كيف سيتصدى كومان لثورة زيدان بعد الغدر بميسي؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: تنفس الهولندي رونالد كومان، الصعداء، بتراجع البرغوث ليونيل ميسي، عن قرار الانفصال عن برشلونة، بعدما أُجبر على البقاء لموسم إضافي، كما مرر رسالته في حواره مع زميلي سابقا في موقع “Goal” روبن يوريا، ليفضح “ألاعيب” الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو معه، من دون أن يُخفي حقيقة أنه لولا تخبط الإدارة وغياب الرؤية والتخطيط لبناء مشروع يليق باسم وجماهيرية البلو غرانا، لما فكر لحظة في الرحيل، وهذا في حد ذاته، يكفي لخروج الرئيس بأصوات تعد على أصابع اليد الواحدة في انتخابات الربع الأول من 2021، لكن في الوقت ذاته، رفض إقحام عشاق البارسا في هذه الصراعات، بتأكيد التزامه داخل المستطيل الأخضر لآخر لحظة في الموسم، وهذا ما يهم المدرب الجديد وكان يُمني النفس بحدوثه.

 

إيجابيات وسلبيات

بغض النظر عن الطريقة التي أُجبر بها على البقاء بمقايضته بالشرط الجزائي في عقده مقابل السماح بخروجه، فوجوده ورؤيته يوميا في التدريبات، من شأنه أن يعيد الاتزان والاستقرار للنادي بأكمله، بعد تبعات فضيحة القرن أمام بايرن ميونيخ، بما في ذلك فترة الشد والجذب بين ليو ومجلس الإدارة، على خلفية رسالة “الفاكس”، التي بعثها لبارتوميو ومجلسه المعاون لإخبارهم برغبته في الرحيل، ما سيجلب الهدوء المطلوب للمدرب الجديد، بدلا من العمل في مناخ يسوده القلق والتوتر، وذلك في مستهل رحلة بناء المشروع الجديد، ولا ننسى أن بقاء النجم الأرجنتيني، سيخفف كثيرا من حدة خسائر العلامة التجارية للكيان، والتي كانت ستتضاعف بخسارة حقوق صورة ميسي بعد النهاية المأساوية للموسم المنقضي، بينما في وجوده، فعلى أقل تقدير ستحافظ الخزينة على الإيرادات المنتظرة في نهاية السنة المالية، ناهيك عن المكسب المعنوي، بمساعدة الإدارة على استقطاب الأسماء المطلوبة في مشروع المدرب الهولندي، والأهم على الإطلاق، الاستفادة من عبقريته وإبداعه داخل الملعب، أو بمعنى آخر، ضمان تسليح المدرب الجديد بكائن فضائي بإمكانه تسجيل أو المساهمة في 50 هدفاً أو أكثر في موسمه الأول، على أمل أن يستفيد من خبرات “البرغوث”، لوضع حجر أساس صحيح للفريق، حتى يكون مستعدا لكل الاحتمالات، سواء أصر ليو على قراره بالرحيل مع نهاية عقده، أو تراجع عن الفكرة، إذا شعر أن كومان أعاد هيبة وكبرياء البارسا وقبل نهاية الموسم جاء رئيس جديد.

بينما هناك سلبيات محتملة، فالأولى تكمن في حكمة الأستاذ آرسين فينغر الخالدة “لا تجبر أي لاعب على البقاء رغما عنه”، الأمر الذي قد يتسبب في خلق حالة أو أجواء غير نقية، بعدما تغيرت النظرة اتجاه القائد، ومعضلة اقتناع اللاعبين بنصائحه، وهم يعلمون ويفهمون جيدا، أنه مُكره على البقاء معهم، ولولا ابتزازه ومروءته وعدم نسيان جميل النادي، الذي انتشله من حواري “نيولز أولد بويز”، لكان مع زملاء آخرين ربما في بلاد الضباب أو في عاصمة الضوء أو مدينة الموضة الإيطالية، ما قد يجعلهم ينظرون إلى قائدهم مع أول تصريح صحافي أو تصرف فيه لغط، على أنه مجرد موظف حكومي يقضي أيامه الأخير قبل التقاعد أو الانتقال لمكان آخر. أما السلبيات الأخرى المحتملة، فقد يستغلها بارتوميو وكومان وتحويلها إلى إيجابيات، كملف التعاقدات، بضم صفقات تتماشى مع طموح هداف النادي التاريخي، على الأقل لمصالحته، بجانب إستراتيجية المدرب الجديد، بالاعتماد على خطة جماعية، بدلا بناء خطته على لحظات ميسي الإبداعية، معها سيكون مدرب هولندا السابق، قد عاد بالفريق إلى المربع صفر بسرعة الصاروخ، منها سيكون إثباتا عمليا على أنه لم يختلف كثيرا عن فالفيردي وسيتيين، وأيضا سيفوت على نفسه وعلى برشلونة فرصة تجهيز وإعداد الفريق لمرحلة ما بعد الأسطورة.

 

التحدي الأهم

واحدة من أكثر التحديات التي ستواجه كومان في بداية تجربته مع البارسا، هي إعادة ثقة اللاعبين في أنفسهم، بعد الاعتراف الخطير، الذي أدلى به ليو بين السطور، باعترافه صراحة، أن الفريق كان يُدرك أنه سيودع البطولة على يد بايرن ميونيخ، لكن لا أحد توقع أن تنتهي المغامرة بفضيحة نادرة، دليلا على أن هذه المجموعة، تعيش نفس الظروف التي مر بها العملاق البافاري مع المدرب نيكو كوفاتش، كمجموعة لا تؤمن ولا تثق في إمكاناتها، وكانت في طريقها للإفلاس الكروي بعد الهزيمة المدوية على يد آينتراخت فرانكفورت 5-1، لولا وصول هانزي فليك في الوقت المناسب، ليُعيد ثقة اللاعبين في أنفسهم، بفضل شخصيته وقدرته على التحكم في غرفة خلع الملابس، بجانب اقتناعهم بأفكاره ومشروعه، فكانت المحصلة، تحويل هذا الفريق المفكك إلى أشرس وأقوى فريق في أوروبا في غضون شهور قليلة، بعقلية وأداء جماعي لا يُقارن بالفترة التي كان عليها البايرن في بداية الموسم، وهذا ما يحتاجه برشلونة وجمهوره من كومان قبل حتى الوصول لمنصات التتويج، بإعادة شخصية وهيبة عملاق الليغا داخل الملعب، ذاك المنافس الذي كان يخشاه الكبير قبل الصغير، وليس الفريق المهزوم الذي كان مستعدا للخروج من ذات الأذنين، حتى لو كان اسم المنافس بايرن ميونيخ. والأمر المبشر بالنسبة للمشجعين، أن رونالد كومان، يتمتع بالشخصية الحازمة القادرة على إحكام قبضتها على غرفة خلع الملابس، كواحد من أساطير النادي واللعبة بوجه عام، ومعروف عنه صرامته مع اللاعبين، وأيضا قدرته على التكيف مع كل الظروف، على غرار ما فعله مع ساوثهامبتون بعد توليه المهمة خلفا لماوريسيو بوتشيتينو، آنذاك نجح في تعويض رحيل ألمع النجوم بمن فيهم ساديو ماني، بأسماء أخرى بملايين لا تذكر، منهم التقاط فيرجيل فان دايك من سيلتك، قبل بيعه لليفربول بأكثر من 75 مليون جنيه إسترليني في شتاء 2018، ربما لم يحقق بطولات كبرى، لكنه دوما يحقق أعلى نسبة نجاح ممكنة في التزاماته، بمعنى أنه حقق الدوري والكأس في هولندا مع أياكس وفينورد، وفي تجربته الإسبانية فاز مع فالنسيا بكأس الملك، ومع بنفيكا توج بالكأس السوبر البرتغالية، وطبيعي، أنه لم يفز بدوري الأبطال مع هذه الفرق، للفارق الكبير بين إمكاناتها وبين المسيطرين على البطولة، ونفس الأمر مع ساوثهامبتون وإيفرتون، لم يكن مطالبا بالفوز بالبريميرليغ، ونلاحظ هذه الميزة في تجربته الأخيرة مع منتخب بلاده، بإعادته إلى الواجهة العالمية، بعد الغياب عن أهم حدثين في السنوات الأربع الماضية، يورو فرنسا 2016 ومونديال 2018، بحل المعادلة المعقدة، بدمج الجيل الصاعد مع الكبار المخضرمين، فكان له ما أراد، بقيادة الطواحين البرتقالية لليورو الذي تأجل بسبب كورونا، فضلا عن الترشح لنهائي البطولة المستحدثة دوري الأمم الأوروبية، التي خسرها أمام كريستيانو رونالدو ورفاقه في المنتخب البرتغالي.

 

صداع زيدان

لا شك أبدا أن حاكم “كامب نو” الجديد يعرف جيدا أنه على أعتاب مهمة شبه مستحيلة، وقد تجعله يندم على ضياع فرصة التفريط في قيادة منتخب هولندي في اليورو المؤجل، في حال فشل في تحقيق الأهداف المطلوبة منه، مع وصول فيكتور فونت أو خوان لابورتا في مقعد الرئيس في نهاية الموسم، لهذا، ستكون فرصته الوحيدة للنجاة من نتائج المعركة الانتخابية، هي إظهار بصمته بأثر فوري، بما في ذلك تجديد دماء الفريق والنزول بمعدل أعماره، بدلا من الاعتماد على قوام رئيسي جُله من أصحاب الـ30 عاما فما أكثر، وأيضا تقديم كرة قدم تعبر عن هوية النادي، باعتباره أحد تلامذة الأب الروحي يوهان كرويف، بل صاحب الهدف الذي جعل كرويف يقود البارسا لأول لقب أبطال في تاريخه، بجانب حل المشاكل التي كشفت مساوئ الفريق الموسم الماضي، وكذا ما أشرنا إليه أعلاه، عن ضرورة إعادة الثقة والروح القتالية للاعبين وشخصية برشلونة المخيف داخل الملعب، وإلا ستتسع الفجوة مع الغريم العاصمي ريال مدريد، خاصة بعد نجاح زين الدين زيدان في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، كما رد على المشككين بإعادة الميرينغي إلى مناص التتويج مرتين، الأولى بتحقيق الكأس السوبر الإسبانية بنظامها الرباعي الحديث، والثانية بإنهاء احتكار البارسا للقب الليغا، وفعل ذلك، بمنظومة جماعية لا تتوقف على لاعب بعينه، وأهم ما يميزها دفاعها الحصين في وجود القائد سيرخيو راموس، مع منافسة حقيقية في جُل المراكز، باستثناء حراسة المرمى وقلبي الدفاع. ورغم رحيل عدد لا بأس به من اللاعبين، آخرهم خاميس رودريغيز وإبراهيم دياز، إلا أن المؤشرات تظهر أن فريق زيدان سيكون أكثر قوة الموسم المقبل، باستعادة إيدين هازارد بشكل حقيقي، بعدما قضى جُل أوقات الموسم الماضي على مقاعد البدلاء، ومعه الدنماركي مارتن أوديغارد، الذي صمم زيزو على قطع إعارته مع سوسييداد، ليشعل المنافسة في الوسط مع لوكا مودريتش وتوني كروس وإيسكو، لهذا سيتعين على كومان، القيام بعمل شاق، أولا للحفاظ على وظيفته التي يحلم بها منذ أن بدأ مسيرته التدريبية قبل قرابة العقدين من الزمن، ومنها أيضا التصدي للثورة التي يصنعها زيدان مع ريال مدريد. والسبيل الوحيد، تجريد الميرينغي من لقب الليغا وإعادة كأس ملك إسبانيا الغائبة في آخر عامين.

 

الشكل المنتظر

صحيح كومان خاض جُل مباريات مع هولندا بطريقة 5-3-2، إلا أن التقارير الواردة من داخل النادي، أجمعت على أنه سيلعب بأسلوب 4-2-3-1، بدون اختلاف على الحارس الألماني مارك اندري تير شتيغن، الذي ما زال يصنف من الأفضل في العالم في مركزه، حتى بعد استقبال شباكه لثمانية أهداف في الليلة الظلماء، وقد أثبت ذلك مرارا وتكرارا، بدوره الحاسم، الذي يقارنه البعض بدور ميسي، لتصدياته المذهلة، التي يصنع بها الفارق في اللحظات الصعبة، وهذا أمر يفهمه كومان بشكل جيد. بينما في الدفاع، سيكون بحاجة لخدمات ظهير أيمن على مستوى البارسا، بدلا من البرتغالي نيلسون سيميدو، الذي فشل في تقديم أوراق اعتماده مع فالفيردي وأيضا سيتيين، وكثيرون يعتبرونه نقطة ضعف واضحة في الفريق، بخلاف دوره الهجومي الضعيف، إلا إذا استطاع كومان إعادة اكتشافه، كما ذكرت صحيفة “سبورت”، بأن المدرب الهولندي، يبذل مجهودا لا يصدق، لمساعدة سيميدو وأسماء أخرى مثل فرينكي دي يونغ وعثمان ديمبيلي وفيليب كوتينيو وفيربو، على استعادة مستوياتهم، أما إذا فشلت المحاولة، فالحل السحري يكمن في ظهير أياكس الأيمن سيرجينو، الذي أبلى بلاء حسنا مع عملاق الإيرديفيسي هذا الموسم، بينما في مركز الظهير الأيسر، فلن يجد مشاكل كثيرة، إذا أجاد عملية المداورة بين المخضرم خوردي ألبا والصغير فيربو، كما يفعل زيدان مع مارسيلو وفيرلاند ميندي، أما في قلب الدفاع، فلا مفر من طرد الفرنسي صامويل أومتيتي، وضم منافس حقيقي للثنائي جيرارد بيكيه و كليمنت لونغليه، منها سيخلق منافسة صحية في الدفاع، ومنها أيضا لن يشعر بقلق إذا قرر قائد الدفاع الرحيل مع ميسي، لكن الأهم من تثبيت رباعي دفاعي شبه أساسي، هو حل المشاكل التي عانى منها الفريق في فترة ما بعد غوارديولا بوجه عام، كالضعف الشديد في مواجهة المنافسين بدون كرة، وصعوبة استرجاعها في الحال، وأيضا صداع البطء في الارتداد والمبالغة في التمريرات السلبية، وهذا لن يتحقق على أرض الواقع، إلا برفع المعدلات البدنية للاعبين، خاصة رجال الوسط، ليكونوا قادرين على ممارسة الضغط بكل قوة وشراسة على المنافسين، بالتبعية سيخلق الكثافة العددية المطلوبة أمام الدفاع، للقضاء على مشكلة هشاشة الدفاع وسهولة اختراقه.

قبل أن نتجاوز الوسط، فبنسبة كبيرة، سيضطر كومان للتوقيع مع لاعب وسط أو اثنين، لتعويض رحيل آرتورو فيدال وإيفان راكيتيتش، بجانب صعوبة الثقة في مهندس الوسط سيرجيو بوسكيتس بعد تقدمه في السن، وأغلب المصادر ترجح اسم الهولندي جورجينو فينالدوم لاعب ليفربول وبدرجة أقل ابن النادي تياغو ألكانتارا، ليكون أحدهما محور الارتكاز الثاني بجانب البوسني ميراليم بيانيتش، على أن يكون الهولندي الآخر فرينكي دي يونغ، لاعب الوسط المتحرر، الذي يقوم بدور صانع الألعاب عندما تكون الكرة في حوزة الفريق، وأول مدافع في الوسط عند تكون الكرة مع المنافس، وهو مركزه المفضل مع فريقه السابق أياكس والمنتخب، وليس مركزه مع برشلونة فالفيردي وسيتيين، كلاعب وسط مدافع، وأحيانا لاعب وسط على الطرف. وفي الهجوم، سيكون ليو في مركزه، كمفتاح هجمات وملهما للفريق من الجهة اليمنى، ويُقال إن رونالد كومان، لن يطلب منه الضغط على المنافسين أو السقوط إلى وسط الملعب للمساعدة في خلق الفرص، وذلك حفاظا على لياقته البدنية، وتوفيرها لإبداعه في آخر 20 مترا في الملعب، وسيعاونه الأنيق أنطوان غريزمان في مركزه المفضل، كمهاجم كاذب (9.5)، بدلا من إرهاقه في مركز الجناح الأيمن، الذي تركه منذ أكثر من 3 سنوات، فقط ستبقى المفاضلة بين إنسو فاتي وفيليب كوتينيو وعثمان ديمبيلي على مكان في الرواق الأيسر، وقد تشتعل المنافسة أكثر إذا جاء ممفيس ديباي قبل غلق الميركاتو، لأسلوبه الزئبقي، الذي يساعده على اللعب في كل مراكز الهجوم، بما في ذلك رأس الحربة، خاصة بعد وصوله لقمة النضج الكروي مع ليون، وعدم تأثره بالإصابة السيئة التي لحقت به قبل عدة شهور، وحتى لو لم يقع الاختيار على ديباي، ففي الغالب سيوقع برشلونة مع مهاجم آخر، لتعويض لويس سواريز مع اقترابه من الانتقال إلى صفوف يوفنتوس، والسؤال الآن: هل سينجح كومان في إنعاش برشلونة ويُعيد اللاعبين فنيا وذهنيا ليحقق المطلوب منه؟ أم سيكون سببا في اتساع الفجوة مع مشروع زيدان في ريال مدريد؟ هذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة.

 

 

 

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية