كيف كتب نجيب سرور أعماله حقا؟

في المواقع الإلكترونية كثير من الأخطاء عن نجيب سرور. معظمها يتحد في القول إن نجيب سرور تم اعتقاله أيام عبد الناصر، وإنه تعرض لتعذيب من رجال صلاح نصر وهذا في الحقيقة لم يحدث. كما تخطئ بعض المواقع فتقول إن المرحوم شهدي ابنه الأكبر الذي توفي منذ شهرين في الهند هو ابن الفنانة سميرة محسن، وهذا غير حقيقي. إنه وأخاه الأصغر فريد إبنا السيدة الروسية ساشا. كما شاعت حكايات عن اعتقاله في مستشفى أمراض عقلية في الإسكندرية، وكيف خرج منها وكان يمشي في الشوارع عاريا يضع على مؤخرته صحيفة «وطني»، وهي صحيفة مسيحية تصدر في مصر، ويجعل عنوانها ظاهرا خلف مؤخرته وهذا غير صحيح . لم يمش نجيب أبدا عاريا في الشوارع. نجيب لم يتواءم مع النظام السياسي المصري وحدثت أزمته مبكرة في روسيا، التي أوفد إليها في نهاية الخمسينيات لدراسة المسرح، ولم يكمل الدراسة للخلافات بين مصر والاتحاد السوفييتي عام 1959، بعد أن قبض عبد الناصر على الشيوعيين في مصر وارتحل نجيب إلى المجر ثم إلى سوريا ولم يتم مهمته.
قام بالتدريس بعد عودته في معهد المسرح، وتم تعيينه في المسرح المصري، لكن الرحلة أصابته بهواجس تسلطت عليه، أبرزها رعبه من كتبة التقارير من بعض طلاب البعثة نفسها. هذا الهاجس جعله يتوجس من كل شيء حوله ومن كل المثقفين، واستمر معه طول العمر. عاد ولم يتمكن من الاتحاد روحيا مع النظام الحاكم، رغم أن مسرحياته كان يتم تقديمها ويعمل أحيانا في الإخراج والتمثيل، وكان له راتب ثابت من الدولة لفترة طويلة. وجد نجيب ملاذا له في شرب البيرة أكثر من أي نوع آخر من الخمور، كنت أحب الجلوس معه وأحب الانصراف حين يصل به شرب البيرة إلى درجة كبيرة جدا من الضياع، فمن التجربة أعرف أن معركة ما ستحدث بينه وبين أحد الجالسين معنا. كنت أنصرف وأعرف في اليوم التالي بحدوث المعركة. كانت الليلة تمر على خير إذا ظللت أنا وهو وحدنا. والسبب كان بسيطا جدا وهو أنني كنت في حضرة الكاتب الأكبر سنا والأشهر مني والذي أحبه وألوذ دائما بالصمت أكثر من الكلام، وكان الكلام هو ما يزعج نجيب سرور في اللحظات الأخيرة للسهر، والسبب المجهول الذي كنت أشعر به هو أنه يشعر بالتوحد الكبير مع نفسه وخيالاته، ولا يريد أن يسمع أحدا. لا أنسى نظراته الضائعة آخر الليل إلينا كأنه يريد أن يعرف أين هو ومن نحن. لم يكن نجيب يشرب زجاجتين أو ثلاثة أو حتى خمسة من البيرة، لكن إذا طال به الوقت يصل إلى عشر وخمس عشرة وعشرين زجاجة من البيرة، وهذا أمر صعب جدا ويدمر الكبد والكلى، وكان سبب وفاته وليس كما تقول بعض المواقع على (ويكيبيديا) أو غيرها أنه مات في السجن أو المعتقل. كانت هناك هواجس عند نجيب سرور مستحكمة به أسمعها منه ولا أعلق، لأنني أعرف أنه لن يقتنع بأي خلاف، وأكبر هاجس في مقهى ريش كان كشك سجاير مجاور للمقهى ذلك الوقت، وكانت بلا حواجز أو جدران. كان هاجس نجيب أنه بداخل الكشك أجهزة تسجل الأحاديث في مقهى ريش. وكان الهاجس الثاني الكبير هو توقعه بتجسس من يهود غير منظورين حولنا يعملون لصالح إسرائيل. رغم حبي للجلوس معه، لم أكن ألتقي به في كل مرة أذهب فيها إلى مقهى ريش، لأنه كان يتردد على أكثر من بار في وسط القاهرة. من الأحاديث العجيبة مع نجيب حوار صحافي أجريته معه في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1976. فبينما نجلس في الظهيرة تقدم إلينا شابان صغيران قدما نفسيهما لنجيب باعتبارهما صحافيين من اليمن، يريدان إجراء حوار معه لأحدى المجلات اليمنية. كانا صغيرين في السن وكانت فرحتهما بلقاء نجيب سرور كبيرة. فوجئت بنجيب يقول لهما بعد أن جلسا أن من سيقوم بإجراء الحوار هو أنا، ويدفعون لي حين أسلمه لهما خمسين جنيها. كتبت يوما «بوست» طويل عن هذا الحوار على الفيسبوك لن أعيده. المهم أنه لم يكن ممكنا نشر الحوار الذي لم يترك فيه ملكا ولا رئيسا عربيا، ونال السادات أكبر الشتائم. مما أذكره ويمكن كتابته واعتبره إجابة عابرة للزمان، إجابته على سؤال عن الحركة الماركسية في مصر فقال «الحركة الماركسية ينطبق عليها قول المطربة شادية مشوارنا همسة وضحكة شاردة في الفضا. مشوارنا خطوة وعمرها ما بتنقضى!» اختفيت أسبوعا. وشتمني نجيب سرور حين رآني وكان هذا عاديا لأنني ضيعت الخمسين جنيها، وضحكت وشرحت له. في هذا الحوار أخبرني أنه أعطى ابنه الأكبر اسم شهدي على اسم شهدي عطية الشافعي المناضل الماركسي، الذي قتل في سجون عبد الناصر، أما فريد فقد سماه على اسم محمد فريد الزعيم الوطني، لكنه حين عرف بمقتل المناضل فريد حداد في سجون عبد الناصر وهو أمر عُرف متأخرا جدا، حين بدأ بعض الشيوعيين ينشرون مذكراتهم، تيقن له حسن الاختيار، لقد قيل إن فريد حداد تمت إذابته في محاليل كيميائية فلم يعرفوا له جثة.
في يناير/كانون الثاني عام 1977 حدثت مظاهرات يناير وأخفيت ما لديّ من كتب ماركسية، ومعها حوار نجيب سرور مع أحد الأصدقاء خوفا من أن يتم القبض عليّ لكن أباه اكتشف أنها كتب ماركسية فأحرقها ومعها الكراس الذي فيه الحوار. حزنت جدا على هذا الحوار، وما زلت، فكان يمكن الاحتفاظ به لنشره يوما لأنه، بعيدا عن الشتائم، كان مُلخِصا لكل ما جرى ويجري في البلاد. كان الهاجس الثالث عند نجيب من العرب، ففي ذلك الوقت كان توافد العرب كثيرا على مصر للسياحة، وشاعت الأخبار عن زواج بعضهم من القاصرات نظير المال في بلاد في الصعيد بشكل كبير. كان هو وسيما جميلا يتصور أن بعض العرب يطاردونه أيضا لجماله، لذلك حين سافرت للعمل في السعودية منتصف عام 1978 لم أخبره حتى لا يغضب مني.
حضرت مرة بعد ثلاثة أشهر وتعمدت أن أقابله وقلت له في الإسكندرية.. رأيته ذاهلا وتأملته بعمق وأدركت أنني لن أراه مرة أخرى. سافرت إلى السعودية وبعد شهر أو شهرين عرفت بوفاته كما توقعت. وفاته بسبب الشرب الكثير وتدمير الكبد وليس بسبب السجن كما يقول البعض. نجيب لم يعرقل له أحد نشر كتاب ولا عرض مسرحية، وكان مخرجا وكان ممثلا أيضا، لكن أزمة نجيب حدثت مبكرة في روسيا، حين كان موفدا في بعثة لدراسة المسرح مع غيره من الفنانين. لم يتواءم مع كتبة التقارير من بين البعثة ولم يتواءم مع النظام السياسي في مصر الذي قبض على الشيوعيين عام 1959 وهو هناك في روسيا، وأصبحت لديه هاجس بوجود الأعداء في كل مكان، وهذا أمر لن نعرف تفاصيله أبدا. ماذا كان يحدث هناك وجعل نجيب كذلك؟ سؤال إجابته ضائعة وستظل.. الذي يستحق الدراسة النفسية حقا هو كيف لهذا الكاتب أن يمضي نصف يومه بين زجاجات البيرة ولا يعود إلى بيته واعيا أبدا، ثم يكتب كل هذه المسرحيات الرائعة ناهيك عن الشعر والمقالات؟ هذه أعجوبة نجيب سرور ومعجزته.

٭ روائي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية