسبب في تغريمه قرابة الـ5000 يورو بعد مثوله أمام المحكمة، لقيامه بضرب عارضة الأزياء الفرنسية، فما بالك عزيزي القارئ، عندما تأتيه فرصة الثأر لنفسه من الفريق الذي تخلى عنه بسهولة قبل ست سنوات؟ النتيجة كانت على مرأى ومسمع الجميع يوم الأحد الماضي، مجسدا المعنى الحرفي لمصطلح “أداء بطولي” على مدار ساعة، ليكافئه القدر بأغلى هدف في مسيرته الاحترافية، وأول أهدافه في مباراة نهائية، تعويضا عن عثراته وانتكاساته السابقة في المواعيد الكبرى، على غرار ما حدث معه في مونديال 2018، بتعرضه لإصابة قبل الفوز على كرواتيا 4-2 في المباراة النهائية، وغيرها من الإصابات، التي جعلته يفكر ذات مرة في اعتزال اللعبة بسن مبكر، إذا تجددت معاناته، ومن حُسن الحظ، أن الأمور سارت على ما يرام في الآونة الأخيرة، وأكمل ذلك، بالوفاء بعهده القديم، بتحسين غريزة القاتل أمام المرمى، كما تسلل خلف الظهير الأيمن كيرر، ليباغت كيلور نافاس برأسية في عكس اتجاه حركته، ضاربا عصفورين بحجر واحد، الأول رد الجميل للمدرب على ثقته الكبيرة ومنحه فرصة العمر للثأر لنفسه، والثاني ترك ناديه السابق يتحسر ويعض أصابع الندم على تركه يرحل بالمجان إلى يوفنتوس عام 2014، لينتقل بعدها إلى بايرن ميونيخ مقابل 21 مليون، وفي الأخير يصبح صاحب الهدف الذي اغتال الحلم الباريسي في أول نهائي في تاريخه.
نوير ومبابي الأليف
بعيدا عن عريس النهائي، الذي احتفل بلقبه الـ20 في مسيرته الاحترافية، فهناك تفاصيل أخرى كانت فارقة في تتويج البايرن بلقبه الأوروبي السادس، منها على سبيل المثال، ما أشرنا إليه أعلاه، بلحظات نوير الخارقة، والتي بدأها بإيقاف نيمار في انفراد صريح عند الدقيقة الثامنة عشر، وتبعها بتصدي لا يصدق لتسديدة مبابي من داخل منطقة الجزاء، وآخر أكثر خطورة في آخر دقائق المباراة، رغم أن مساعد الحكم أشار بعد التصدي بوجود تسلل على بطل العالم، ومن سوء طالع الفريق الباريسي، أن كيليان لم يكن في حالته المعهودة طوال البطولة، لعدم حصوله على الوقت الكافي للتخلص من الإصابة التي لحقت به أمام سانت اتيان في نهائي كأس فرنسا، ووضح تأثره بالانتكاسة، في حركته البطيئة وقراراته المتسرعة داخل مربع العمليات، والتي كلفته إهدار ما لا يقل عن 3 أهداف أمام لايبزيج وبايرن ميونيخ وهو على بعد أمتار قليلة من حارس المرمى، وما عقد المباراة على باريس سان جيرمان، وجعل البايرن يسيرها كما أراد في الشوط الثاني، هو عدم ترجمة واستغلال تفوقه في الشوط الأول، بعد البداية الصعبة، بمعاناة حقيقية للخروج بالكرة من منتصف ملعبهم، بسبب الضغط الهائل على المدافعين، لافتكاك الكرة في آخر 30 متراً في الملعب، كما صدموا ليونيل ميسي ورفاقه في ليلة الثمانية، واحتاج الأمر أكثر من 15 دقيقة لرجال المدرب توخيل، لوضع الكرة بين قدمي نيمار في منتصف ملعب المنافس، وما حدث بعد ذلك، بتنظيم الصفوف وترابط الوسط مع الدفاع، لعزل توماس مولر عن ليفاندوسكي، وجعل ألكانتارا على مسافة بعيدة عنهما، بعدما تحرر أندير هيريرا من ضغط البداية الصعب، ولعب دور مايسترو الوسط كما ينبغي في ما تبقى من الشوط الأول، فقط يُعاب على توخيل وفريقه، عدم استغلال لحظات تفوقه، لقطع أكثر من 90% من الطريق نحو الكأس بهز شباك نوير، ولو مرة واحدة قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، ليأتي العقاب القاسي في الشوط الثاني، بوقوع باريس كفريسة أمام خصمه الألماني، ليحسم اللقب بخبرة المواعيد الكبرى، مع حفاظ لاعبيه على تركيزهم وتعلمهم من أخطاء الشوط الأول، بما في ذلك التسرع في تمرير الكرة على الأطراف وفي العمق في الثلث الأخير من الملعب، حتى تدخلاتهم على لاعبي باريس كانت أكثر عدوانية. بوجه عام، قطع لاعبو البايرن مسافات أكثر من نظرائهم، وكانوا أكثر حسما وإصرارا لتحقيق اللقب.
الحلم يقترب
ما يمكن استنتاجه من النهائي، أن بايرن ميونيخ أثبت بشكل عملي، أنه تخطى مرحلة تجديد الدماء على أكمل وجه، بإتمام عملية الإحلال والتجديد في غضون عامين، وبتكاليف لا تقارن مع خصومه القاريين، خصوصا الإنكليز، وذلك من دون المساس بهوية النادي، ككيان لا تغيب عنه البطولات، وبطبيعة الحال، مع استمرار فليك وتطعيم مشروعه بعناصر قادرة على دفعه أكثر من أمام، وفي مقدمتهم الوافد الجديد ليروي ساني، وقلب دفاع بمواصفات خاصة، للتخلص من صداع بطء ارتداء جيروم بواتينغ ودافيد آلابا، المحتمل رحيلهما هذا الصيف، سيكون فريقه أكثر قوة في حملة الدفاع عن الثلاثية التاريخية الثانية، وكالعادة، بمجرد الانتهاء من قرعة دوري المجموعات، سيتصدر البايرن قائمة المرشحين للفوز بذات الأذنين، والجديد في نسخة 2021، أن باريس سان جيرمان، سيكون منافسا حقيقيا وليس على الورق، كما كان وضعه في السنوات الماضية، ووصوله إلى المباراة النهائية، يمكن اعتبارها خطوة عملاقة نحو تحقيق الحلم الكبير، وحتما سيتم البناء عليها، ليصبح فوز باريس سان جيرمان بالأبطال مجرد مسألة وقت في السنوات القليلة المقبلة، خاصة بعد ظهوره بمستوى متقارب للغاية مع العملاق البافاري، ولولا عناد التفاصيل البسيطة معه والتفنن في إهدار الفرص السهلة مع خسارة المعركة البدنية مع ماكينات البايرن في آخر 20 دقيقة، لحفر اسمه في قائمة الأبطال للمرة الأولى من خلال البايرن، كما فعلها قبله أستون فيلا وبورتو وتشلسي، بتتويجهم بالبطولة للمرة الأولى على حساب زعيم الكرة الألمانية، واكتمال عملية البناء، يحتاج أولا الحفاظ على نيمار ومبابي، ويا حبذا لو سبق الخليفي الجميع في الصراع على ليونيل ميسي، بعد انقلابه على إدارة برشلونة، معها سيكون قد عثر على القطعة النادرة المفقودة في مشروعه، بتكوين ثلاثي هجومي غير قابل للإيقاف، وفي كل الأحوال، يحتاج الفريق لتدعيم أو اثنين في الدفاع وآخر في الوسط، والمطلوب ظهير أيمن على نفس جودة القوام الرئيسي، وخليفة حقيقي للقائد تياغو سيلفا، إذا صدقت التقارير التي تؤكد اتفاقه مع تشلسي، بينما صفقة الوسط، فالأفضل أن يكون صاحب نزعة هجومية أكثر من الدفاعية، أو أقرب ما يكون إلى صانع الألعاب، لتفادي ما حدث في الشوط الثاني أمام بايرن ميونيخ، بصعوبة بالغة في توصيل الكرة للثنائي القادر على صنع الفارق، بسبب الضغط وتراجع المردود البدني لأندير هيريرا، ليعيد الفريق الباريسي المحاولة بشكل أفضل وأقوى مما كان عليه بعد ارتفاع سقف الطموح بالوصول إلى النهائي، كما تعهد الخليفي في تصريحاته بعد المباراة.