العملية النكراء في معبر اللنبي التي قتل فيها ثلاثة مواطنين إسرائيليين على أيدي مواطن أردني، تجسد مأساوية تعقيدات العلاقات بين إسرائيل والمملكة وشدة التحديات التي يضطر الملك للتصدي لها في الساحة الداخلية.
العملية التي نفذها ابن عشيرة الحويطات من محافظة معان جنوب المملكة ربما تشدد تعقيدات معالجة الملك لها.
منذ نشوب حرب “السيوف الحديدية”، طرأ ارتفاع ذو مغزى في العداء تجاه إسرائيل في أوساط الجمهور الأردني. ووجد الأمر تعبيره في المظاهرات العديدة التي عقدت في العاصمة عمان، القسم الأكبر منها بجوار السفارة الإسرائيلية. مظاهر الفرح التي بدت في عمان عقب القتل تعكس مشاعر العداء العميقة تجاه إسرائيل. احتاجت وزارة الخارجية الأردنية ساعات عديدة تنشر بيان يشجب العملية، وحتى هذا بلغة خفيفة، وهو ما يعكس الموقف تجاه إسرائيل في هذا الوقت.
إيران تحاول استغلال الوضع الداخلي المعقد في المملكة، وتشخص الأردن كحلقة ضعيفة في معسكر السلام العربي. لقد كان الملك الأردني عبد الله خط اصطلاح “الهلال الشيعي” قبل نحو عقدين بهدف التحذير من المخاطر الكامنة في مساعي إيران لتوسيع نفوذها في أرجاء الشرق الأوسط. في السنة الماضية، ارتفعت المساعي من جانب إيران مقدار درجة لتقويض الاستقرار الداخلي في الأردن، من خلال استغلال أن أكثر من 50 في المئة من سكان المملكة، الذين يعدون اليوم نحو 11 مليون نسمة، هم من أصل فلسطيني ولاجئون من سوريا والعراق ممن هاجروا إليه في العقدين الأخيرين، حسب تقديرات مختلفة.
لقد احتدم التوتر بين الأردن وإيران في الأشهر الأخيرة، عقب ما اعتبرته طهران مساعدة أردنية لإسرائيل في صد هجمة الصواريخ والمسيرات في نيسان الماضي. ليس عبثاً أن أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي زيارة استثنائية لإيران قبل نحو شهر، في محاولة لتخفيف حدة العداء الإيراني، حول المخاوف من هجمة إضافية ضد إسرائيل عقب تصفية هنية.
تستغل إيران بشكل ممنهج الأراضي الإيرانية لتهريب وسائل قتالية كثيرة إلى الضفة، بما في ذلك المتفجرات، ويشارك في ذلك الميليشيات المؤيدة لإيران في سوريا والعراق. ومع أن محافل الأمن الأردنية نجحت السنة الأخيرة في اكتشاف الكثير من التهريبات، لكن قدرة الإحباط بشكل كامل للتهريبات تظل محدودة في ضوء الحدود الطويلة (309 كيلومترات) والفالت بعضها بين إسرائيل والأردن.
يحاول عبد الله منذ 7 أكتوبر المناورة بين الاضطرارات والضغوط الداخلية المتزايدة، وبين مصالح المملكة الاستراتيجية الواسعة في المعركة ضد المحور الراديكالي. بل يخشى من أن يؤثر الاشتعال في الضفة بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي. على هذه الخلفية، نرى نقداً لاذعاً وشديداً توجهه الملكة رانيا ووزير الخارجية الصفدي صبح مساء لإسرائيل، كنقد يستهدف إرضاء السكان الأردنيين. وذلك إلى جانب المساعدة الإنسانية الكثيرة التي تنقلها الأسرة المالكة إلى سكان القطاع والحرص على التعبير عن ذلك بشكل علني واسع.
إن العلاقات مع المملكة الأردنية لبنة مركزية في المبنى الأمني الإقليمي لدولة إسرائيل. بل ويفترض بالأردن أن يؤدي دوراً ذا مغزى في خطة الإدارة الأمريكية لخلق ائتلاف بين إسرائيل والدول العربية ضد المحور الإيراني.
إن لضعضعة الاستقرار الداخلي في المملكة تأثيرات سلبية واسعة للغاية. والمعنى أن على إسرائيل تعميق جملة أشكال التعاون بين الدولتين وفحص السبل لمساعدة الملك.
إضافة إلى ذلك، ينبغي الامتناع عن تصريحات وخطوات من طرف واحد بعامة وقبيل أعياد إسرائيل بخاصة، تحمل ما يمس بمكانة وشرعية الملك عبد الله كحارس الأماكن المقدسة، والإثقال على العلاقات الثنائية، المتوترة على أي حال.
إن تصريح نتنياهو بأنه لا يوجد ولن يحدث تغيير في الوضع الراهن على جبل البيت (الحرم) وأن كل زيارة يقوم بها وزير في الحكومة ستتم بإذنه، هو خطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي الحرص على إنفاذها. فالسلام مع الأردن ذخر استراتيجي لدولة إسرائيل، ويجب الحفاظ عليه بأي ثمن.
د. شاي هار – تسفي
معاريف 11/9/2024