كيف ولماذا جمعت «العروس» بين اسماعيل شموط وغسان كنفاني؟

المعروف أن الفنان اسماعيل شموط توفي في الثالث من تموز/يوليو من العام 2006، في حين أن الأديب الفنان غسان كنفاني اغتالته المخابرات الإسرائيلية في الثامن من تموز/يوليو من العام 1972. وشهر تموز ليس هو ما يجمع بين نهايات هذين المبدعين الفلسطينيين فقط، بل هناك الكثير مما جمع بينهما، أهمه سعيهما الدؤوب وتكريس حياتهما وجهدهما وإبداعهما من أجل استعادة وتحرير وطنهما فلسطين.
كان لاسماعيل شموط المولود في اللد عام 1930، واللاجئ إلى غزة بعد العام 1948، إسهامات مهمة في الفن التشكيلي، وله لوحات تمثل معالم مهمة في مسيرة الإبداع التشكيلي الفلسطيني. كذلك له عدة إصدارات من الكتب التي تتعلق بالفنون عموما في فلسطين، وبالفن التشكيلي خصوصا، كما أنه شارك في إخراج وتصوير وكتابة مجموعة من الأفلام السينمائية القصيرة التوثيقية عن مجالات عدة في حياة الغربة الفلسطينية، وساهم في مرحلة من مراحل عمره في نقل معارفه وتدريسها في مدارس عدة.
أما غسان كنفاني الذي ولد في عكا عام 1936، ففي نشاطاته وإبداعاته ملامح مشتركة مع نشاطات وإبداعات اسماعيل شموط أيضا. فغسان خاض غمار التدريس في بدايات حياته، كما انه شارك في الكتابة الصحافية في بواكير تلك الحياة، وتحولت الكتابة الصحافية بعد ذلك إلى مهنة حياة، لتتآخى وتندمج مع حياته الإبداعية في كتابة القصة القصيرة والرواية والمسرحية، والكتابة البحثية في مسائل مهمة من حياة الفلسطينيين. سبق ذلك إبداعات في الفن التشكيلي والنحت، كان يلجأ إليهما كاستراحة إبداعية بين كدح النضال اليومي، والكدح في توليد معالم مهمة في المجالات الإبداعية السابقة التي أشرنا إليها.
من بين ما هو مشترك بين المبدعين، أنهما وكل في مجاله الذي برز ونال من الشهرة أكثر من غيره فيه، أن لكل منهما عملا حمل عنوان «العروس».
أنجز شموط لوحته العروس في العام 1962، وكانت من الأعمال المهمة التي أشرت في تلك المرحلة إلى أن العروس؛ إضافة إلى كونها الإنساني البشري المعين، فإنها تشير أيضا إلى أن مهرها قد يكون السلاح، الذي حرم منه الفلسطيني، بل وتم الإعلان من قبل الأوساط الصهيونية أنه أي الفلسطيني لا وجود له، توكيدا لمقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». لذا فإن شعار مرحلة الستينيات في الحياة الفلسطينية كان إبراز الوجود الفلسطيني وتسليحه لمواجهة الكيان الصهيوني. وهذا هو الشعار الذي كرر الفلسطينيون إطلاقه والمناداة به عندما التقى أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية بفلسطينيي لبنان في عام 1962 في الملعب البلدي لمدينة صيدا اللبنانية الجنوبية «يا شقيري هات سلاح وخذ رجال».
وأحيانا فإن العروس المجسدة إنسانيا كانت تحمل في أبعاد الإشارات والرموز لتوحي بأنها البلاد، وأحيانا أخرى ـ كما في اللوحة ـ فإن الأبعاد الإنسانية وتكويناتها وتجسيداتها في فتاة تلبس الملابس الشعبية الفلسطينية، وإغماضتها لعينين حالمتين بما يمكن أن يتحقق من خلال السلاح الذي يقبض عليه بقوة وتصميم الشاب – العريس- الذي جسده الفنان في خلفية اللوحة، ذلك هو أحد احتمالات ما أوحت به رسمة «العروس» المنجزة في العام 1962.
عروس كنفاني
أما «عروس» غسان كنفاني، وهي القصة المنشورة من ضمن مجموعة قصص «عالم ليس لنا» التي صدرت لغسان في العام 1965، وتم التسجيل بأن قصة «العروس» كتبت في ذلك العام أيضا. وهي لا تبتعد كثيرا في ما جسدته وأوحت له من المعاني التي ذكرنا أنها قد تستشف من رسمة الفنان شموط. فالقصة تتحدث عن «عروس» هي الاسم الحركي للبندقية أو «المرتينة» في دمج ترميزي غير عادي، وهي تختلف عما كان سائدا من بنادق في تلك المرحلة – عام 1948 – فهي جديدة وفريدة من نوعها، إذا هي بندقية لكنها تتحول ونظرا إلى فرادتها إلى مهر لعروس اضطر أحد الرجال ومن أجل الحصول عليها، إلى الموافقة بعد رفض عنيد، إلى تزويج ابنته إلى أحد الكهول، من أجل الحصول على المال الذي سهل له الحصول على تلك البندقية لمقاومة المحتلين الغزاة، والمحافظة على البلاد من الضياع؛ وقد كانت قليلة ونادرة هي البنادق في تلك الفترة.
إذا فالعروس هي بندقية تارة، وهي «عروس» إنسانية من لحم ودم تارة أخرى، وقد تكون هي كذلك من تجسيدات «البلاد» التي تتحد في سبيل الحفاظ عليها بنادق الثوار وتضحياتهم، والذين ربما اشتروا تلك البنادق بمهور العرائس. هي إذن حالة من حالات الالتباس والتداخل، فيها الكثير من غرائب الواقع وضروراته وربما حتمياته..
أضفى غسان في قصته «العروس» على بطل هذه القصة ملامح تقترب من «الأسطرة»، فهو «رجل طويل جدا، صلب جدا، لا أعرف اسمه، ولكنه يلبس بدلة خاكية عتيقة، ويبدو لأول وهلة كأنه مجنون، محاط بشئ يشبه الغبار المضئ». كان الرجل يبحث ويسأل كل من يصادفه عن «العروس» ومنذ سنوات طويلة، وقد تبين بعد التقصي والمتابعة أن «العروس» ما هي إلا بندقية فريدة انتزعها الرجل من الخطوط الأمامية للأعداء، بعد أن تعرض إلى مشقات كثيرة لإحضارها.
كانت جديدة وفريدة ونادرة من بين أنواع البنادق المتداولة بين أيدي الثوار. وعندما رآها ضباط القيادة العسكرية، طالبوه بعرضها على قيادتهم، وذكروا له أنهم سيعيدونها إليه بعد يومين. إلا ان الأيام مضت وغيرت القيادة موقع وجودها، ليأخذ الرجل في البحث عن «عروسه»، ولينتقل بين جميع قرى الجليل في الشمال الفلسطيني التي كان للمقاومة فيها وجود. وعندما رآها على كتف رجل، كاد أن يخلع له كتفه وهو يحاول انتزاعها، وكاد العراك أن يقع، إلا أن الرجل أفهمه أنه دفع مهر ابنته للحصول عليها من أحد الضباط، فأسقط بيده، حتى وبعد ان احتل الغزاة أغلب البلاد، فإن الرجل استمر في بحث مضن عن «العروس».
فلماذا تحولت «البندقية» والسلاح في ستينيات القرن الماضي بالنسبة إلى الفلسطيني إلى هدف سام وملح وضروري، كأنه سنادة لحالة الوجود والاعتبار.
لقد أمعن النظام العربي في ممارساته القمعية والإذلالية للفلسطينيين اللاجئين على أراضيه، ما زاد من مآسي تشريدهم وغربتهم وقهرهم. لذلك فإن ردة الفعل كانت المطالبة بالسلاح، ومحاولة الحصول عليه بشتى الطرق، وذلك لتوجيهه إلى مغتصب الأرض المحتل الصهيوني.
وهكذا أصبح لـ «لعروس/السلاح» وجه آخر يعين الفلسطيني على النهوض من بين ركامات الضياع والتكبيل والقمع والشتات، وإلى محاولة استعادة الاعتبار والتوازن، ووعي الوقوف على الأرجل والتقاط الأنفاس، وتحسس الوجود والتعبير عن الذات، والانتفاض على الخنوع تحت آلة القمع العربية.
ومن الطبيعي أن يكون الفنان والأديب المبدع وغيرهما، ممن ترصد أجهزة استشعارهم أدق الأحاسيس والمشاعر والمعاناة، المشغولون بما يموج ويتفاعل في الوجدانات والضمائر إلى التعبير عن تلك الحالات، ونقلها من جوانيات النفوس إلى إبداعات مناسبة ووضعها أمام الأعين والأذهان والمرئيات. هكذا جاءت «عروس»: شموط وكنفاني وغيرهما لتجسد حالة السعي لامتلاك السلاح والقرار الفلسطيني المستقل، ومحاولة الخروج من متاهة الإذلال والقمع، استعدادا لمواجهة غاصب ومحتل البلاد.
كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية