لندن ـ «القدس العربي»: بينما كان الاعتقاد السائد في فصل الصيف بأن بايرن ميونيخ سيعود لممارسة هوايته القديمة والمفضلة، بإحكام قبضته بكل سهولة على صدارة الدوري الألماني، ريثما يتم إعلانه بطلا لفصل الشتاء، وفي رواية أخرى إعلان تتويجه باللقب بشكل عملي كما جرت العادة في أغلب سنوات العشرية الأخيرة، فجأة وبدون سابق إنذار، حدث آخر وأفضل سيناريو كان ينتظره عشاق البوندسليغا، بظهور منافس لا يُستهان به على اللقب المحلي الأهم، وربما يطمع في المنافسة على ما هو أكثر من الدوري الألماني، والحديث عن الحصان الأسود في وطن المحركات الفارهة باير ليفركوزن، بقيادة عراّب المشروع المثير للإعجاب تشابي ألونسو، الذي جاء إلى “باي آرينا” في ظروف طارئة، وفي وقت قياسي جعل كرة القدم في ألمانيا في حالة طوارئ، بتلك العروض الهوليوودية والنتائج التاريخية التي فاقت توقعات وأحلام أكثر مشجعي النادي تفاؤلا في بداية الموسم، بأن يبدأ العد التنازلي لعطلة الشتاء الطويلة، والفريق ما زال صامدا في قتاله مع حامل اللقب طيلة العقد الماضي، بحفاظه على صدارة الدوري بفارق 3 نقاط ومباراة أكثر من البايرن الكبير، ونفس الأمر في مجموعته في اليوروبا ليغ، إلى جانب وصوله لدور الثمانية في كأس ألمانيا، وذلك من دون أن يتجرع من مرارة الهزيمة ولو مرة واحدة حتى وقت كتابة هذه الكلمات، الأمر الذي جعل الخبراء والمتابعين يسألون ويتساءلون: هل سينجح الفيلسوف الإسباني الجديد في إنهاء الاحتلال البافاري للدوري الألماني؟ وكيف صعد إلى القمة في هذا الوقت القياسي؟ وهل يملك من الجودة ما يكفي ولو لمحاكاة موسم الثلاثية غير المحققة عام 2002؟
حمى البداية
صحيح ليفركوزن أنهى الموسم الماضي تحت قيادة أيقونة وسط ليفربول وريال مدريد كلاعب في المركز السادس، بعد إنجاز المدرب السابق جيراردو سيواني بإنهاء حملة 2021-2022 في المركز الثاني خلف البطل التقليدي، لكن الصغير قبل الكبير في “باي آرينا”، كان على قناعة تامة، بأن المدرب الشاب البالغ من العمر 41 عاما، لا يقوم بعمل جيد فحسب، بل يُحضر لثورة عظمى أو حدث كروي جلل سيهز ألمانيا ويكون حديث أوروبا والعالم، وذلك رغم جدول مباريات الفريق المعقد في أولى جولات موسم البوندسليغا 2023-2024، على غرار مقارعة حامل لقب كأس ألمانيا والكأس السوبر المحلي لايبزيغ في الجولة الأولى، والاصطدام بالغريم بوروسيا مونشنغلادباخ في الأسبوع الثاني، وزيارة “آليانز آرينا” لمواجهة صاحب الأرض بايرن ميونيخ في الأسبوع الرابع، في ما كانت أشبه بالاختبارات المبكرة الكبيرة، التي على إثرها سيتحدد مسار الفريق، إما بالسير على خطى المدرب السابق، بتحقيق سلسلة من النتائج المخيبة للآمال، التي أرسلت الفريق إلى المرتبة السابعة عشر في جدول ترتيب أندية البوندسليغا، وإما أن يستكمل الفريق ما بناه مع المدرب الطموح الموسم الماضي، وحسنا فعل تشابي ورجاله، بتلك البداية الواعدة التي كانت كافية لكشف النقاب عن المنافس الشجاع الأوفر حظا لمنافسة كبير القوم على لقبه المفضل هذا الموسم، وتجلى ذلك في الانتصار المظفر على ممثل شركة مشروبات الطاقة العالمية “ريد بول” بثلاثية مقابل اثنين في افتتاحية الدوري، ثم افتراس غلادباخ في عقر داره “بوروسيا بارك” بثلاثية بلا هوادة، وتبعها بمهرجان أهداف في شباك العائد مجددا لدوري الكبار في ألمانيا دارمشتات 1998، وصل قوامه لخماسية قابلة للضعفين مقابل هدف يتيم للضيوف، قبل أن يأتي موعد الاختبار العظيم أمام البطل المغوار بايرن ميونيخ في ملحمة منتصف سبتمبر / آيلول الماضي، تلك المباراة التي كانت كاشفة لبصمة ألونسو وتأثيره على عقلية اللاعبين، بعد العودة الملحمية في النتيجة، بعد التأخر مرتين في النتيجة، بدأت بالرد القوي على هدف هاري كاين، المبكر الذي سجله بعد خمس دقائق فقط من إطلاق صافرة البداية، وجاء عن طريق الوافد الجديد فيكتور بونيفاس في منتصف نفس الشوط، والثانية القاضية، التي أتت بعد هدف ليون غوريتسكا، شبه القاتل، الذي جاء قبل انتهاء الوقت الأصلي بأربع دقائق، وكان بطلها ازيكويل بالاسيوس بهدف من علامة الجزاء في الوقت المحتسب بدل من الضائع، ما جعل ليفركوزن يعادل أفضل رصيد نقاط في تاريخه في أول أربع مباريات في الدوري الألماني، بحصد ما مجموعه 10 نقاط في هذه الاختبارات المعقدة، ليبقى في الصدارة جنبا إلى جنب مع بايرن ميونيخ حتى إشعار آخر، قبل أن يبدأ في التكشير عن نواياه ووجهه الحقيقي، بسلسلة جديدة من الانتصارات الكاسحة، راح ضحيتها هايدنهايم في مباراة الأسبوع الخامس، التي انتهت بفوز كتيبة ألونسو برباعية مقابل هدف، وفي الأسبوع التالي أضاف ماينز إلى قائمة ضحاياه، بفوز سهل ومريح، بثلاثية نظيفة مع الرأفة، وهي نفس النتيجة التي تخطى بها عدو المدينة كولن في الجولة السابع، ولنا أن نتخيل أنه مع انتهاء الأسبوع الحادي عشر، نجح ليفركوزن في معادلة الرقم القياسي المسجل باسم بايرن ميونيخ تحت قيادة بيب غوارديولا وألونسو نفسه كلاعب في حملة 2015-2016، بالحصول على 31 نقطة في أول 11 جولة، بإجمالي 10 انتصارات وتعادل وحيد أمام المنافس المباشر، والآن في جعبته 35 نقطة من 12 انتصار وتعادلين أمام الكبيرين بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند، بعد انتهاء موقعة أسود الفيستيفاليا بالتعادل الإيجابي بهدف للكل، في أول اختبار للبوروسيا بعد انتصاره على ميلان الإيطالي بنتيجة 3-1 في قلب “سان سيرو” في الجولة الخامسة وقبل الأخيرة لدوري مجموعات أبطال أوروبا.
مشروع إستراتيجي
كما أشرنا أعلاه، هيمن بايرن ميونيخ في الميركاتو الصيفي على عناوين الأخبار في الصحف ووكالات الأنباء العالمية، لا سيما بعد توقيعه مع الصفقة الأغلى في تاريخه، بشراء قائد المنتخب الإنكليزي هاري كاين من ناديه السابق توتنهام مقابل رسوم تحويل تخطت حاجز الـ100 مليون يورو بالمتغيرات، في صفقة أعطت وما زالت تعطي شعورا عاما، وكأن البايرن وجد ضالته لاستعادة المجد الأوروبي المفقود منذ نسخة كورونا الصامتة عام 2020، وهو ما يصعب استبعاده بعد وصول أمير لندن سابقا لهدفه الثاني والعشرين من مشاركته في 18 مباراة في مختلف المسابقات. لكن في نفس التوقيت، كان تشابي ألونسو يبني فريقا مناسبا لأسلوبه المفضل 3-4-3، حتى بعد صدمة الجماهير من قرار النادي ببيع هداف الموسم الماضي موسى ديابي الى أستون فيلا الإنكليزي مقابل ما يزيد على 50 مليون يورو، من أصل ما يلامس الـ70 مليون يورو، من عائدات بيع الفائضين عن حاجة المدرب الإسباني. وفي المقابل وافقت الإدارة على كل طلبات حاكم “باي آرينا”، بما في ذلك إطلاق سراح قائد آرسنال السابق غرانت تشاكا من قلعة “الإمارات”، ليطوع عصارة خبرته للمشروع الشاب ويكون صوتا لتشابي في خط الوسط، إلى جانب صاحب الجودة الاستثنائية جوناس هوفمان من بوروسيا مونشنغلادباخ، في صفقة رخيصة الثمن بلغت تكاليفها نحو 10 ملايين يورو، والتقاط أليخاندرو غريمالدو في صفقة انتقال حر بعد انتهاء عقده مع ناديه السابق بنفيكا البرتغالي، ليخلص الفريق من صداع نقص الكفاءة والاختيارات في مركز الظهير الأيسر، بينما في الهجوم، جاء السفاح النيجيري فيكتو بونيفاس، بعد السمعة الكبيرة التي رسمها لنفسه، باعتلاء صدارة هدافي اليوروبا ليغ الموسم الماضي، وذلك مقابل انتعاش خزينة يونيون سانت جيلواز بحوالي 20 مليون بعملة القارة العجوز، ليجني تشابي ثمار التخطيط السليم، بذاك التأثير الفوري الواضح للدماء الجديدة التي تبلورت سريعا مع القدامى والمخضرمين في غرفة خلع الملابس.
ويتجلى ذلك على سبيل المثال، في أرقام فيكتوس بونيفاس، الذي يثبت من مباراة لأخرى أنه بالفعل القطعة النادرة التي كان يبحث عنها ألونسو في الثلث الأخير من الملعب الموسم الماضي، حتى في وجود الهداف السابق ديابي، الذي سجل ما مجموعه تسعة أهداف على مدار الموسم في الدوري، بينما الوافد الحديث، تمكن بالفعل من تسجيل ثمانية أهداف من مشاركته في 13 مباراة على مستوى البوندسليغا، من أصل 14 هدفا و6 تمريرات حاسمة في 20 مباراة في مختلف المسابقات، وبالمثل أنهى الإسباني غريمالدو، أزمة الفريق في مركز الظهير الأيسر، بتحويلها من نقطة ضعف طوال الموسم الماضي، إلى واحدة من أهم نقاط القوة ومفاتيح اللعب، يكفي أنه هز شباك المنافسين 7 مرات وقدم 4 تمريرات حاسمة، ما يعكس تنوع مصادر الهجوم والتسجيل لدى ليفركوزن، وينطبق كذلك على الوافد الجديد الآخر يوناس هوفمان، الذي أعطى بعدا جديدا في الثلث الأخير من الملعب، بل بدون مبالغة، يقدم أفضل مواسمه على الإطلاق في مسيرته الاحترافية مع وصوله لعامه الـ31 تحت قيادة تشابي، ويظهر ذلك في سجله المميز، بتوقيعه على خمسة أهداف ومثلها تمريرات حاسمة، كأكثر اللاعبين صناعة للفرص والأهداف للفريق، رغم الوفرة العددية الهائلة على مستوى الجواهر والمواهب الخام في تشكيلة ليفركوزن. هذا ولم نتحدث عن تأثير القائد الآخر الذي لا يرتدي الشارة غرانيت تشاكا، الذي يثبت من مباراة لأخرى أن ألونسو كان محقا في خطفه من قلعة “الإمارات”، بعد تحوله إلى لاعب فائض عن حاجة مواطنه ميكيل آرتيتا في الجزء الأحمر لشمال لندن بعد ضم قلب المدفعجية النابض ديكلان رايس من وستهام يونايتد مقابل رسوم تحويل تخطت حاجز الـ100 مليون يورو، يكفي الإضافة الكبيرة التي يقدمها للفريق سواء في وسط الملعب أو في المناطق المحظورة للمنافسين، متقمصا دور المايسترو والمتحكم في إيقاع لعب الفريق، بتقديم ما يزيد على 1200 تمريرة أكثر من كل زملائه في الفريق، وهؤلاء من الـ12 أو الـ13 لاعبا الذين يفاضل بينهم المدرب دائما لاختيار تشكيلاته الأساسية منذ بداية الموسم، بل وفقا لمنصة “بوندسليغا”، لم يقم تشابي سوى بسبع تغييرات فقط من مباراة لأخرى، أي أقل من من نصف أي فريق آخر، وفي الوقت ذاته، لديه أيضا غطاء في كل مركز إذا لزم الأمر، وينتظر كذلك عودة هداف يورو 2020 باتريك شيك، منها سيساهم في اشتعال المنافسة وضمان مزيد من الجودة في الثلث الأخير من الملعب، ومنها أيضا تعويض الفريق في الوقت المناسب عندما يفقد ما بين 4 لـ5 لاعبين دفعة واحدة الشهر الماضي، لارتباطهم مع منتخبات بلادهم في بطولة أمم أفريقيا، التي ستنطلق على الأراضي الإيفوارية منتصف يناير / كانون الثاني.
العقدة والصلابة
يتذكر عشاق ليفركوزن والبوندسليغا، بداية مدرب شباب ريال مدريد وريال سوسييداد سابقا، النيزكية عندما أنهى سلسلة نتائج وعروض الفريق المخيبة للآمال تحت قيادة المدرب السابق، بانتصار للتاريخ خارج القواعد على حساب شالكه برباعية نظيفة في أكتوبر / تشرين 2022، بعدها فشل في تحقيق ولو انتصار وحيد في 6 مباريات على التوالي في مختلف المسابقات، لكن مع الوقت بدأت تظهر بصمته على الفريق، تحديدا عندما بلغ ذروته في بداية مسيرته كمدرب لليفركوزن، بتجنب الهزيمة في شهري مارس/ آذار وأبريل/ نيسان الماضيين، تلك الفترة التي قاد خلالها الفريق للوصول إلى الدور نصف النهائي لليوروبا ليغ، حين ودع البطولة على حساب أستاذه جوزيه مورينيو، بهدف نظيف في مجموع مباراتي الذهاب والعودة أمام روما الإيطالي، والآن وبعد عام من توليه القيادة الفنية، نلاحظ أنه يتفاخر ويتباهى بصناعة فريق يشبه صورته أو النسخة المحفورة عنه في الأذهان في مسيرته الاحترافية كلاعب، كموهبة تجمع بين عقلية المحاربين القدامى الذين لا يعرفون ولا يعترفون في قاموسهم بمصطلح “الهزيمة” وبين لمسة الفنان المبدع في وسط الملعب، وهذا ما قاله بعد الخروج الآمن من “آليانز آرينا” في قمة مواجهة الجولة الرابعة للبوندسليغا، متغنيا بالمستوى الذي قدمه فريقه أمام المرشح الأقوى والأوفر حظا للاحتفاظ بلقبه، قائلا: “أعتقد أننا لعبنا اليوم بنفس المستوى، لقد أظهرنا شخصيتنا وأظهرنا كذلك الجودة والعقلية التي نتميز بها، وهذا هو الشيء الرئيسي الذي نريد البناء عليهن وستأتي لحظات أسوأ، وحينها نحتاج إلى البقاء معا. هذا جزء من كرة القدم وجزء من الموسم، لكن حتى الآن، لدينا شعور جيد”، لكن في كل الأحوال، هذا سيتوقف على استمرارية اللاعبين وقدرتهم على تحمل الضغوط الإعلامية والجماهيرية المحتملة، كلما ذهب الفريق بعيدا في البطولات الثلاث التي ينافس عليها البوندسليغا، كأس ألمانيا واليوروبا ليغ، لتجنب البدايات الكاذبة، على طريقة ما حدث في حقبة المدرب الأسبق بيتر بوش، عندما حافظ على صدارة البوندسليغا حتى عطلة الشتاء، قبل أن ينهار ويصل إلى قاع الحضيض الكروي في النصف الثاني، والأكثر شهرة، ما حدث عام 2002، عندما ظل الفريق ينافس على كل الجبهات حتى الأمتار الأخيرة، وفي غضون أيام تعد على أصابع اليد، خسر الدوري والكأس ونهائي دوري أبطال أوروبا، وقبل ذلك بعامين، فرط الفريق بلقب البوندسليغا في الجولة الختامية، ولهذا يُطلق عليه اسم “نيفركوزن”، كإشارة إلى تاريخ النادي الحافل مع الصدمات والأزمات النفسية والندوبات العقلية التي تسببت بشكل أو بآخر في ضياع الألقاب والبطولات بسيناريوهات نادرة ولا تتكرر كثيرا في عالم المركولة المجنونة، ولو أن هذا لا يمنع حقيقة أن هناك أدلة مقنعة وملموسة على أن ألونسو أحدث تأثيرا على أرض الملعب، كما يبدو واضحا في توهج ليفركوزن على المستوى الهجومي، بتسجيل ما مجموعه 38 هدفا في 13 مباراة فقط، أو ما يعادل نحو ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة، وبفضل هوفمان وفلوريان فيرتز اللذين يعملان جنبا إلى جنب خلف بونيفاس، لم يعد فريق ألونسو يكتفي بتقديم كرة القدم الجميلة التي استمتعنا بها الموسم الماضي فحسب، بل أصبح أيضا منافسا لا يستهان به للبايرن على مستوى الأهداف المتوقعة والتسديدات على المرمى، بواقع 182 لليفركوزن مقابل 215 للبايرن، في 11 جولة، ولولا انتصارات ميونيخ العريضة على بوخوم ودارمشتات بنتيجة 7-0 و8-0 على التوالي، لكان ألونسو وفريقه الأقوى والأكثر غزارة تهديفية في الدوري الألماني هذا الموسم.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، يتمتع باير ليفركوزن بالصلابة اللازمة في كل المراكز، وهذا يرجع بنسبة كبيرة إلى شخصية المدرب، الذي ذاع صيته كلاعب في مركز لاعب الوسط الأنيق وصانع الألعاب الوهمي في الطرق العصرية، إذ كان أشبه بحلقة الوصل بين الهجوم والدفاع، وهذا في حد ذاته، يعني أنه على دراية كبيرة بأهمية الجودة والصلابة في الثلث الأخير من الملعب وضمان توفير خط إمدادات ثابت، وقبل هذا وذاك يتحصن بخط دفاع يصعب اختراقه، أي أنه يحاول دائما العثور على إستراتيجية متوازنة بين الدفاع والهجوم، وهذ يفسر اقتناعه بطريقة 3-4-3، بمواصفات خاصة للمدافعين الخمسة ومثلهم المكلفين بالأدوار الهجومية، والدليل على ذلك، أننا نتحدث عن الفريق صاحب ثاني أعلى نسبة استحواذ في الدوري الألماني بنحو 58%، لكن الفارق الجوهري بين فاعلية الاستحواذ هذا الموسم والموسم الماضي، أو الفارق الحقيقي في مواقف الهيمنة على الكرة، أن الفريق قام بما مجموعه 3094 تمريرة في وسط ملعب الخصم، مقابل 3330 تمريرة لبايرن ميونيخ في منتصف ملعب الخصم، حتى نهاية الجولة قبل الأخيرة، وهذا يعني أن حوالي 88.6% من اللاعبين يجدون رفاقهم بأريحية وبدون مراقبة في نفس المنطقة، أو معدل تمريرات ناجحة بنسبة 90.2% مقابل 89.7 للبايرن، الأمر الذي يجعل فريق ألونسو “سيد التمريرات” بدون منازع في البوندسليغا، وما يظهر أو يعكس تأثير المدرب على اللاعبين، أن المدافع جونثان تاه، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من مغادرة الفريق في سوق الانتقالات الشتوية الأخيرة، تحول إلى صمام أمان في محور قلب الدفاع، ومهندس عمليات التحضير والبناء من الخلف بالجودة التي يريدها المدرب، بدقة في التمريرات العمودية بنسبة 100%، أو ما يلامس الـ50 تمريرة دقيقة في المباراة الواحدة، كما فعلها أمام بايرن ميونيخ بتقديم 56 تمريرة دقيقة على مدار الـ90 دقيقة، كواحد من أبرز المساهمين في السجل الدفاعي الرائع للفريق هذا الموسم، باستقبال 6 أهداف فقط من اللعب المفتوح من أصل 11 هدفا سكنت شباك الحارس القائد لوكاس هراديكي، كما هو الحال بالنسبة لكاي هافرتز الجديد، فلوريان فيرتز، الذي لم يستغرق وقتا طويلا تحت قيادة تشابي لاستعادة النسخة البراقة التي كان عليها قبل الإصابة التي أبعدته عن الملاعب لفترة طويلة، تاركا شراكته النموذجية مع هوفمان تتحدث عن نفسه، وتكون سببا في انضمامه إلى المنتخب الألماني الأول، وسط أنباء وتقارير تتسابق في وضع اسمه في جمل مفيدة مع أندية بحجم ريال مدريد ومانشستر سيتي، بعد مساهمته في تسجيل 8 أهداف، بواقع 5 تمريرات حاسمة و3 أهداف من توقيعه منذ بداية الموسم الجديد، ونفس الأمر بالنسبة لبطل العالم بالاسيوس، الذي يلعب دورا مهما في إستراتيجية ألونسو لاستعادة الكرة والاستحواذ عليها في مناطق الخصوم، وذلك بعدما كان قريبا من الذهاب إلى أحد كبار البريميرليغ في الميركاتو الصيفي الأخيرة، وفي الجانب الأيمن، ارتقى لاعب سيلتك السابق جيريمي فريمبونغ إلى مستوى آخر في مسيرته الاحترافية، بعد وضوح بصمة تشابي على فعاليه في الثلث الأخير من الملعب، بمساهمته في تسجيل 9 أهداف منهم 4 أهداف من توقيعه في 12 مباراة، رغم أنه على الورق يشغل مركز الظهير الأيمن، وغيرها من البصمات التي لا تعكس سوى تأثير ألونسو الإيجابي سواء على المردود الفني للاعبين أو عقليتهم داخل المستطيل الأخضر، والسؤال الآن: هل تعتقد عزيزي القارئ أن المدرب المستقبلي لريال مدريد يملك من يكفي من الدهاء والمكر التدريبي لإنهاء الاحتلال البافاري لدوري البوندسليغا؟ أم أن جودة العناصر المتاحة لن تمكنه من الصمود حتى نهاية الموسم؟ دعونا ننتظر ونستمتع بظاهرة البوندسليغا التي تحاول منع البايرن من لقبه الثاني عشر على التوالي.