كيف لإسرائيل أن تضبط “الحدود الجديدة” لمعركتها ضد إيران وحزب الله؟

حجم الخط
0

شهدنا هذا الأسبوع ضربة مقدمة للمعركة الجديدة التي بدأتها إسرائيل: معركة منع إنتاج الصواريخ الدقيقة في لبنان. هذه المعركة التي بدأت ستترافق ومخاطرة دائمة ومتزايدة لصدام واسع مع حزب الله في لبنان. لا يهم أيهم سنختار بعد نحو عشرة أيام لقيادتنا، فكل من يدخل مكتب رئيس الوزراء لا يمكنه الوقوف جانباً في الوقت الذي يقيم فيه حزب الله مشاريع صواريخ دقيقة.

إن الحوامات التي هبطت على خلاطة الوقود في الضاحية قبل أسبوعين طرحت معادلة جديدة: إذا كانت إسرائيل هي التي هاجمت بالفعل، فإنها لن تقبل إقامة مصانع للصواريخ الدقيقة في لبنان. وهي مستعدة أن تعمل ضدها بوسائل سرية أو رقيقة أو بوسائل فاعلة. أما الصواريخ المضادة للدروع التي أخطأت هدفها، لحظنا، في إصابة سيارة الإسعاف في يرئون، فقد شكلت الجانب اللبناني من المعادلة: كل عمل إسرائيلي عنيف في لبنان سيرد عليه كعمل عنيف من جانب حزب الله.

كانت ضربة البدء من الطرفين محسوبة. واضح للطرفين ما هو ثمن المخاطرة وما هو مدى الطاقة الكامنة لدى الطرف الآخر. لإسرائيل قدرة على تخريب لبنان وإيقاع ضربة قاضية لحزب الله. بالمقابل، لحزب الله قدرة على إيلام إسرائيل مثلما لم يؤلمها أحد منذ عشرات السنين. وعليه، فإن هذه المعركة سيديرها الطرفان بحذر، مع القدم على دواسة التوقف، كي لا يتدهوران في المنزلق المؤدي إلى حرب عنيفة على نحو خاص.

إن قرار حزب الله إقامة مصانع صواريخ دقيقة في لبنان هو نتيجة النجاحات التكتيكية التي حققتها إسرائيل في المعركة ضد إرساليات السلاح من إيران. فبعد سنوات هاجمت فيها إسرائيل، وفقاً للتقارير، الإرساليات التي وصلت إلى سوريا، قرر حزب الله وإيران تجاوز الإرساليات والشروع في إنتاج الصواريخ من الألف إلى الياء على الأرض اللبنانية، أي من المواد الخام وحتى الصاروخ الدقيق الكامل.

تابعت إسرائيل الخطوة وعملت ضدها في جملة وسائل، سرية وعلنية أيضاً. اضطر حزب الله أن ينقل عدة مرات مواقعه للإنتاج، ما تسبب له بالتأخر، ولكن ذلك لم يحل دون تصميمه على تأسيس المشروع. بعد الأسبوع الأخير، يخيل أن هناك تفكيراً متجدداً عن جدوى المشروع، انطلاقاً من فهم أن يوقع مصيبة على لبنان. ويحتمل أن رئيس وزراء لبنان سعد الحريري لاحظ بداية الشكوك، فأجرى التفافة، ووقف هذا الأسبوع علناً ضد حزب الله.

وقف نصر الله ليرد على الهجوم المنسوب إلى إسرائيل في بيروت وبعث بعدد غير قليل من خلايا مضادات الدروع تحسباً لأهداف تلوح بالصدفة على مقربة من الحدود. وكانت تعليماته الاكتفاء برد بالحد الأدنى، لا يتسبب بإصابات أكثر مما ينبغي، وإن كان رجاله الميدانيون طالبوا برد ذي مغزى أكبر. عدم الانضباط الذي يتميز به الجيش الإسرائيلي وفر لهم الهدف على شكل سيارة إسعاف، تسافر على مقطع من الطريق في زمن التأهب، وفيها مقاتلون وطبيب. لشدة الحظ، أخطأ مصوبو حزب الله الهدف. وإلا لكنا منذ أسبوع في إطار حدث آخر تماماً.

سارع الجيش الإسرائيلي لإخراج مناورة تضليل خطط لها مسبقاً. فقد هبطت مروحية في منطقة الحدث (في نقطة لم تكن مكشوفة لنار حزب الله) وأقلعت وهي تحمل مقاتلين أصحاء في اتجاه رمبام. وبالتوازي، أخر الناطق العسكري البيان عن انعدام الإصابات.

الفكرة كانت صحيحة ومبررة: كسب الوقت إلى أن يفهم حزب الله ما يحصل كي لا يستخدم في هذه الأثناء إحدى خلاياه الأخرى ضد هدف آخر. أما التنفيذ فكان أخرق: لو هبطت المروحية في واحدة من قواعد سلاح الجو – لبقي حزب الله في انعدام اليقين من نتائج الحادثة حتى اليوم. أما الهبوط المصور في رمبام للجرحى الوهميين فخلق انطباعا محرجاً. والجيش الإسرائيلي قد لا يكرر هذه الممارسة في المستقبل.

بعد الحادثة، كشف الجيش الإسرائيلي مداميك أخرى لمشروع الصواريخ الدقيقة، كي يؤشر لحزب الله الأهداف التالية في المعركة. ثمة مصنع للصواريخ انكشف في البقاع، وهو واحد من مشاريع الدقة التي تمكن حزب الله من إقامتها. والتقدير يشير إلى أن حزب الله نجح في أن يهرّب أو يحوّل بضع عشرات من الصواريخ لتصبح دقيقة، بينما إسرائيل مصممة على منع ازدياد هذا العدد.

توزيع جوي واسع

بدأت أحداث الأسبوعين الأخيرين بالهجوم على خلية الحوامات الإيرانية في سوريا. وهو حدث مهم من ناحية عملياتية. لم يمر وقت طويل من اللحظة التي صدر فيها الأمر للطيارين إلى أن شطبت في كفر عقربة، إلى جانب رجال الخلية التي فيها.

بعد ربع ساعة من ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي عن الهجوم. في نظرة إلى الوراء، بعد ساعتين من ذلك، هبطت الحوامات في بيروت؛ كما قال لي هذا الأسبوع رئيس الاأكان الأسبق داني حلوتس: “من الأفضل أن نبقي أصابعنا في جيوبنا على أن ندقها في عين العدو”.

بعد أقل من ذلك بيوم، هوجمت قافلة لميليشات شيعية حملت معها طائرات مسيرة مسلحة من العراق إلى سوريا. قد تكون هذه رد قاسم سليماني، قائد قوة القدس، على الهجمات المنسوية إلى إسرائيل في العراق. هنا أيضاً لم يضبط نفسه أن وصفها “جهة أمنية كبيرة”، وأوضح في إحاطة له للصحافيين بأن “إسرائيل عملت في ساحتين”.

هذه الأحداث ترسم الحدود الجديدة للمعركة ضد إيران وتوابعها، سوريا ولبنان. فالحدود المتسعة للمعركة ستتطلب من سلاح الجو غير الكبير عندنا أن ينتشر بشكل غير مريح، سواء بقدراته الهجومية أم الدفاعية. ومنذ هذا الأسبوع نشرت بطاريات القبة الحديدية من شمالي البلاد وحتى جنوبها.

بدأت المعركة بين الحروب التي تديرها إسرائيل ضد إيران كمعركة هادئة، شبه سرية بكاملها، وإذا بها تتحول مؤخراً إلى مكثفة وعلنية أكثر. وأدت حتى الآن إلى سلسلة من الإنجازات: قليلة هي إرساليات السلاح التي نجحت في الوصول إلى لبنان. وصد الجهد الإيراني لإقامة مشاريع للصواريخ في سوريا. كما أنه يتأخر تثبيت التواجد الإيراني في سوريا. ولا تنجح إيران في تأسيس شبكة القواعد الجوية التي أملت في إقامتها هناك، كما لم تنجح في نصب عدد كبير من الصواريخ.

إلى جانب النجاحات، ينبغي أن نرى قيود هذه المعركة: فهي لم تقلل من التصميم الإيراني على أن تقيم في سوريا قاعدة متقدمة ضد إسرائيل، كما لم تكبح مساعي حزب الله لنيل قدرات دقة باليستية.

لا يزال نصر الله يسعى إلى تحقيق “توازن إستراتيجي” مع إسرائيل: قدرة على ضرب الكريا في تل أبيب كرد على ضرب الضاحية. ضرب البنى التحتية الاستراتيجية لإسرائيل كرد على ضرب البنية التحتية للبنان وقدرة جوية من الطائرات غير المأهولة ضد تفوق سلاح الجو.

مثلما في الصراع ضد البرنامج النووي الإيراني، تحقق الإعمال الإسرائيلية نجاحات تكتيكية من التأخير والإعاقة، ولكنها لا تقتلع دوافع الطرف المضاد للسعي إلى الهدف الذي وضعه لنفسه. هذا يمكن تحقيقه فقط في اتفاق تقف خلفه الولايات المتحدة.

إلى جانب استمرار عمليات الإحباط يتعين على إسرائيل أن تركز كي تضمن للاتفاق التالي مع إيران، الذي لا بد سيأتي يوم لوقف البرنامج النووي الإيراني والتوسع الإيراني في المنطقة. من المتوقع للرئيس ترامب أن يتوصل في النهاية إلى مفاوضات مع الإيرانيين، وإسرائيل ملزمة بأن تبقى ملتصقة به وألا تكرر الأخطاء التي ارتكبتها مع سلفه أوباما. يمكن لسلاح الجو والموساد، بقدراتهما الرائعة، أن يؤخرا إيران، ولكن دون أن يوقفاها. اتفاق شامل ومستقر وحده سيبعد الإيرانيين عن البرنامج النووي وعن حدودنا.

بقلم: الون بن دافيد
معاريف 6/9/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية