كيف نجح الخليفي في إقناع مبابي بالبقاء؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد. نجح رئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي، في احتواء الأزمة التي افتعلها المتمرد كيليان مبابي في بداية فصل الصيف، بالتلويح بورقة الرحيل عن «حديقة الأمراء» وعدم تفعيل بند التمديد حتى العام 2025 فيما ستكون بمثابة الصفعة الثانية لريال مدريد ورئيسيه الأسطوري فلورنتينو بيريز، حال صدقت شبكة «سكاي سبورتس» الناطقة بالإنكليزي، في انفرادها الأخير بشأن موافقة بيئة الميغا ستار، على الجلوس على طاولة المفاوضات لإضافة الطابع الرسمي على عقد الولاء الجديد.

لعبة عض الأصابع

لا يُخفى على الصغير قبل الكبير في عاصمة النور، كم المشكلات التي كان يُصدرها مبابي لمجلس الإدارة واللاعبين داخل غرفة خلع الملابس، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما فعله العام الماضي بعد الهزيمة أمام بايرن ميونخ في مراحل خروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا، متعمدا دس السم في العسل، بنبرة تفوح منها رائحة التهكم والطاقة السلبية عن أسباب معاناة الفريق دائما وأبدا في هذه المراحل في الكأس ذات الأذنين، قائلا جملته العالقة في الأذهان «لا أعرف صراحة ما يحتاجه الفريق للفوز بدوري الأبطال، أنا أقوم بعملي على أكمل وجه، لكن الإجابة على هذا السؤال تبقى في يد المسؤولين عن النادي» وسبقها بأزمة اعتراضه وخروجه من الإعلان الترويجي للتذاكر الموسمية في شباط/فبراير الماضي، وأمور أخرى جعلت الرأي العام والإعلام العالمي يرسم لكيليان صورة الشخص الأقوى والأكثر تأثيرا داخل جدران الصرح الباريسي، وما زاد الطين بلة، ما فعله في تعليقه على تجدد شائعات اهتمام ريال مدريد، عندما أخذته الجلالة بنشر بيان عبر حساباته في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لتأكيد جديته في تنفيذ مخططه الكبير، بالاستمرار مع الفريق لموسم آخر، على أن يتقاضى بكل سهولة وأريحية مكافأة التوقيع على عقد الولاء، وفي الأخير يترك النادي بموجب قانون بوسمان، ليستيقظ على سلسلة من الكوابيس، بدأت بتهميشه وإبعاده من جولة الفريق للاستعداد للموسم الجديد في كوريا الجنوبية واليابان، وإجباره على التدريب مع قائمة المعروضين للبيع، والتي تضم أسماء بوزن جوليان دراكسلر، وفينالدوم، ولياندرو باريديس وأسماء أخرى تكتفي بركل الكرة في عالم مواز، ريثما تتم عملية تسويقهم خارج النادي الموسم الجديد، هذا في الوقت الذي كان المدرب لويس إنريكي، يسابق فيه الزمن لوضع حجر أساس مشروعه الجديد، تنفيذا لتوجيهات الإدارة والمديرين التنفيذيين، بتعويض كبار السن الراحلين، بفريق يكون قوامه الرئيسي من الشباب القابل للانفجار على المدى القريب، الأمر الذي جعل مبابي يشعر وكأنه في جزيرة معزولة عن العالم، أشبه بالعالمي توم هانكس في ملحمته الهوليودية «Cast Away» بعد سقوط طائرته في جزيرة مجهولة في المحيط، وما عزز شعوره بالوحدة أمام الضغوط الجماهيرية والإعلامية والإدارية وربما السياسية على اللاعب، ما وصفته صحيفة «سبورت» الكاتالونية بـ «الموقف الغامض» لريال مدريد، كونه في المنصات والعالم الافتراضي يتصدر قائمة الطامعين والراغبين في اقتناع المرشح اللامع لاحتكار الجوائز الفردية العالمية المرموقة بعد الهجرة الجماعية لنجوم الدوريات الأوروبية الكبرى إلى الدوري السعودي، الذي تحول بشكل عملي إلى جنة جديدة للنجوم والمحاربين القدامى في الشرق الأوسط، بيد أنه على أرض الواقع، لم يتلق النادي الباريسي ولو استفسارا من مكاتب «سانتياغو بيرنابيو» عن النجم الكبير، الذي كان مطروحا للبيع لمدة ثلاثة أسابيع.

كواليس الصفعة الثانية

بعيدا عن التقارير المحدثة على رأس الساعة في فرنسا وإسبانيا عن قوة موقف النادي الباريسي في الوقت الراهن، فالمؤشرات وما يحدث على أرض الواقع في الأيام والساعات القليلة الماضية، يظهر أن اللاعب في طريقه لرفع الراية البيضاء في معركته التفاوضية مع إدارة «بي إس جي» وحدث ذلك بعد أنباء من مصادر تحظى بمصداقية لا بأس بها، عن تواجد وفدا قطريا رفيع المستوى في العاصمة باريس، جاء خصيصا من الدوحة لغلق ملف مستقبل صاحب الـ24 عاما، ويُقال إن النتائج جاءت صادمة ومخيبة للآمال هناك في مدريد، بتوصل كلا الطرفين إلى اتفاق ضمني، على إثره قد تصدق معلومة «سكاي سبورت» عن اقتراب موعد إعلان تجديد عقد كيليان مع باريس سان جيرمان، وهذا سيكون آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره الإعلام الإسباني، وتحديدا المحيط الأبيض المقرب من فلورنتينو بيريز، الذي كان وما زال يروج إلى فكرة حفاظ الريال على الهدوء والصبر حتى تأتي لحظة الضغط التاريخية على عملاق الليغ1، بالتقدم بعرض في المتناول لمبابي، لا تزيد قيمته عن 120 مليون يورو، قبل أن يُسدل الستار على سوق الانتقالات الصيفية، ومعها خسارة واحد من أهم الأصول الباريسية بدون مقابل، مع بدء العد التنازلي لموسمه الأخير في «حديقة الأمراء» لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ماذا لو صدقت التوقعات ووافق اللاعب على تمديد عقده مع ناديه وهو المحتمل؟ إما ستكون القشة التي قصمت ظهر البعير في قصة الحب الافتراضية بين دوناتيلو واللوس بلانكوس، أو وفقا لـ «سبورت» و«ماركا» ستكون الصفعة الثانية والأخيرة لريال مدريد، لصعوبة الوثوق في لاعب تخلى عن شعار «هلا مدريد» على مرتين، غير أنها ستعزز الشكوك المتزايدة حول تعمده استغلال اهتمام الريال لتعظيم نفوذه داخل المؤسسة الباريسية، ومضاعفة راتبه السنوي الخيالي وباقي الامتيازات الذهبية في عقده مع الفريق الباريسي، وإما ستكون نقطة فاصلة في مشواره مع العملاق الباريسي، خاصة بعد التغير الملحوظ في المناخ العام والأجواء داخل «حديقة الأمراء» والدوافع الجديدة داخل غرفة خلع الملابس في فترة ما بعد التخلص من ضغوط وأعباء الاعتماد على فكرة استقطاب أفضل وألمع نجوم المجرة، التي أسفرت في النهاية عن نتائج معاكسة، كما حدث مع رائد هذه المدرسة في بداية الألفية، فلورنتينو بيريز، الذي استحوذ على أبرز مشاهير الكرة في ولايته الأولى، على أمل أن تكون أداته لإعادة زمن الخوالي، لكن على أرض الواقع، كانت الأمور تزيد سوءا كلما وقع مع صفقة سوبر، من نوعية الظاهرة رونالدو البرازيلي وأيقونة الإنكليز ديفيد بيكهام ومواطنه المتوهج في تلك الفترة مايكل أوين، وأسماء أخرى عجزت على حل شفرة كأس دوري أبطال العاشرة، التي ظلت عصية حتى العام 2014.

مصلحة مشتركة

يبقى الرابط أو القاسم المشترك بين النادي الباريسي ومهاجمه المدلل، هو تحقيق الهدف المنشود منذ وصول الإدارة القطرية في بداية العقد الماضي، بالتتويج بكأس دوري أبطال أوروبا، التي لا يضعها الجمهور الباريسي في مقارنة مع الألقاب والبطولات المحلية، وكما أشرنا أعلاه، أثبتت التجارب على مدار العشرية الماضية، أن الفريق عانى الأمرين من تبعات سوء البناء بما يتماشى مع الضغوط والطموحات المطلوبة من اللاعبين، بالأخص فيما يتعلق بسياسة التوقيع مع أصحاب الباع والخبرات العريضة في هذه البطولة، والإشارة إلى قائد ريال مدريد الأسبق سيرخيو راموس ونظيره في برشلونة لونيل ميسي، رفقة الكتيبة التي أطلق عليها «فريق الأحلام»، والدليل على ذلك، أن الطموح عاد خطوة إلى الوراء في وجود ثلاثية «كيليان مبابي وليونيل ميسي ونيمار جونيور» بتوديع البطولة الأوروبية في بداية مراحل خروج المغلوب، بعد ملامسة الحلم الكبير على مرتين، الأولى بكسر الحاجز النفسي للوصول للمباراة النهائية نسخة كورونا 2020 تحت قيادة طيب الذكر توماس توخيل، وفي النسخة التالية خرج الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو وفريقه من الدور نصف النهائي على يد رياض محرز ورفاقه في مانشستر سيتي، أما الآن، فيمكن القول، فيبدو واضحا أن هناك ما يدعو الجمهور الباريسي لزيادة جرعة التفاؤل لمستقبل أفضل، بناء على إستراتيجية المستشار الرياضي لويس كامبوس، التي وصفها موقع «Goal» العالمي بـ «المتوافقة» مع طموح وخطط مبابي، والإشارة إلى الصفقات الجديدة التي أبرمها النادي في الميركاتو الصيفي، مثل التخلص من صداع الهشاشة والسذاجة الدفاعية بضم ميلان سكرينيار ولوكاس هيرنانديز، إلى جانب التنويع في الوسط والهجوم لمزيج من الدماء الجديدة الشابة وأصحاب الخبرات الجيدة، من نوعية مانويل أوغارتي ولي كانج وماركو أسينسيو وجونكالو راموس، وقبل هذا وذاك، جاء صديقه الصدوق في معسكرات منتخب فرنسا عثمان ديمبيلي، بعد تفعيل بند فسخ عقده مع برشلونة مقابل 50 مليون يورو، وهذا في حد ذاته، يعكس توجه النادي وسياسيته الجديدة، التي ترتكز على طاقة وعنفوان الشباب مع قليل من الخبرة، وليس بالطريقة القديمة، بالمبالغة في الاعتماد على أصحاب الخبرات والأسماء الكبيرة المتشبعة بالبطولات وتعيش على أطلال الماضي، على حساب الجواهر الخام والمواهب المتعطشة لتحقيق المجد، وأمور أخرى، جعلت مبابي يُعيد النظر حول مستقبله في مسقط رأسه.

بصمة العراّب والأحلام

صحيح كيليان مبابي، هو المتحدث الرسمي الأول لخط هجوم باريس سان جيرمان في السنوات الماضية، والفائز التقليدي بجائزة الحذاء الذهبي كأفضل هداف في الدوري الفرنسي، برصيد 5 جوائز وهو بعمر 24 عاما، لكنه لا يظهر بنفس المخيفة التي يبدو عليها مع منتخب فرنسا، ولا الحدة التي جعلت البعض يضعه في مقارنة مع أسطورة القرن الماضي بيليه، بعد ظهوره الطاغي في المباراة النهائية لكأس العالم قطر 2022 وهذا يرجع، لتقيده بأمتار معينة في الثلث الأخير من الملعب، وصعوبة حصوله على حريته في التحرك كما يحلو له، في وجود سحرة وأساطير بوزن نيمار وميسي، لكن بعد رحيل الثنائي اللاتيني هذا الصيف، لنا أن نتخيل ما سيفعله مبابي في ليالي دوري أبطال أوروبا الكبيرة، ولو أن هذا سيتوقف على إستراتيجية المدرب الإسباني وقدرته على تطويع طاقة كيليان الغاشمة، لخدمة المنظومة الجماعية، ومن حسن الحظ وما يعزز فرضية «Goal» حول تغير مزاج النجم الكبير وسعادته بالصفقات الجديدة، أنهم تقريبا بنفس مواصفات رفاقه في كتيبة المدرب ديديه ديشامب، بل منهم واحد من الشركاء عثمان ديمبيلي وخليط من المواهب والخبرات، التي من الممكن أن يستغلها إنريكي، لإخراج أفضل ما لدى سلاحه الرادع، الذي أثبتت مرارا وتكرارا، أنه من القلائل الذين يُجيدون اللعب تحت الضغط، وليس بالاستعراض على الخصوم الضعفاء والفرق المتوسطة، أبرزها معدله المقلق لكريستيانو رونالدو، بإزاحته من صدارة الهدافين التاريخيين للكأس ذات الأذنين، بتسجيل ما مجموعه 40 هدفا في 61 مباراة قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الـ25، منهم 15 هدفا في مراحل خروج المغلوب، والأهم في وجود نيمار وأسماء أخرى، كانت تنافسه على حصة الأهداف والفرص المحققة أمام المرمى، وفي رواية أخرى نجوم آخرين لا يهتمون بأدوارهم الدفاعية، لتقدمهم في العمر، ما كان يجعل الفريق يبدو وكأنه يلعب باثنين أو ثلاثة لاعبين على أقل تقدير في المواقف الدفاعية، بينما الآن، سيقتصر الأمر على مبابي بمفرده، الذي سيتقمص دور القائد والبطل في مشروع لويس إنريكي الشاب، بالصورة التي أرادها ورسمها لنفسه في النادي، بحل معضلة العواجيز والتخلص من أصحاب الرواتب الباهظة، وخلق مجموعة تنافسية قوامها الرئيسي من الشباب الطامح في كتابة التاريخ تحت قيادة مدير فني فاز من قبل بدوري الأبطال، وهي الشروط التي يبدو واضحا أنها تحققت على أرض الواقع، إلا إذا حدث آخر وأسوأ سيناريو ينتظره الرئيس ناصر الخليفي، أن يكون مبابي آخر ضحايا لويس إنريكي، المعروف عنه صدماته مع النجوم الكبار، وانحيازه دائما للشباب والباحثين عن غد أفضل، ما قد يؤثر بشكل سلبي على المشروع، ويكون سببا في إحياء مسلسل مبابي وريال مدريد، أو قد تكون هناك مفاجأة مدوية تطبخ الآن على نار هادئة، ونستيقظ على قنبلة انتقاله إلى ريال مدريد في يوم «الديد لاين» عموما دعونا ننتظر ما سيحدث في الساعات القليلة المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية