كيف هوى منتخب إيطاليا إلى دول العالم الثالث كرويا؟

عادل منصور
حجم الخط
4

لندن ـ «القدس العربي»: كما كان متوقعا بناء على الصورة البائسة التي كان عليها في الدور الأول، فشل المنتخب الإيطالي في الدفاع عن لقبه بعد سقوطه المدوي أمام جاره المنتخب السويسري بثنائية نظيفة كانت قابلة للضعفين على أقل تقدير، لولا براعة حامي العرين جانلويجي دوناروما، الذي أنقذ بمفرده 3 أهداف محققة بنسبة 100%، وذلك في أولى مباريات دور الـ16 لكأس أمم أوروبا في ألمانيا 2024، ليعود حامل اللقب إلى الديار جارا أذيال الخيبة والعار والفضيحة وباقي المصطلحات القاسية التي تصدرت عناوين الصحف ووسائل الإعلام في ما كانت تعرف قديما ببلاد جنة الكرة، ناهيك عن ردود الأفعال الغاضبة في عالم «السوشيال ميديا»، ليس فقط اعتراضا على الهزيمة الصادمة التي لا تليق باسم وسمعة أبطال العالم وأوروبا 7 مرات من قبل، بل أيضا على النسخة العاجزة التي كان عليها فريق المدرب لوتشيانو سباليتي في مبارياته الأربع في اليورو، كمنتخب أقل ما يُقال عنه أنه يجمع بين الفقر الفني من خارج الخطوط وبين ندرة الإبداع والدهاء الكروي داخل المستطيل الأخضر، وفي رواية أخرى، منتخب لا يعرف عن أسياد الدفاع سوى أناقة القميص الأزرق، الى درجة أن بعض النقاد والمعلقين ذهبوا إلى «Google» للتعرف أكثر على أنصاف المواهب والأسماء المغمورة التي استعان بها مدرب نابولي السابق في قائمته الأوروبية، فما بالك عزيزي القارئ بأغلب المشجعين، وخصوصا القدامى منهم في المنطقة العربية؟ قولا واحد. في أغلب التقديرات وبدون أي نوع من أنواع المبالغة أو التهويل، نصف التشكيل الأساسي مجهول بالنسبة للأغلبية الكاسحة من عشاق الأزوري من المحيط إلى الخليج، وهذا الأمر إن دل على شيء، فحتما على عودة الطليان إلى المربع صفر، لكن هذه المرة بمؤشرات ورسائل تندرج تحت مسمى «غير مبشرة» لعودة هذا المنتخب العريق إلى مكانه الطبيعي والتقليدي على الساحة العالمية، كمرشح مُفضل للفوز بالبطولات الكبرى المجمعة حتى لو كان في أسوأ وأضعف حالاته في مستهل مشواره في المجموعات سواء في كأس العالم أو كأس أمم أوروبا، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ويراود عشاق أباطرة الدفاع هو: كيف وصلت إيطاليا إلى قاع الحضيض الكروي بسرعة الصاروخ بعد معجزة يورو 2020؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه معا في موضوعنا الأسبوعي.

ما قبل الكارثة

على النقيض من الصورة التي رسمها المدرب السابق روبرتو مانشيني لنفسه ومشروعه في بداية مغامرته مع المنتخب في أعقاب صدمة نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، حين فشل المنتخب بقيادة المدرب الكارثي الأسبق جامبييرو فينتورا، في الحصول على تأشيرة اللعب في مونديال روسيا 2018، بعد صفعة منتخب السويد بدون الأسطورة الخالدة زلاتان إبراهيموفيتش، في مباراة الملحق الأوروبي المؤهل لكأس العالم، في ما كان أشبه بالحدث النادر والفريد من نوعه آنذاك، لأنها كانت المرة الأولى التي يفشل فيها المنتخب العريق في الوصول إلى أم البطولات للمرة الأولى منذ خمسة عقود، ولو نتذكر كيف أبدع المانشيو في بيع روايته الطموحة للرأي العام والشارع الكروي قبل حتى جهابذة النقد والتحليل، بفاصل من الانتصارات المقنعة، في بداية طريق الألف ميل من أجل تحسين سمعة المنتخب وإعادة هيبته وشخصيته المهيبة المعروفة عنه عالميا بعد الاكتفاء بمشاهدة المونديال عبر شاشات المونديال، على غرار نجاحه في معادلة رقم المدرب الأسطوري فيتوريو بوزو، محققًا الفوز في تسع مباريات متتالية في مختلف المسابقات، تماما كما فعل الفائز بكأسي العالم عامي 1934 و1938 في الفترة بين عامي 1938 و1939، في سيناريو لم يحلم به حتى أكثر المتفائلين بنجاح تجربة مانشيني، أن يعود المنتخب إلى الساحة العالمية بهذه السرعة، وبأرقام سيتوقف أمامها التاريخ، كما فعل بضمان تأشيرة اللعب في يورو 2020 بعد أول سبع مباريات في التصفيات، ولم يكتف بذلك، بل واصل المضي قدما بسلسلة غير مسبوقة في الحفاظ على سجله الخالي من الهزائم، إلى أن جنى ثمار عمله وتخطيطه بالفوز بيورو 2020، كمكافأة بعد التوليفة السحرية التي توصل إليها، بذاك المزيج الإستراتيجي بين من تبقى من تلاميذ أساطير التسعينات وبداية الألفية الجديدة أمثال جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي، وبين الشباب العشريني ومن كانوا أقل وقتها، أمثال نيكولو زانيولو وفيديريكو كييزا ومن هم أكبر سنا وأكثر نضجا في أواخر عقد العشرينات وبداية الثلاثينات من نوعية أندريا بيلوتي وفيديريكو بيرنارديسكي والقصير المكير ماركو فيراتي والمخضرم جورجينيو وباقي المجموعة التي وصلت إلى قمة التفاهم والانفجار الكروي في يورو 2020، كأفضل تعويض على انتكاسة مونديال قطر 2022، فكان واضحا وضوح الشمس في ظهيرة يومنا هذا، أن صاحب الصلعة الشهيرة في ملاعب الكالتشيو، يعاني الأمرين من أجل السير على خطى سلفه، على الأقل في النصف الأول من مغامرته مع المنتخب، يكفي أننا نتحدث الآن عن أسوأ وأقبح نسخة للمنتخب الإيطالي ربما في كل العصور، أسوأ حتى من سنوات لعنة ما بعد الفوز بكأس العالم 2006، حين صدموا العالم بخروجهم من الدور الأول للمونديال مرتين على التوالي، قبل الدخول في العشرية السوداء، بإقامة نسختين للحدث العالمي بدون مشاركة البلد، الذي اشتهر بنجومه وأساطيره العالقة في الأذهان، على الأقل منذ أواخر الثمانينات وحتى اعتزال جيل كأس العالم 2006، منهم على سبيل المثال ملكي الألفية الجديدة أليساندرو ديل بييرو وفرانشيسكو توتي، وأفضل لاعب في العالم عام 1993 روبرتو باجيو، وعبقري الوسط أندريا بيرلو، وقائمة عريضة تحتاج مجلدات للحديث عنها في مواضيع أخرى، تبدلت الآن بعناصر أقل ما يُقال عنها، لا تملك ما يكفي من الموهبة والغرينتا والجودة بما يكفي للدفاع عن ألوان الوطن، فما بالك عزيزي القارئ عندما يُنتظر منهم المنافسة على اللقب، وذلك بعد الحصول على بطاقة السفر إلى ألمانيا بمعجزة في التصفيات المؤهلة للمسابقة، بإنهاء مشوارهم في المجموعة الثالثة في المركز الثاني بفارق الأهداف فقط عن صاحب المركز الثالث المنتخب الأوكراني، علما أن مباراتهما معا في ختام التصفيات انتهت بالتعادل السلبي، لذا حدث ما توقعه أغلب المصابين بمتلازما «عشق المنتخب الإيطالي»، بالخروج المبكر من اليورو إلى جانب الفشل الذريع في تقديم ما يعبر عن هوية وشخصية الطليان المحفورة في الأذهان داخل المستطيل الأخضر في المباريات الأربع.

صفر كبير

بصرف النظر عن الفوارق الشاسعة بين أساطير ومشاهير الزمن الجميل وبين الأسماء المتاحة في الوقت الراهن، وتأخر إيطاليا عن ركب المنتخبات التي تملك ترسانة من المواهب والنجوم اللامعة في أوروبا والعالم، لكن بالنظر إلى حصيلة المنتخب أو ما قدمه في اليورو بوجه عام، سنجد أنه بالتعبير الشائع «صفر كبير»، بسبب سوء إدارة الميستر سباليتي، وتجلى ذلك في التخبط الغريب والمثير سواء في أسلوب اللعب أو ما يخص الثبات على قوام رئيسي شبه ثابت في المباريات الأربع، وقد لاحظ أغلب النقاد والمتابعين، عدم استقرار المدرب الستيني على طريقة لعب واضحة، وتجلى ذلك في اعتماده على طريقة 4-2-3-1 في المباراة الافتتاحية أمام ألبانيا، قبل أن يقوم بتعديله إلى 4-1-4-1 في ليلة السقوط أمام إسبانيا بهدف نظيف في الجولة الثانية، ولم يكتف بذلك، بل أحدث انقلابا في الطريقة أمام كرواتيا، بالاعتماد على طريقة 3-5-2، وفي الأخير غامر باللعب بـ4-3-3 أمام سويسرا، تلك المباراة التي كشفت أكذوبة تنوع تكتيكات سباليتي، وما كان يتردد أنه يعدل أسلوبه بما يتناسب مع نقاط قوة وضعف المنافس، وذلك بطبيعة الحال، ليس فقط لأن الأداء لم يطرأ عليه أي نوع من التغير أو التحسن الملموس بعد الظهور الباهت جدا أمام إسبانيا وكرواتيا، بل أيضا صدمة التراجع وحالة العجز التي كان عليها اللاعبون على مدار 90 دقيقة أمام سويسرا، لا سيما الشوط الأول الذي انتهى بدون أن يتمكن فيديريكو كييزا ونيكولو باريلا وستيفان الشعراوي وجانلويجي سكاماكا، ولو تسديدة واحدة على مرمى الحارس يان سومر، وربما لولا تعملق حامي عرين باريس سان جيرمان حاليا وميلان سابقا دوناروما في أول 45 دقيقة على وجه التحديد، لقتلت المباراة إكلينيكيا قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، وليس بهدف ريمو فرولر، بعد نجاح الحارس العملاق في إنقاذ فرصتين محققتين بنسبة 100%، منهما انفراد صريح مع فابيان ريدر في بداية المباراة، ولو أن رجال المدرب مراد ياكين، احتاجوا دقيقة واحدة في بداية الشوط الثاني، لتحطيم معنويات جارهم برصاصة الرحمة العالمية التي أطلقها روبن فارغاس، بتسديدة من طراز «R2» بقدمه اليمنى في أقصى الزاوية اليسرى للحارس المغلوب على أمره، الذي حاول مع الكرة لكن بدون جدوى، في مشاهد لخصت الحالة المأساوية التي وصل إليها الخط الخلفي في أول اختبار بدون اكتشاف اليورو ريكاردو كالافيوري، الذي غاب عن ملحمة ثمن النهائي بداعي الإيقاف لتراكم البطاقات الصفراء في مباريات الدور الأول، مثل الأريحية التي تحرك بها صاحب الهدف الأول، وهو يترجل بمفرده من منتصف الملعب إلى أن تسلم الكرة بأريحية على بعد خطوة من منطقة الست ياردات، وفي الأخير أطلق سهامه بتسديدة بيسراه على يمين الحارس، وبالمثل لم يجد روبن فارغاس من يضغط عليه وهو يسدد بهذه الأريحية من داخل قوس مربع العمليات، والمفارقة، أن هذا التفكك الدفاعي المثير للدهشة والاستغراب، جاء بعد تدخل سباليتي بقراره غير المفهوم، بالاعتماد على جانلوكا مانشيني في الدفاع، في وجود المدافع أليساندرو بونجورنو، رغم أن مانشيني لم يكن في حساباته قبل اليورو، ولم يضمه إلا بعد خروج الثنائي أتشيربي وسكالفيني من القائمة بداعي الإصابة، ليدفع سباليتي فاتورة باهظة الثمن بعد رهانه على مدافع روما لتعويض غياب كالافيوري على حساب بونجورنو، بتحمله مسؤولية الهدف الأول وعدم تفاهمه مع شريكه أليساندرو باستوني في محور قلب الدفاع، ونفس الأمر بالنسبة للرهان الفاشل الآخر على جيوفاني دي لورينزو في مركز المدافع الثالث في طريقة 3-5-2 أو مدافع أيمن عندما يقرر اللعب بأربعة مدافعين، ولعل من شاهد مباراة إسبانيا، لاحظ الكوارث التي ارتكبها دي لورينزو في مبارياته الخاصة مع قاهره نيكو ويليامز، التي انتهت بتفوق كاسح للأخير، الى درجة أن المدافع الإيطالي اختير أسوأ لاعب أمام الماتادور.
بالإضافة إلى كل ما سبق، لم يتعلم لوتشيانو من الأخطاء والدروس المستفادة في الدور الأول، كما يفعل مثلا يوليان ناغلسمان مع منتخب بلاده الألماني، بالانحياز إلى خبرة ليروي ساني على حساب فلوريان فيرتز، لعدم ظهور الأخير بالنسخة المتوقعة منه في المباريات الأولى، وقد لاحظنا إصرار المدرب الإيطالي على الدفع بلاعب الوسط البرازيلي الأصل جورجينيو في وسط الملعب، وعدم التفكير في إجلاسه على مقاعد البدلاء، بعد فشله في تقديم أية إضافة ملموسة على دائرة المنتصف، وكذلك الأمر ينطبق على فيديريكو كييزا، الذي خيب الآمال بامتياز، بسبب المستوى المتواضع الذي كان عليه، شأنه شأن المشهورين نسبيا في الدوري الإيطالي أمثال ماتيو دارميان، ونيكولو باريلا، وجانلوكا سكاماكا. الاستثناء الوحيد هو قلب الأسد جانلويجي دوناروما، الذي أثبت بشكل عملي أن المركز الوحيد الذي ما زال آمنا في بلاد الكاتاناتشو هو حراسة المرمى، بتلك البسالة واليقظة التي كان عليها في كل مباريات منتخبه، ويتبعه بمسافة ليست بعيدة، ما وصفناه باكتشاف اليورو، المدافع الأنيق ريكاردو كالافيوري، بعدما أعاد إلى الأذهان روائع الأسطورة باولو مالديني، كمدافع أعسر بدأ مسيرته في مركز الظهير الأيسر، قبل أن يتحول إلى قلب دفاع من الطراز العالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في ما عدا ذلك، تسابق الجميع في خذلان المشجعين، ربما لعدم قدرتهم على استيعاب أفكار مدربهم في المنتخب، الذي كان يطلب منهم القيام بأدوار مختلفة عن مهامهم مع أنديتهم، كما كان واضحا في تعليماته مع سكاماكا، الذي تعامل معه على أنه فيكتور أوسيمين، في موسم «نابولي تعظيم سلام»، كمهاجم يجمع بين سرعة العدائين في الثلث الأخير من الملعب وبين جينات المهاجم السفاح أمام الشباك، في حين أن الدولي الإيطالي، بالكاد تظهر نقطة قوته في قدرته على التعامل مع الكرات العرضية داخل منطقة الجزاء، وغيرها من القرارات الفنية التي تسببت بشكل مباشر في تحويل المنتخب الإيطالي إلى حقل تجارب في كأس الأمم الأوروبية، تارة باللعب بخطة جديدة في كل مباراة وتارة أخرى بعدم الثبات على تشكيلة واضحة، فكانت النتيجة، الصورة البائسة التي كان عليها المنتخب. يقولون عنه في إيطاليا «منتخب بلا شكل ولا لون ولا رائحة»، لعدم ظهور أي نوع من أنواع الجمل التكتيكية والفنية داخل المستطيل الأخضر، فقط معاناة في التحضير من الخلف إلى الأمام، والأكثر تعاسة، العجز على الاستحواذ على الكرة بالقرب من المناطق الدفاعية المحظورة للمنافسين، وذلك لعدم وجود جمل تكتيكية متفق عليها في ما يخص تنويع الأفكار والحلول الهجومية في الثلث الأخير من الملعب، وهذا يفسر أسباب فقدان الكرة بسهولة في منتصف ملعب الخصوم وعدم القدرة على استعادتها، لأسباب تتعلق في المقام الأول، لفقر الجودة والكفاءة في كل مراكز وسط الملعب، وخصوصا مركز لاعب الوسط رقم 6، الذي يجمع بين الحدة والشراسة في عملية الضغط لاستراجع الكرة بمجرد فقدانها، وبين الأناقة ودقة التمرير، إلى جانب افتقار عملة اللاعب السريع الذي يُجيد الاحتفاظ بالكرة ومراوغة أكثر من مدافع في مواقف لاعب ضد لاعب أثناء عمل التحول من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، بعد فشل كييزا في القيام بهذا الدور. وبالتوازي مع المشاكل الفنية والبدنية داخل المستطيل الأخضر، كانت هناك بعض التوترات داخل غرفة خلع الملابس، أبرزها التأثير السلبي على لاعبي الوسط بعد استدعاء فاجيولي بشكل مفاجئ قبل اليورو، كواحد من الأسباب التي عجلت بانتهاء شهر العسل بين المدرب واللاعبين قبل خوض منافسات اليورو، لعدم هضم اللاعبين لفكرة استدعاء لاعب يوفنتوس بعد عودته لتوه من العقوبة التأديبية التي تسببت في حرمانه من ممارسة اللعبة لمدة ثمانية أشهر، في ما تعرف بقضية الرهان على نتائج مباريات الكالتشيو.

العشوائية والأطلال

بوجه عام، يمكن القول إن مواجهة سويسرا ضد إيطاليا، كانت كاشفة للحقائق والواقع الذي نعيشه على الأرض، بين طرف منظم ومجتهد يبحث عن كتابة التاريخ لنفسه، وطرف آخر يعيش على أطلال الماضي، لكنه ينبض بالعشوائية والتخبط، وهذا يرجع إلى استمرار الأول في البناء على نجاحاته في السنوات القليلة الماضية، على غرار إقصاء فرنسا من مراحل خروج المغلوب في اليورو الأخير والوصول إلى دور الـ16 لكأس العالم الأخيرة، بينما الآخر العريق، فعلى ما يبدو أنه سيبقى يسدد ثمن تهاوي قيمة منتجه الأساسي، وهو الدوري الإيطالي، الذي كان ذات يوم، الدوري الأفضل والأغلى والأكثر شهرة في العالم، حين كان يجمع صفوة نجوم العالم وأوروبا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الجديدة، قبل أن يسلم الراية للدوري الإنكليزي وبدرجة أقل الإسباني، على إثر المشاكل المادية التي تسببت بشكل مباشر في اتساع فجوة الإنفاق بين أندية إنكلترا وعملاق أوروبا وبين الأندية الإيطالية، بما فيها عمالقة الشمال يوفنتوس وميلان والإنتر، وهو ما أسفر في النهاية عن الظاهرة الحالية، التي تكمن في شح المواهب والأسماء اللامعة، مقارنة بالنجوم والمشاهير في آخر عقدين، وأيضا على عكس المنتخب الإنكليزي، الذي يملك ترسانة من النجوم والمواهب في كل المراكز، بفضل انتعاش المنافسة والاحتكاك مع صفوة نجوم أوروبا والعالم في الدوري الإنكليزي الممتاز، كما كان الوضع في إيطاليا في زمن السيطرة على مشاهير العالم، وبعيدا عن عناد المدرب سباليتي، الذي رفض الاستجابة للأصوات التي كانت تطالبه بضم فيراتي ولوكاتيلي قبل اليورو، وأيضا اختراعاته في كل مباراة، هناك حقيقة أخرى مؤسفة بالنسبة للجمهور الإيطالي كشفتها مواجهة سويسرا أمام إيطاليا، وهي فوارق الجودة والخبرة بين المنتخبين، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ، أنه جاء اليوم الذي يتفق فيه عالم كرة القدم، أن منتخب سويسرا خاض مواجهة إيطاليا، باعتباره الطرف الأوفر حظا، في ظل تسلح المدرب مراد ياكين، بعامل الخبرة والتفاهم الكبير بين لاعبيه، الذين يلعبون معا منذ سنوات، والجديد الذي كان يصعب تصديقه قبل 10 سنوات، تمتع سويسرا بعناصر أكثر جودة وشهرة من حامل لقب اليورو، والحديث عن نماذج من نوعية جوكر دفاع مانشستر سيتي مانويل أكانجي، وقائد آرسنال السابق وباير ليفركوزن حاليا غرانيت تشاكا، وباقي الأسماء التي تنفجر كرويا كلما تجمعوا معا، سواء في اليورو أو كأس العالم، وفي المقدمة ذاك الرجل الذي لا يظهر إلا في هكذا مواعيد، شيردان شاكيري وروبن فارغاس والمخضرم فابيان شار، بينما سباليتي، كان يتسابق في اتخاذ القرارات الكارثية، وبالنسبة للبعض الأكثر لطفا، كانت قراراته وطريقة توظيفه للاعبين عشوائية، على النقيض من أحلام وطموحات المدرب التي كشف عنها قبل اليورو، بأنه يطمح في أن يكون للمنتخب الإيطالي هوية معروفة مثلما هو الحال مع منتخب إسبانيا، مكتفيا بالاعتماد على طرق دفاعية عفا عليها الزمن منذ عقود، بدون أي محاولات لكسر الحصار المطبق على المنتخب أو حتى التفكير في سلاح المرتدات، الذي أجاده من قبل الميستر أنطونيو كونتي في تجربته العابرة في يورو 2016، ببساطة شديدة، كان منتخبا صلته الوحيدة بإيطاليا ارتداء القمصان الأنيقة وصراخ اللاعبين بشكل هيستيري لحظة ترديد النشيد الوطني قبل كل مباراة، لكن داخل الملعب، منتخب بجودة دول الصف الثاني والثالث في أوروبا مثل اسكتلندا، وبولندا، والمجر والتشيك، وعلى بعد آلاف الأميال من منتخبات الصفوة، فهل يا ترى سينجح سباليتي في الرد على المشككين في رحلة البحث عن تأشيرة العودة إلى كأس العالم بعد موافقة الاتحاد الإيطالي على استمراره في منصبه؟ أم سيستيقظ الجمهور الإيطالي على كارثة أخرى في نهاية التصفيات المؤهلة لكأس العالم؟ دعونا ننتظر لنرى كيف سيخرج من هذا المأزق الكبير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية