كيف يكون التوسع في المشروع الاستيطاني داخل الضفة مهدداً لوجود إسرائيل؟

حجم الخط
1

الآن، حيث تخطط حكومة إسرائيل لاستكمال الانتقال من احتلال “المناطق” [الضفة الغربية] إلى مرحلة “الضم”، يجدر أن نفحص إلى اي درجة نجح مشروع الاستيطان كهدف مركز للانقلاب النظامي، وما هو المستقبل الذي ينتظره. بنظرة خاطفة على عدد المستوطنين (475 ألفاً) وعدد المستوطنات (126، بالإضافة إلى 135 بؤرة استيطانية غير قانونية، منها عشرات المزارع الزراعية)، يبدو أن الأمر يتعلق بقصة نجاح. ولكن ما كشفت عنه دراسة معمقة للبيانات الديمغرافية (المؤقتة) في منطقة “يهودا والسامرة” لعام 2022، والتي نشرها مكتب الإحصاء المركزي في الشهر الماضي، مختلف تماماً.
وفق المكتب المركزي للإحصاء، فإن معدل الزيادة السنوي لسكان المستوطنات هو 2.4 في المئة. هل زيادة كهذه، الأعلى ولكن بقليل من معدل الزيادة العامة في السكان (2.2 في المئة)، تعد نجاحاً؟ الإجابة لا، لأن الأمر يختفي في التفاصيل الصغيرة، وفي قراءة معمقة للبيانات. أولاً، لقد أضيف لـ 464.462 إسرائيلياً الذين تم إحصاؤهم في “يهودا والسامرة” في نهاية 2021 فقط 11.247 في 2022م، وهي الزيادة الأدنى في الـ 12 سنة الأخيرة، الثانية بعد 2020، والذي أضيف فيها فقط 10.017. إن معدل الزيادة السنوية في “يهودا والسامرة” في حضيض غير مسبوق. ولكن لا يكفي فحص الزيادة في عدد المستوطنين لنقف على التغييرات الديمغرافية في المستوطنات، بل يجب التعمق في مصادر التغيير في الزيادة السنوية واتجاهاتها.
ميزان الهجرة الداخلية، الذي كان سلبياً للمرة الأولى في 2020 – 842 – (عدد السكان الذين انتقلوا من “يهودا والسامرة” إلى إسرائيل كان أعلى بـ 842 من عدد أولئك الذين انتقلوا من إسرائيل إلى “يهودا والسامرة”) – تغير في 2021 إلى ميزان إيجابي عندما أضيف 74 شخصاً، ولكنه عاد ليصبح سلبياً في 2022 (ناقص 1.022). مضاعفة ميزان الداخلين إلى “يهودا والسامرة” من الخارج في 2022 (أكثر من 80 في المئة منهم من روسيا وأوكرانيا في أعقاب الحرب) أوصل ميزان الهجرة الإجمالي إلى رقم إيجابي ضئيل (278 شخصاً). تحليل البيانات الديمغرافية في العقد الأخير يدل على أن ميزان الهجرة الإجمالي ساهم في النصف الأول بحوالي الربع من الزيادة السنوية للسكان الإسرائيليين في “يهودا والسامرة”، في حين أن هذا الميزان قد ساهم في النصف الثاني من العقد بأقل من 10 في المئة، وفي 2022 كان 2.2 في المئة فقط. إذا كان الأمر كذلك، فإن الزيادة السنوية في “يهودا والسامرة” ترتكز في معظمها على زيادة طبيعية، والتي تغطي على توجهات لهجرة سلبية من المستوطنات.
ولكن إذا كانت الزيادة الطبيعية عالية رغم توجهات الهجرة، مع ذلك ربما يدور الحديث عن قصة نجاح؟ إن التعمق في مصادر الزيادة الطبيعية يكشف لها ظاهرة نعرفها منذ سنين، ولكن يتم إخفاؤها عمداً من قبل رجال دعاية الاستيطان: 47 في المئة من إجمالي الزيادة الطبيعية مصدرها في المدينتين الحريديتين: “موديعين عيلت” 3.239 نسمة، و”بيتار عيليت” (2.538 نسمة)، ويسكن في كلتيهما حوالي ثلث إجمال الإسرائيليين في “يهودا والسامرة”. أي أن مشروع الاستيطان يجد صعوبة في المحافظة على سكانه، ويتميز بهجرة سلبية – في المستوطنات الأيديولوجية وفي المستوطنات ذات جودة الحياة الأفضل على حد سواء – ولكن الفشل المدوي هذا لا يدرك فوراً من البيانات، لأن معدل الولادة الحريدية العالي يخفي ما يحدث في الحقيقة.
إذا واصلت هذه الاتجاهات، فإن الحريديين سيتحولون خلال عقد إلى حوالي نصف سكان “يهودا والسامرة”، ونسبة العلمانيين هناك ستكون أقل من 15 في المئة (الباقي متدينون وطنيون). سيكون لهذا الواقع تداعيات اقتصادية كبيرة، نظراً لأن المستوطنات الحريدية تقع في العنقود 1، الأدنى على المقياس الاجتماعي – الاقتصادي للمكتب المركزي للإحصاء. هذا عبء يثقل على دافع الضرائب الإسرائيلي، دون أفق للتغيير، بسبب غياب مصادر تشغيل لإسرائيليين في “يهودا والسامرة”. 60 في المئة من قوة العمل للإسرائيليين في “يهودا والسامرة” يعملون في إسرائيل، ومعظم الباقين يشتغلون في وظائف بلدية في المستوطنات نفسها.
في مجلس “يشع” لا يحبون هذه البيانات ويفضلون الادعاء بأن هذه الاتجاهات نتيجة لعدم إعطاء عدد كافٍ من تراخيص البناء. هذا ادعاء بالإمكان دحضه بسهولة: في الخمس سنوات الأخيرة، عدد حالات الشروع في البناء الذي أبلغ عنها المكتب المركزي للإحصاء كان أعلى بعشرات النسب المئوية مما كان عليه في الخمس سنوات التي سبقتها. في 7 كانون الثاني 2021 كتب مدير عام مجلس “يشع” يغئيل دلموني، في مقال له في “هآرتس”: “قبل حوالي سنتين، صودق على مئات الوحدات السكنية في “أرئيل”، وهذا العام في “معاليه ادوميم”. وسنبدأ في رؤية إسكانها في السنة القادمة”، أي في 2021. وماذا حدث بعد ذلك؟
في 2021 كان في مستوطنة “أرئيل” ميزان هجرة سلبي يبلغ ناقص 168، وفي مستوطنة “معاليه أدوميم” كان هنالك ميزان هجرة سلبي يبلغ ناقص 872. علاوة على ذلك، كان مجمل الزيادة السنوية في “أرئيل” 30 شخصاً فقط، وفي “معاليه أدوميم” هبط عدد السكان بـناقص 314. استمر هذا الاتجاه في هاتين المدينتين العلمانيتين أيضاً في 2022. واصلت “أرئيل” تميزها بميزان هجرة سلبي (ناقص 85) وزيادة سنوية لأقل من 100 نسمة. منذ 2021 أقصيت وتحولت إلى المستوطنة الرابعة في حجمها بعد “جفعات زئيف”، ولم يتجاوز عدد سكانها بعد حاجز الـ 20 ألفاً، هذا رغم مئات العرب المسجلين كسكان فيها. ورغم أن “معاليه أدوميم” حظيت في السنة الماضية بعدد المهاجرين الأعلى، فإن عدد السكان الإجمالي انخفض بـ 132 نسمة. لهذا الاتجاه من الهجرة السلبية، تشارك أيضاً المدينتان الحريديتان في السنوات الثلاث الأخيرة. في 2020 ترك “موديعين عيليت” 758 مواطناً أكثر من الذين دخلوا إليها، وفي 2021 تركها 452 أكثر من الذين دخلوا إليها. وفي 2022 غادر 867 مواطناً أكثر من الذين دخلوا. هكذا أيضاً في “بيتار عيليت” (1.752، 158 و419 على التوالي). مثلما أشير أعلاه، الزيادة الطبيعية المرتفعة في هذه المدن هي التي حافظت على زيادة سنوية إيجابية.
نستنتج أن السكن في “المناطق” [الضفة الغربية] ليس جذاباً رغم كل التسهيلات والمزايا، وأن المستوطنات لا تنجح في جذب سكان جدد لكي يغلقوا الفجوة التي يخلقها المغادرون. إذا كان هنالك من لا يزال يأمل في أن المستوطنات اليهودية ستغير الميزان الديمغرافي في “المناطق”، فثمة خيبة أمل تنتظره. نسبة الإسرائيليين من مجمل سكان الضفة الغربية في حالة هبوط. واليوم يبلغ 13.5 في المئة فقط. من نابلس شمالاً حتى الخط الأخضر ومن “غوش عتصيون” وجنوباً حتى الخط الأخضر، الحضور الإسرائيلي ضئيل، ووزنه الديمغرافي أقل من 4 في المئة. 75 في المئة من الإسرائيليين الذين يسكنون وراء الخط الأخضر (وضمن ذلك شرقي القدس) يتركزون في غلاف القدس والذي توجد في قمته مدن الكبرى الثلاث: “موديعين عيليت”، و”بيتار عيليت” و”معاليه أدوميم”، وهي التي ستضم لإسرائيل في إطار الاتفاق الدائم، مثلما اقترح كل من إسرائيل والفلسطينيين.
على الرغم من الدعم الكثير الذي تحصل عليه حركة المستوطنين من جهات سياسية ومن حكومات إسرائيل، فإنها لم تنجح بقلب الجمهور الإسرائيلي في الاستيطان. ورغم محاولة عرضها كنجاح لا يمكن التراجع عنه، عن طريق عرض خاطف لعدد المستوطنين والمستوطنات، فبالمعنى النفسي، الخط الأخضر لم يمحَ بل تعمق.
فعلياً، ورغم دعم القيادة السياسية، فإن معظم إنجازات حركة المستوطنين تعد هشة جداً. كان بالإمكان رؤية ذلك في الانفصال عن غزة: من اللحظة التي فقدت فيها حركة المستوطنين دعم الدولة، فقد بقيت تقريباً عاجزة ولم تنجح في الدفاع عن المستوطنات. الجمهور أيد بأغلبيته موقف الدولة ولم يؤيد موقف حركة المستوطنين. أيضاً اليوم فقط أقلية في المجتمع الإسرائيلي تؤيد توسيع المستوطنات، وعدد أقل من ذلك يؤيد ضماً أحادي الجانب للضفة. موقف المجتمع الدولي معادٍ لدرجة كبيرة لكل المستوطنات، والمجتمع الدولي يرى فيها خرقاً للقانوني الدولي. قرار 2334 لمجلس الأمن في 2016 دعا إلى تفكيكها. في خلال ذلك، تبنت حكومة إسرائيل الحالية ورؤساء المستوطنين اليوم خطة تتضمن مدماكين أساسيين: الأول يرتكز على فهم أنه ليس بالإمكان هزيمة الديمغرافيا الفلسطينية وضم كل “يهودا والسامرة” بدون المس بالأغلبية اليهودية لدولة إسرائيل. هو يتبنى منع إقامة دولة فلسطينية عن طريق إضرار كبير بالتواصل الجغرافي الفلسطيني في سفح الجبل. المنطقة التي تناسب تحقيق هذا الهدف وتقسم الضفة إلى اثنين هو غلاف القدس، الذي بات نصف سكانه من اليهود اليوم. بناء على ذلك، تريد الحكومة بقيادة بتسلئيل سموتريتش تكثيف هذه المنطقة ببناء أحياء ضخمة في القدس والمستوطنات التي حولها.
في شمال القدس، فيما كان يسمى مطار عطروت، تخطط الحكومة لإقامة حي يضم 9 آلاف وحدة سكنية، ويبنى في جنوب المدينة حي “جفعات همتوس” – 2.610 وحدة سكنية، ويخطط قريباً منها بناء حيين جديدين، “قناة المياه السفلى” مع 1.446 وحدة سكنية، و”هار حوماه” (جبل أبو غنيم) مع 539 وحدة. بالإضافة إلى ذلك، يخطط لمزيد من الأحياء: “جفعات هشكيد” بالقرب من بيت صفافا مع 473 وحدة، في “معاليه أدوميم” حي “مفسيرت أدوميم” (E-1) مع 3.412 وحدة سكنية، في “أفرات” و”جفعات عيتام” مع 2.500 وحدة. وفي الآونة الأخيرة صادقت لجنة التخطيط العليا التابعة للإدارة المدنية على مئات الوحدات من الوحدات السكنية الأخرى في مستوطنات أخرى في غلاف القدس. يدور الحديث إذن عن إضافة تبلغ أكثر من 22 ألف وحدة سكنية.
مشروع الاستيطان سلالة خطيرة من الصهيونية، وسوف يقود إلى دولة أغلبيتها غير يهودية، دولة فيها وبصورة ساخرة وحزينة، وسيدفع السكان اليهود غير الصهاينة السكان اليهود الصهاينة إلى الزاوية، بمساعدة تشجيع ومنح من الدولة. هذه العملية ستقود إلى انهيار اقتصادي وأخلاقي واجتماعي سيهدد وجودنا هنا. على المعسكر الليبرالي – الديمقراطي أن يناضل ليس فقط لوقف الانقلاب النظامي، بل ولإعادة دولة إسرائيل إلى قيم وثيقة الاستقلال وإنهاء النزاع بانفصال سياسي عن الفلسطينيين بواسطة اتفاق.
شاؤول اريئيلي وآخرون
هآرتس 7/4/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية