مر أسبوع على الانتخابات وجهاز الأمن يستعد لتبادل سريع في مكتب وزير الدفاع. بيني غانتس، الوزير المنصرف، يجري محادثات وداع ويستعد لإخلاء المكتب في أقرب وقت. هوية وزير الدفاع القادم لم تحسم بعد، لكن الواضح أن تحديات أمنية مركبة جداً تقف أمام الوزير الجديد، بخاصة تحت حكومة قسم من أعضائها ليسوا مقبولين من الإدارة الأمريكية، وصرح بعضهم سابقاً بأن سلوك جهاز الأمن ليس مقبولاً من ناحيتهم في مواضيع مثل تعليمات فتح النار.
النووي الإيراني
التهديد الأول في علوه والذي سيشغل بال وزير الدفاع التالي هو بالطبع النووي الإيراني. فمنذ ترك بنيامين نتنياهو مكتب رئيس الوزراء، غيرت إدارة جو بايدن نهجها تجاه إيران، وبالتوازي مع تخفيف كبير في العقوبات على طهران وأعلنت أن في نيتها التوقيع على اتفاق نووي متجدد معها في أقرب وقت ممكن.
كما أن من حل محل نتنياهو، بينيت، ولبيد، ووزير الدفاع غانتس، لم يستطيبوا نهج بايدن إزاء الاتفاق النووي، واعتقدوا أنه أعاد للإيرانيين قدرة المساومة بالذات في الوقت الذي بدأ النظام هناك يشعر بآثار العقوبات جيداً. بخلاف نتنياهو في زمن إدارة باراك أوباما، اجتهدت حكومة بينيت – لبيد بألا تتخذ نهجاً كدياً تجاه الولايات المتحدة في هذا السياق.
العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة أقوى بكثير من العلاقات الشخصية بين الرئيس ورئيس الوزراء، لكن مع ذلك يخيل أن الديمقراطيين لا ينسون لنتنياهو صداقته العميقة مع كريه روحهم دونالد ترامب، والنهج الاستفزازي الذي اتخذه تجاه الإدارة الديمقراطية السابقة برئاسة أوباما. وبالتالي، يخيل أن اإدى مهام وزير الدفاع التالي، كائناً من كان، ستكون محاولة خلق علاقات طيبة مع الإدارة الديمقراطية بشكل لعله يلطف حدة البرودة التي قد تظهر تجاه نتنياهو.
في جوهر الأمر، رغم إرادة بايدن الشديدة للتوقيع على اتفاق مع إيران، فإن التوقيع يتأخر، والادعاء أن الكرة في أيدي إيران. يخيل في هذه اللحظة أنه ليس لدى أي من الطرفين وقت لذلك، لأن إيران عالقة في موجة احتجاج داخلية اجتاحت الدولة في ضوء قمع حقوق النساء، بينما ينشغل الأمريكيون في الانتخابات النصفية.
تنظر إسرائيل بعيون مرهقة إلى التقدم الإيراني نحو النووي، وفضلاً عن الأعمال الخفية المنسوبة للموساد، سرّع الجيش الإسرائيلي الاستعدادات للهجوم على مواقع نووية في إيران. غير أنه تحت نتنياهو، أهملت إسرائيل على مدى السنين استعداداتها لهجوم محتمل في إيران، وبعد تبدل الإدارة في واشنطن، حين خففت الولايات المتحدة الضغط الاقتصادي على إيران وسرعت هذه التخصيب النووي، تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات لإخراج المخططات من الجوارير وإعداد خيار عسكري مصداق.
إن مسألة الهجوم الإسرائيلي في إيران ستكون أغلب الظن مهمة جداً في ولاية وزير الدفاع التالي. ويخيل أن الانشغال في ذلك بدأ منذ الآن، إذ في الأيام الأخيرة اقتبس عن النائب تساحي هنغبي من قدامى الليكود كمن يعتقد بأن نتنياهو سيسعى إلى هجوم مستقل على مواقع النووي في إيران. نذكر في هذا السياق، أنه قبل نحو عقد كانت المعارضة الحازمة لكل مسؤولي جهاز الأمن هي التي منعت نتنياهو ووزير الدفاع في حينه إيهود باراك من إرسال الجيش الإسرائيلي للهجوم في إيران. سلاح الجو، وشعبة الاستخبارات “أمان”، والموساد، وكل الأجسام المؤتمنة على ذلك، وان كانت تعمل هذه الأيام على إعداد خطة عسكرية للهجوم، فإن محافل مطلعة على التفاصيل تعتقد أن القدرات الإسرائيلية اليوم محدودة جداً في مواجهة توزيع وتحصين مواقع النووي في أرجاء إيران. من يعيش التفاصيل يدعي في أحاديث مغلقة بأنه يصعب تصديق أن أحداً ما بالفعل سيبعث الجيش الإسرائيلي إلى هذه المهمة.
من يتعين عليه أن يتخذ قرار سلوك إسرائيلي تجاه إيران، وإن كان هو الكابينت السياسي الأمني ورئيس الوزراء، إلا أنه إذا لم تقع مفاجأة سياسية ما، فمن شأن الكابينت أن يتشكل من أناس ذوي تجربة أمنية قليلة جداً، هذا إذا كانت أصلاً. وسواء حصل غالنت على منصب وزير الدفاع أم لا، فسيكون الوحيد الذي كان جزءاً من هيئة أركان الجيش الإسرائيلي.
رئيس أركان جديد
بالتوازي مع تبديل وزير الدفاع، فإن رئيس الأركان أيضاً سيتبدل بعد نحو شهرين. رئيس الأركان التالي، اللواء هرتسي هليفي، عينه غانتس، ونذكر أن نتنياهو ومقربيه حاولوا عمل كل شيء كي يؤجلوا إعلان التعيين إلى ما بعد الانتخابات، لكنهم لم ينجحوا في ذلك.
رئيسا “الشاباك” و”الموساد” كفيلان بأن يجدا نفسيهما في واقع مركب تحت حكومة بعض من أعضائها يطالبون بإرسال الجيش الإسرائيلي للهجوم في إيران، أو يقرروا بأن على الجيش الإسرائيلي أن يغير تعليمات فتح النار.
الجيش البري
وبالفعل، أحد المواضيع المركزية التي تشغل بال الجيش الإسرائيلي هذه الأيام هو الإرهاب المعربد في “يهودا والسامرة”. فالعمليات المتواترة تستوجب من الجيش الإسرائيلي بأن يحتفظ بحجم كبير جداً من القوات في المنطقة، الحقيقة التي تمس بتدريبات الجيش النظام ولإعداده للحرب. سيتعين على وزير الدفاع التالي أن يعطي الرأي في ذلك، وبخاصة عندما يكون وضع الجيش البري، وكيف نقول، ليس لامعاً.
إن مسألة جاهزية الجيش البري للحرب يجب أن تقف في مكان عال جداً في سلم أولويات وزير الدفاع التالي. إذ كما هو معروف، في المرة السابقة التي كان فيها الجيش الإسرائيلي غارقاً في “المناطق”، نشبت حرب لبنان الثانية، ووصل إليها الجيش البري وهو صدئ جداً. التقدير السائد في قيادة جهاز الأمن اليوم هو أن “حزب الله” غير معني بمواجهة مع إسرائيل، ولكن كما هو معروف، تنشب الحروب عامة بشكل مفاجئ، وسبق أن تبين لنا في السنوات الأخيرة أن إسرائيل و”حزب الله” يجدان نفسيهما بين الحين والآخر قريبين من المواجهة.
غزة وسوريا
في إحصاء التحديات الأمنية التي يقف أمامها وزير الدفاع الجديد، لا يمكن ألا نذكر قطاع غزة الهادئ نسبياً منذ حملة “بزوغ الفجر” في الصيف الأخير (باستثناء صاروخ واحد أطلق نحو إسرائيل في نهاية الأسبوع بعد تصفية نشيط الجهاد الإسلامي في الضفة). وينبغي أن تضاف إلى هذا أيضاً الحرب الإسرائيلية ضد التموضع الإيراني في سوريا وفي مجالات أخرى، والعلاقات المركبة والحساسية لإسرائيل مع الروس، التي رغم الحرب في أوكرانيا، لا يزالون غارقين عميقاً في سوريا أيضاً، ومن شأنهم أن يهددوا حرية العمل الإسرائيلي في الشمال.
ينبغي أن تضاف تحديات مركبة بقدر لا يقل، في مجال علاقات الجش – المجتمع، مثل التردي في دوافع الشبيبة للخدمة في القتال وهروب رجال الخدمة الدائمة من الجيش، مما هو كفيل بأن يؤثر على أمن إسرائيل في المستقبل بقدر لا يقل عن أي تهديد أمني آني.
إسرائيل اليوم 8/11/2022