كيف يسقط الشعب المعارضة؟

حجم الخط
0

من السهل إيجاد نماذج من التاريخ المعاصر لشعوب أسقطت أنظمة. كما أنه من السهل تتبع سقوط الحكومات في الأنظمة الديمقراطية نتيجة ضغط شعبي. لكن إمكانية رصد حركة الشارع أو الرأي العام ضد معارضة أو المعارضة، ليس أمرا سهلا. لم يطرح هذا السؤال في العالم العربي في أي وقت، لأن الأنظمة الحاكمة حرصت على تجديد نفسها بكل الوسائل، بحيث لم توجد فرصة حقيقية لامتحان المعارضين، ووضعهم تحت المجهر. فمن الناحية المبدئية لا يوجد فرق بين السياسيين، لكن ممارسة السلطة أو ممارسة المعارضة تجعل السياسي يرتدي عباءة من نوع ما. فقد يلبس السياسي عباءة السلطة، وقد يحدث العكس.
وكذلك تفعل المعارضة بالشخص المعارض، بعد أن كان من عامة الشعب، لكن ملاحظة التحول على من يمارس السلطة وما قد تورثه من الأخلاق الرديئة أبسط، لأنه يرتقي إلى مكان واضح في أعلى الهرم، تحت الشمس مباشرة، في حين أن من ‘ يتطوع’ لممارسة السياسة والتدرج كمعارض، لا يسمح له بالكثير من الضوء، وهو الأمر الضروري لرؤية جيدة. وهذا، قد يضطر المعارض لممارسة العمل المسرحي والبحث عن الأضواء.
وقد ينتقل من الكوميديا إلى التراجيديا، إلى التهريج المبتذل، غير عابئ بالجمهور. وهنا يبدأ الالتباس، فالشعوب العربية عانت من السلطة لعقود طويلة لأنها لم تحقق الانتقال أو التطور الذي حدث في دول متخلفة، في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كانت معها في نفس الخانة، لكنها عانت أيضا من مختلف أطياف المعارضة، أي أن المسألة لا تتعلق فقط بالتردي الاقتصادي،
وما إلى ذلك، الذي تحاسب عليه السلطة. فالمعارضة التي تشكلت في الدول العربية، على اختلافها، كان بعضها ولا يزال يحمل من المساوئ والأخطار ما يجعل تلك الأنظمة رمزا للحكمة، أي أن التردي الفكري شيء لم يحتكره النظام العربي. والفرق بين السلطة والمعارضة على المستوى الفكري – أن السلطة تمتلك مختلف الوسائل للنهوض بالفكر وتنقيته، لكنها لم تفعل، بل يغلب على الأنظمة معاداتها للفكر وهمها الوحيد هو البحث عن الموالين والموافقين والمطبلين، لأن المطلوب هو خدمة شكل معين ومحدد من الحكم وآليات التسيير بعيد عن المواطنة الفعلية وعن المصالح الإستراتيجية للدولة. وهذا ما أعطى الشرعية لكل من يرتدي ثياب المعارض ليعتلي المسرح ويصر على أنه منبر للخطابة. ويشجب أي محاولة لنعته بالممثل، أي أن الإكراهات التي تمارسها السلطة على الفرد لا تختلف من حيث المضمون عن تلك التي تمارسها المعارضة. والاختلاف يكمن فقط في الشكل والحجم.
تثور الجماهير ضد السلطة وتشل أدواتها، بما في ذلك قدرتها على احتكار وممارسة العنف، وتقوم بإسقاطها. لكنها، أي هذه الجماهير، تظل بلا حول ولا قوة أمام المعارضة، والسبب بسيط ونبيل جدا.. فهي تؤكد أنها تتحدث باسم ‘الشعب’. في الأنظمة الديمقراطية الغربية، لا يعتبر هذا مأزقا كبيرا، أي أن اللجوء إلى الانتخابات، يسحب الضغط، وقد تحل المشكلة، أو يتم إرجاؤها إلى وقت آخر، لكن إمكانية معاقبة المعارضة أو السلطة شيء في منتهى البساطة، أي أن بإمكان السياسيين، سلطة ومعارضة، ممارسة السياسة وإيجاد الحلول أو ممارسة العمل المسرحي. لكن الجمهور هو الذي يحتكر سلطة تقييم الأداء. فالمشاكل التي تطرحها الرأسمالية والفكر الليبرالي في الأنظمة الغربية تجد متنفسها في نهاية المطاف عبر صندوق شفاف.. في الدول العربية، كل من يمارس المعارضة مؤمن تماما بأنه روح الشعب، ولهذا يحق له الحديث باسمه والتعبير عن آلامه وآماله – في انتظار الوصول إلى أمواله، بالنسبة للبعض، حتى نكون منصفين.
أحداث الربيع العربي أثبتت أن لدينا جحافل من المثقفين لا تؤمن بالصندوق، فهو يصلح للشعوب المتحضرة وليس للإنسان العربي الأمي والمتخلف. في مصر تم اختراع بدائل غريبة نوعا ما.. أشخاص لديهم ثقافة عالية يؤكدون صحة جمع استمارات لخلع رئيس لم يحسن إدارة المرحلة الانتقالية، والآن يقومون بجمع استمارات لمطالبة قائد الجيش بالترشح لرئاسة الجمهورية، في حين أن نفس المنطق يقتضي تعيينه مباشرة لمنصب الرئاسة، لأن جمع ثلاثين مليون استمارة سليمة لأشخاص بالغين، مؤهلين قانونيا، تدعم الترشيح، تجعل الانتخابات مسألة عبثية، ومجرد تضييع أموال. ومع هذا فلا أحد يحق له التعليق، في هكذا بدائل. عدا أصحاب المشروع أنفسهم والنخب المصرية بصفة عامة، لأن الانقسام في مصر، لم يسمح لمن يراقب من الخارج ويعتمد آليات الديمقراطية الغربية – كمعيار – فهم ماذا أراد الشعب المصري بالضبط.. فالشعب المصري أطاح بحسني مبارك ولم يستطع أي طرف احتكار أو ادعاء الأفضلية في ما حدث، لكن المعارضة التي استعملت كل الوسائل للإطاحة بمحمد مرسي وقبولها ممارسة العنف ضده، معارضة معروفة وتحدثت باسم الشعب بناء على أعداد المتظاهرين والاستمارات والدعم الاعلامي. والحقيقة ان الدخول في صحة أقوالها من عدمها غير مفيد على الاطلاق، وإنما هناك دائما حاجة للبحث في الآليات التي تحدد العلاقة بين السلطة والمعارضة والشعب.
فالمعارضة المصرية موجودة حاليا في السلطة، لكنها لا تعترف للمعارضة، التي يقودها الاخوان في أغلبها، بنفس الحقوق والآليات التي أوصلتها لقلب السلطة. فجبهة الانقاذ، اليوم، كطرف أساسي في السلطة، تتصرف وفق النمط التقليدي للأنظمة العربية بداية بتخوين المعارضة واتهامها بالعمل المسلح وما إلى ذلك من الخطاب النمطي السلطوي العربي، أي أنها ترفض تحديد وتحليل مصادر الجريمة لتسهيل القضاء عليها، حماية للدولة، بالأساس، بل تستغل الفرصة للقضاء على الخصوم السياسيين والدخول بمقامرة مجهولة العواقب.
فخطاب المعارضات العربية، من الخليج إلى المحيط، التي ترافع من أجل الديمقراطية والحداثة والعدالة، يخلو من الوضوح الضروري الذي يحدد قوانين اللعبة، وتفضل النسبية التي تمكنها من تغيير التكتيك حسب الموقع. ومع هذا فلا تجد حرجا في وصف كل من لا يصوت لصالحها بالأمية، أي عدم القدرة على فهم أو إنتاج أي شكل من أشكال الخطاب. وواقع الحال يؤكد أن الازدراء متبادل فرجل الشارع لديه الكثير مما يقوله حول النخب، لكن بصياغة مختلفة. فهو لا يحسن اللغات الأجنبية ولم يتعمد في أنهار الفلسفة أو التاريخ و ما شابه.. كما أن حاجاته اليومية أكثر إلحاحا مما هي عند المعارضة. وبالتالي فمحاولة تحرك الشعب ضد المعارضة، يكاد يكون مهمة مستحيلة في غياب الصندوق. ومع ذلك يبقى لرجل الشارع أن يدافع عن كيانه المعنوي من الامتهان الذي تمارسه النخبة المتعجرفة ضده، من دون أن تقدم أي بديل سوى ذاتها العلية. فرجل الشارع أو الأغلبية بحاجة إلى رفع رموز الدولة فقط وأن يبتعد عن أي شعار يمت للسلطة لأن من حقه السيادي تغيير تلك السلط، وبالتالي فهو يدافع عن مستقبل الدولة من الاحتكار الذي يعشقه السياسيون. فلعبة الاحتشاد التي تمارس في دول الربيع تميل إلى الاستقطاب على أساس ‘مشاريع’ مستقبلية للدولة. في حين أن الخلاص يمر عبر استقرار الأوضاع حتى يستطيع أن يفرز السلع المعروضة أمامه من طرف المتبارين.
ويجب أن نؤكد أن كل تلك السلع لا تساوي شيئا إذا تنكرت لأبسط حقوق الإنسان وأول حقوق المواطنة. إن المعارضة الرجعية التي تصف نفسها بالحداثة ترى في التعليم شرطا أساسيا للقدرة على الانتخاب، وهذا حدث في مراحل مختلفة من تاريخ التطور الديمقراطي في أوروبا، حتى أن إحدى الدول كان قانونها الانتخابي يشترط امتلاك بغل كحد أدنى يؤهل صاحبه التسجيل في قوائم الناخبين. وبالتالي فيمكن للإنسان العربي أن يقول للنخب أنه على استعداد للاعتراف بأنه بغل شرط أن لا يصادروا حقه الانتخابي وأنه لا يحق لهم امتلاكه ومحاولة الاستبداد باسمه وعليه.. في الحقيقة إن المعارضة هي الأقدر على الإجابة عن سؤال كيف يمكن للشعب أن يسقط المعارضة، لأنها قد تكون أسست لحلقة من حلقات التطور. بعيدا عن الداروينية بالطبع، لأن الكثيرين يصدقون هذه النظرية أكثر كلما نظروا لما يحدث في العالم العربي.

‘ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية