ثمة سوء تقدير خطير في إسرائيل بشأن الضرر البنيوي الذي سيلحقه الضم، حتى لو كان ضماً صغيراً، قياساً مع وضعها في الولايات المتحدة، وهو ضرر فكري وأخلاقي سيلحق ضرراً سياسياً، بل واقتصادياً أيضاً.
ثمة سطور معروفة للغاية في إعلان الاستقلال الأمريكي، وهي: “نرى هذه الحقائق واضحة من تلقاء ذاتها: بأن كل بني البشر (الرجال في الأصل) خلقوا متساوين، وزرع الخالق فيهم حقوقاً غير قابلة للإلغاء…(و) من أجل ضمان هذه الحقوق، تنشأ بين الناس حكومات تستمد صلاحياتها من موافقة المحكومين”. في الإعلان كانت هناك ازدواجية: محرره الرئيس، توماس جيفرسون، وكثيرون من الموقعين عليه كانوا يملكون عبيداً لم يسارعوا إلى تحريرهم باسم المساواة، أو الاعتراف بحق النساء في الاقتراع. ولكن بالنسبة لأمريكيين كثيرين في اليمين واليسار، فإن الكفاح البطيء لتحقيق تلك الرؤيا هو وجه جوهري في تعريف أنفسهم كأمريكيين. إن حركة الاحتجاج التي تجتاح المدن الأمريكية اليوم ترضع غير قليل من شعبيتها، في أوساط البيض أيضاً، من تلك البنية التحتية المعارضة لتلك الازدواجية.
وبالفعل، يمكن لكثير من الأمريكيين أن يؤيدوا الضم بحماسة، على أن يكون فقط ضماً للأرض كلها حتى نهر الأردن وضماً لكل سكانها، عرباً ويهود، كمواطنين كاملين. إن تأييد الأمريكيين لدولة واحدة بين النهر والبحر –المصيبة للصهيونية ولسكان تلك الدولة– يكاد يكون متساوياً مع تأييد الدولتين. فليس لمعظم الأمريكيين أسهم في الوطنية الفلسطينية أو في الدولة الفلسطينية. وهم غارقون في فكرة أن للناس كلهم حقوق المواطن في الدولة التي تحكمهم، مهما كانت. في الأمريكية العادية تعدّ المواطنة موضوعاً جغرافياً، وليس قومياً. فقد أعلن الأمريكيون عن الاستقلال عن بريطانيا ليس باسم حق الشعب الأمريكي في دولة –فالشعب لم يكن قائماً– بل باسم حق المستوطنين البريطانيين في القارة الأمريكية للتحكم بمصيرهم. وقد طالبوا الملك البريطاني أن يختار: إما أن يعطيهم حق الاقتراع والتأثير في البرلمان، أو يعطيهم الاستقلال – إما دولة واحدة، أو دولتان.
هذا فارق جوهري بين الرؤية الأمريكية النموذجية وتلك الإسرائيلية. في نظر معظم الأمريكيين، باستثناء الأقلية الإفنجيلية المحافظة، لا يوجد خيار ثالث. دولة مجردة من السلاح نعم، ولكن ليس حكماً ذاتياً إلى الأبد وليس دولة وهمية. إذا لم تكن الدولتان ممكنتين، فالاستطلاعات واضحة: الأمريكيون سيفضلون وبأغلبية ساحقة دولة ديمقراطية واحدة، دولة كل مواطنيها. خيار الدولة الواحدة التي لا تكون فيها المواطنة الكاملة إلا للناس من خلفية واحدة يوجد برأيهم اسم يتطابق مع أبرتهايد. إسرائيل تشرح للعالم طوال سنوات بأنها تتطلع إلى تقسيم البلاد، غير أن ذلك محال في هذه اللحظة، لأسباب وجيهة. أما الضم فيعد إعلاناً إسرائيلياً واضحاً بأن قصة الدولتين انتهت وأن الحد الأقصى الذي يمكن الحديث فيه هو جملة بلديات مرتبطة بطرق، على نمط خطة ترامب.
في اليوم التالي لعهد ترامب، وهو كفيل بأن يحل في 20 كانون الثاني، يمكن لنتائج الضم أن تكون قاسية في الولايات المتحدة أيضاً. جو بايدن، إذا انتخب رئيساً، لن يتحول فجأة ليصبح مقتلع إسرائيل، ولن يفتح من جديد اتفاق المساعدة، ولن يفرض عقوبات. ولكن إسرائيل سترغب في المستقبل باتفاق مساعدة جديد ومعونة في جملة من المواضيع الأخرى. وسترغب في أن تواصل الولايات المتحدة البث للعالم بأن الطريق إلى التحبب لواشنطن تمر عبر القدس.
فضلاً عن ذلك، فإن التأييد الأمريكي لإسرائيل ليس في إغداق المنافع فحسب، بل في صد الشرور أيضاً، بدءاً من التصويت في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وانتهاء بالترويج لها في دول العالم.
والخطر الفوري هو: الجيب. دول في أوروبا قد تفرض عقوبات على ما تراه خرقاً فظاً للقانون الدولي – فخرق صغير في “غوش عصيون” كخرق كبير في “بيت إيل”. وتقليدياً، كانت الولايات المتحدة تتدخل، غير أن الولايات المتحدة ترامب فقدت من قوتها في أوروبا، والولايات المتحدة بايدن قد لا تجتهد جداً. أوروبا وبصفتها الشرطي الشرير، يمكنها أن تكون استعمالية بالنسبة لواشنطن بايدن. بينما يبقى هو الشرطي الصالح. عقوبات أوروبية مع غمزة أمريكية هي تهديد حقيقي.
وبايدن ابن 77، ألمح بأنه قد يكتفي بولاية واحدة. الرئيس أو الرئيسة الديمقراطيان التاليان، حين يأتيان، سينصتان لحزبهما ولمشاعر الجمهور الأمريكي. وأغلبيتهم الساحقة لا تزال تؤيد إسرائيل، أحياناً بحماية، وإسرائيل بيدها إمكانية أن تضمن تأييدهم في المستقبل أيضاً. ولكن عندما تقرر حكومة إسرائيل خلق تضارب جوهري بين محبتهم لها وبين هويتهم الأمريكية، فإنها تلعب بالنار في لب الأمن القومي لإسرائيل.
بقلم: نتان زاكس
يديعوت 1/7/2020