كيف غذى ترامب النزاعات وجعل الشرق الأوسط المكان الأكثر خراباً في العالم؟

حجم الخط
0

هنالك لوم واحد لا يجب توجيهه لترامب، وهو أن الـ4 سنوات معه كانت مثيرة. يعرف الرجل كيف يقدم عرضاً، ويسلي الجمهور في كل العالم، ويُضحك بصورة مأساوية حتى وهو يتحدث إنجليزية مكسرة، ويثير موجات تسونامي في الشبكات الاجتماعية أكثر من أي زعيم آخر. لقد دخل بصورة هائجة إلى دكان الخرداوات في الشرق الأوسط وبحث ووجد فيها كل الأجزاء التي لا ترتبط معاً وشكل منها أفراساً لها 9 أرجل و5 رؤوس. تصاحب ترامب مع أشخاص ديكتاتوريين وآمن أنه من الممكن عقد صفقات معهم. تلك الصفقات هي المفهوم الذي حل محل مفهوم السياسة. هذا ما يتوجب في نظر من يعتبر نفسه فنان الصفقات. إلى أن اتضح أنه غارق في الديون “ونسي” دفع الضرائب. لقد اندفع نحو الشرق الأوسط مع “صفقة” صاخبة عُرفت باسم “صفقة القرن” التي وقعت بحضور جانب واحد، جانب ترامب. في أحلامه رأى ترامب سلاماً شاملاً بين إسرائيل والعرب، وعشرات المليارات من الدولارات ستغرق رمال الصحراء، ورأى أبراج ترامب تزدهر في غزة والخليل وعمان. حلم كهذا لم يُشاهد في هذه المنطقة الدامية.

ترامب جدير بالثناء على أنه نجح في إحداث تطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين، والسودان في الطريق أيضاً، وكل واحدة حصلت على رزمة كهدية حسب حاجاتها. ستحصل الإمارات على طائرات “إف 35″، وسيتم رفع السودان من قائمة الدول المؤيدة للإرهاب، وستحظى البحرين بالمتبقيات. ولكن إسرائيل هي الرابحة الكبرى. هذا حقاً يشكل ثورة تاريخية ضخمة، وتغييراً منهجياً، لقد أوجد حزام تأييد عربي لدولة إسرائيل، دون أن يكون مطلوباً منها أن تدفع مقابله ثمناً أيدولوجياً أو جغرافياً أو مالياً. هذا إنجاز القرن. ولكنها ليست “صفقة القرن” التي تنهي النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

لم يُحدث ترامب معجزة ولا حلاً لنزاع دام بين إسرائيل وأي دولة عربية، وهو ليس جيمي كارتر ولا بيل كلينتون… لقد صادق على شرعنة استمرار الاحتلال. وضم هضبة الجولان وحدد مقر السفارة الأمريكية في القدس، وأنهى مكانة واشنطن كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنهى الأفق السياسي لإسرائيليين وفلسطينيين.

في الشرق الأوسط أدار ترامب استراتيجية تجارية استندت إلى رؤية أن رؤساء الدول هم مديرون عامون أو رؤساء شركات غير خاضعين لمجالس الإدارة العامة أو للجان العمال. في هذه المنطقة، يعتقد ترامب -حسب رأي الجمهور- أنه لا توجد أهمية للمشاعر القومية وللتاريخ أو للثقافة. يكفي وجود علاقة شخصية وطيدة مع زعيم لعقد صفقة. قد يكون الزعيم الوحيد في العالم الذي يرى في أردوغان، رئيس تركيا، حليفاً مناسباً. “أتدبر نفسي جيداً معه، وهو يصغي لي”، قال ترامب في مقابلة في آب.

حتى عندما غرس أردوغان عود أسنان في عينه لدى شرائه أنظمة الصواريخ الروسية، وعندما هاجم الأكراد حلفاء الولايات المتحدة في الحرب ضد “داعش”، حظي أردوغان بدعم كامل من ترامب الذي برر له شراء الصواريخ من روسيا بسبب رفض إدارة أوباما بيع تركيا صواريخ متطورة. ليس من العجيب أن يخاف أردوغان من نتائج الانتخابات الرئاسية. هو لم يصادف بعد رئيساً أمريكياً يمكنه أن يرفع عليه صوته.

درة التاج لفن صفقات ترامب كان بالتحديد في إنهاء صفقة: الانسحاب من الاتفاق النووي سنة 2018. لقد كان واثقاً من أن سياسة “الضغط بالحد الأعلى” ستجبر إيران على الجثو على ركبتيها وتقبل بكل شروطه. بعد سنتين، ما زالت إيران حية ولم تخضع. وضعها سيئ، وهي غارقة في إحدى الأزمات الاقتصادية الصعبة في تاريخها، ولكنها تواصل تأييد حزب الله وتمويل الميلشيات الشيعية في العراق، وتمويل وتدريب الحوثيين في اليمن، والإمساك بيد بشار الأسد. بل وزادت كميات اليورانيوم التي تخصبها وأعادت تشغيل أجهزة طرد مركزي كانت متوقفة. يثق ترامب الآن بأن لديه صفقة جديدة وناجحة يعرضها على إيران إذا انتخب، فسيظهر للعالم كيف يتم التعامل مع إيران. ولكنه ترامب نفسه الذي لم يرد على إطلاق صواريخ إيرانية أصابت أهدافاً أمريكية سعودية، وأهدافاً للإمارات. عندما طلبت السعودية، لم يتطوع لتقديم المساعدة. أي، لقد كان مستعداً للمساعدة، ولكن مقابل دفع ثمن. الصفقة هي الصفقة، ترامب خلافاً لأوباما، هاجم سوريا بعد أن استخدمت الغاز السام ضد مواطنيها، ولكنه يجري معها الآن مفاوضات بشأن إطلاق سراح أمريكيين مدنيين معتقلين. من قال إنه لا يجب إجراء مفاوضات مع إرهابيين.

وعد ترامب 3 مرات أنه سيسحب قواته من الشرق الأوسط كجزء من سياسة الانفصال التي كتبها على رايته، إحداها في أفغانستان عندما وقع اتفاقاً مع طالبان، وهي المنظمة المسؤولة عن قتل مئات المدنيين الأفغان، ومرة ثانية عندما أعلن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، والثالثة عندما وافق على سحب قواته من العراق. ما زال الانسحاب من أفغانستان ينتظر الخروج إلى حيز التنفيذ. والانسحاب من سوريا تلاشى. أما بشأن مكوث القوات في العراق، فإنه يواصل إجراء مفاوضات، وخلال ذلك يترك خلفه صفاً من الجثث على الطريق. تواصل أفغانستان إدارة حروب مع طالبان، وفقد أكراد سوريا ثقتهم بالرئيس الأمريكي، ورغم أن الانسحاب من سوريا توقف، فإنهم بدأوا بالتودد لسوريا ومصاحبتها، ومستعدون لإجراء مفاوضات مع الأسد للحفاظ على بقائهم إزاء الهجمات التركية. “الأكراد ليسوا مشكلتنا” قال ترامب بعد إعلان الانسحاب، “هناك الكثير من الرمال، وسيكون لديهم الكثير من الرمال ليلعبوا بها”، العراق الذي طالب بانسحاب القوات الأمريكية يخاف الآن من البقاء وحيداً أمام “داعش” الذي رفع رأسه في محافظاتها الشمالية، أما تركيا فسبق وأجرت تجارب على أنظمة الصواريخ الروسية. لقد وضع ترامب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كشخصية ظل، حاضرة -غائبة، غير قادرة على حل النزاعات، وتساهم في إطالتها وتغذيتها.

الشريكة العربية الأهم للولايات المتحدة، السعودية، يحكمها ولي العهد محمد بن سلمان، الذي أصبح شخصية غير مرغوب فيها في الولايات المتحدة بعد قتل الصحافي خاشقجي. منذ أكثر من سنتين لم تطأ قدمه أرضها بالرغم من أنها وعدت بشراء سلاح وطائرات بمبلغ حوالي 110 مليار دولار. ولكن ترامب هو الزعيم الوحيد الذي امتنع من اتهام بن سلمان بالمسؤولية عن القتل -خلافاً لاستنتاجات الاستخبارات المريكية- وقد أحبط الرئيس قرار الكونغرس بمنع بيع سلاح لبن سلمان. أجبر ترامب السعودية على إجراء مفاوضات مع الحوثيين في اليمن، ولكن القوات السعودية ما زالت تستخدم السلاح الأمريكي في هجماتها على التجمعات السكانية في اليمن، في تلك الحرب التي ما زالت مستمرة لأكثر من 5 سنوات وأزهقت حياة أكثر من 100 ألف شخص.

حتى جهود ترامب في رأب الصدع بين قطر من جهة (الدولة التي تستضيف القاعدة الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط) والسعودية والبحرين الإمارات ومصر من جهة أخرى، لم تنجح. الحصار الاقتصادي الذي فرضته دول الخليجية الثلاث سوية مع مصر على قطر، عزز علاقات قطر مع تركيا وإيران وأسسوا معاً محوراً مشتركاً يحاول أن يحل محل المحور العربي الذي حل محل أمريكا. تركيا وقطر تقفان على رأس الجبهة في الحرب في ليبيا بين الحكومة المعترف بها، والجنرال الانفصالي خليفة حفتر، حيث يقف ضدها جبهة روسية فرنسية سعودية إماراتية مصرية. في هذه الساحة، مثلما في الساحة السورية، تكتفي الولايات المتحدة بمكانة المراقب، وكأن هذه المعركة لا تمسها. اللامبالاة الأمريكية في الجبهة السورية الليبية منحت روسيا احتكاراً في الملعب الشرق أوسطي الذي تعرف جيداً استغلاله وتنجح في توسيعه، كما يظهر من شبكة العلاقات العسكرية والاقتصادية التي طورتها مع مصر والسعودية. ليس هنالك شك في أن روسيا تستطيع أن تأكل المزيد من الطيبات التي تركها ترامب لها.

اليوم سيقرر الناخبون الأمريكان إذا ما حان فصل النهاية لهذه الفترة الفوضوية التي ستبقي تراثاً معيباً ومليئاً بالنزاعات، ولكن ليست إرثاً. وكما أثبت ترامب لنفسه، ليس هنالك سياسة لا رجعة عنها، وليس هنالك خطوات نهائية محال إصلاحها. نأمل بأن تكون الفترة القادمة مملة، بدون إثارة وبدون مهرج يدير العالم.

بقلمتسفي بارئيل

 هآرتس 3/11/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية