كيف يمكن لزيدان أن يُعيد أمجاده مع ريال مدريد؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:يقول المثل الشهير “رب ضارة نافعة”، وهو ما يتمنى جمهور ريال مدريد حدوثه مع المدرب الفرنسي زين الدين زيدان، بعد نجاته بأعجوبة من مقصلة الإقالة، بفضل جائحة كوفيد-19، التي قلبت موازين الحياة، بما في ذلك اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم، بتعليق النشاط الكروي في مختلف أنحاء العالم لأجل غير مسمى، باستثناء دول مغمورة تُعّد على أصابع اليد الواحدة، ما زالت تعيش في عالم مواز بإقامة مباريات الدوري المحلي بشكل منتظم بدون جماهير، رغم خطورة الوضع الحالي وتحذيرات منظمة الصحة العالمية من وصول الوباء للذروة في المرحلة القادمة.

 

زيدان قبل الجائحة

لا يُخفى على أحد، أن أوضاع نادي القرن الماضي تدهورت بشدة بعد رحيل الهداف الأسطوري كريستيانو رونالدو، فبعد الوصول لأعلى نقطة في تاريخ النادي منذ أواخر خمسينات القرن الماضي، بالسيطرة على كأس دوري أبطال أوروبا 3 مرات متتالية وأربع مرات في الفترة بين عامي 2014 و2018، هبط المنحنى بشكل صادم بدون صاروخ ماديرا وزيدان الموسم الماضي، ليضطر فلورنتينو بيريز لإعادة زيزو في نهاية موسم 2018-2019 الكارثي، على أمل أن يعيد الهدوء والاستقرار والأمل للفريق من جديد، لكن حتى آخر مباراة قبل الجائحة، تلك التي خسرها أمام ريال بيتيس الأندلسي بنتيجة 1-1، كان واضحا أن المدرب ما زال بعيدا عن الوصول للتشكيلة المثالية القادرة على محاكاة إنجازاته في ولايته الأولى، وتجلى ذلك في تذبذب النتائج والأداء من حين لآخر، على غرار الهزة التي تعرض لها بعد فوزه بالكأس السوبر الإسبانية، بسلسلة من النتائج المخيبة لآمال المشجعين، على إثرها ودع الفريق كأس ملك إسبانيا بالسقوط أمام ريال سوسييداد في قلب “سانتياغو بيرنابيو” بنتيجة 4-3، وكان قريبا من الخروج من دوري أبطال أوروبا، بعد سقوطه على نفس الملعب أمام مانشستر سيتي في ذهاب دور الـ16، بخلاف تنازله الغريب عن صدارة الليغا في الأسبوع التالي للفرحة المزدوجة بالفوز على برشلونة في الكلاسيكو بهدفين نظيفين واعتلاء القمة من جديد، ليأتي توقف كورونا القهري في توقيت أكثر من مثالي لزيدان، كفرصة أو هدية من السماء ليعيد حساباته من جديد ويدرس النقاط السلبية وما يحتاجه مشروعه لتفادي ارتكاب نفس الأخطاء الأخيرة التي وضعته في مرمى النار، والأهم من ذلك، استعادة المجد والأيام الخوالي كما كان الوضع في ولايته الأولى الذهبية، وأيضا كما تريد وتنتظر منه الجماهير منذ توليه المهمة لإنقاذ النادي بعد إقالة الأرجنتيني سانتياغو سولاري قبل 13 شهرا.

 

القطعة المفقودة

يبدو واضحا أن زيدان ينفذ تعليمات الإدارة بإعادة بناء ريال مدريد، بتقليل معدل أعمار الفريق من دون الإخلال بالمزيج المطلوب بين أصحاب الخبرة والشباب، خاصة بعد شراء هذا الكم من المواهب الشابة في آخر عامين بالذات، وظاهريا، فهذا يبدو بالأمر الجيد، لامتلاك النادي لمجموعة لا بأس بها من الأسماء المرشحة للانفجار في المستقبل غير البعيد، وبأسعار في المتناول، بدلا من شرائهم بعد عامين أو ثلاثة بأضعاف أسعارهم في الوقت الراهن، لكن من الناحية الواقعية والمنطقية، يمكن القول إن زيدان يُدرك أكثر من غيره، أن عناصره المتاحة في الوقت الراهن، لن تساعده للذهاب بعيدا في طموحاته مع ملوك العاصمة الإسبانية، لحاجة هؤلاء الشباب لمزيد من الخبرة والاحتكاك للوصول لمرحلة النضج الكروي، والأخطر من ذلك، انحراف بيريز عن سياسته القديمة الجريئة التي دّشن بها أسطورته كرئيس غير تقليدي يعتبره البعض الأفضل في تاريخ النادي، لارتباط اسمه بالصفقات “الغالاكتيكوس”، التي بدأها بالموجة الأولى مع فوزه بالانتخابات الرئاسية للمرة الأولى عام 2000 على حساب الراحل لورينزو سانز، بنقل أفضل لاعب في العالم آنذاك لويس فيغو من العدو الأزلي برشلونة إلى “البيرنابيو”، وتبعه بضم زين الدين زيدان وديفيد بيكهام والظاهرة رونالدو وباقي الجيل الذي أطلق عليه لقب “الأحجار الكريمة”، ومع عودته في ولايته الثانية، كرر نفس الأمر مع بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة، بشراء كريستيانو رونالدو وريكاردو كاكا وكريم بنزيما وأنخيل دي ماريا ولوكا مودريتش وباقي أفراد الجيل المحتل للقارة العجوز، وهو ما ساهم في تتويج الريال بهذا الكم غير المسبوق من البطولات في العصر الحديث. وفي مستهل العقد الجديد، أنفق حوالي 160 مليون يورو لتعزيز الهجوم بالثنائي إدين هازارد ولوكا يوفيتش، على أمل أن يتقمص الدولي البلجيكي دور غالاكتيكو المرحلة القادمة، والصربي يُحّسن من أرقام وجودة الهجوم، بعد الهبوط الصادم في معدل الأهداف في أول موسم بعد انتقال صاروخ ماديرا إلى يوفنتوس، إلا أن الأمور لم تسر كما كان يُخطط ويحلم رجل الأعمال الإسباني، لمعاناة القادم من تشلسي مع لعنة الإصابات بجانب فشل مهاجم آينتراخت فرانكفورت السابق في التعبير عن نفسه، بالاكتفاء بتسجيل هدفين فقط من مشاركته في 24 مباراة في مختلف المسابقات، وما زاد الطين بلة أن المهاجم الأول كريم بنزيما، لم يتخلص هو الآخر من آفته المزمنة بعدم الحفاظ على مستواه في القمة لفترة طويلة، بجانب صيامه التهديفي من حين لآخر، رغم حصيلته التهديفية تبدو مقبولة هذا الموسم بتسجيل 19 هدفا في كل البطولات، ناهيك عن عدم ثبات مستوى وقلة خبرة الثنائي البرازيلي فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس وكثرة مشاكل وإصابات المنبوذ الويلزي غاريث بيل، وهذا إن دل على شيء، فحتما على الفراغ الكبير الذي تركه الدون منذ بيعه لليوفي العام قبل الماضي، والحل الوحيد هو العثور على قطعة نادرة في الثلث الأخير من الملعب، أو اثنين إذا أراد بيريز وزيدان إحداث ثورة تغيير حقيقية لتعويض عشرات الأهداف التي كان يسجلها رونالدو قبل رحيله.

 

الغالاكتيكو المثالي

كما أشرنا أعلاه، يحتاج الملكي استثمارا جادا في الثلث الأخير من الملعب، ليس فقط لحل معضلة انخفاض معدل الأهداف للنصف وأكثر بدون كريستيانو، بل أيضا لصعوبة تحقيق آمال وتطلعات الجماهير بلا رأس حربة قادر على التسجيل من ربع فرصة، وبالنظر إلى الأسماء المتاحة على الساحة، فبالكاد لا يوجد أفضل من جلاد باريس سان جيرمان كيليان مبابي، كيف لا وهو ما زال لم يتخط ربيعه الـ21، ويملك من الموهبة وغريزة الهداف القاتل ما يكفي لارتداء القميص رقم 7 الأبيض، ونعرف جميعا أن بطل العالم ليس بالمهاجم التقليدي الذي ينتظر الكرة داخل مربع العمليات. نتحدث عن وحش كاسر يجمع بين سرعة تييري هنري وجرأة رونالدو في بعثرة المدافعين وإيجابيته أمام المرمى، ولا تنسى عزيزي القارئ، أن الشاب الفرنسي هو مدريدي الهوى، وسبق له أن اعترف في أكثر من مقابلة، أنه كان من مشجعي الريال في طفولته، وحتى وقت قريب، كان يضع صورة ملهمه كريستيانو رونالدو على حائط غرفته القديمة، غير أنه من حين لآخر، يتعمد إثارة الجدل حول مستقبله، بتصريحات لطيفة في حق الريال ومواطنه زين الدين زيدان، وهو الأمر الذي يستغله زيزو عادة على أكمل وجه، بمبادلة اللاعب الإطراء من دون أن يترك بصمته، بإعطاء إيحاء للجميع بأن باب “سانتياغو بيرنابيو” مفتوح أمام كيليان في المستقبل القريب، ويحدث ذلك في الوقت الذي يتفنن فيه اللاعب ووالده في كسب معركة الوقت مع المدير الرياضي للنادي الباريسي ليوناردو والرئيس ناصر الخليفي، بمماطلة واضحة في مفاوضات تجديد عقده الذي سينتهي بعد عامين من الآن، ربما لإصراره على تحقيق حلم الطفولة، وربما لشعوره بأنه فرصه في الفوز بدوري أبطال أوروبا وأفضل لاعب في العالم ستتضاعف إذا انتقل من باريس إلى مدريد. على أي حال، يبقى مبابي بموهبته وشخصيته الناضجة رغم صغر سنه، الغالاكتيكو المثالي لمرحلة ما بعد رونالدو، وأيضا مشروع الأسطورة الذي يحتاجه الريال في بداية العقد الجديد. وكي يكتمل مخطط زيدان بالجلوس على العرش الأوروبي مجددا، عليه التفكير في شريك مثالي لكيليان بدلا من يوفيتش أو كريم بنزيما، ولعل الخيار الأفضل في الوقت الراهن، هو قناص بوروسيا دورتموند إيرلينغ براوت هالاند وبدرجة أقل قائد توتنهام هاري كاين وجلاد الإنتر لاوتارو مارتينيز، لكن ما يميز النرويجي أنه تنطبق عليه شروط بيريز في سياسته التعاقدية الجديدة، باستقطاب المواهب الخام التي لم تكسر حاجز الـ20 عاما، والأهم من ذلك، أنه أثبت بشكل عملي أنه مهاجم لا يعرف الرحمة ولا الشفقة أمام المرمى، وهذا ما كان يفعله رونالدو مع زيدان في سنوات المجد، واختفى منذ مغادرته.

 

صداع معدل الأعمار

واحدة من أكبر المشاكل التي يواجهها زيدان في ولايته الثانية، هي ارتفاع معدل أعمار رجاله المخلصين، مقارنة بوضعهم عندما كانوا في ذروة العطاء في ولايته الأولى، والإشارة إلى سيرخيو راموس ومارسيلو ولوكا مودريتش وتوني كروس وكريم بنزيما، هؤلاء تخطوا حاجز الـ30 عاما وتراجعت معدلاتهم البدنية، وفي نفس الوقت تشبعوا بالبطولات التي لم يحققها جيل آخر منذ زمن ألفريدو دي ستيفانو وبوشكاش، ما يعني أن الاعتماد عليهم في التشكيلة الأساسية لا يساهم في تقدم الفريق إلى الأمام، وحتى إن حدث ونجحوا في قيادة الفريق لتحقيق انتصارات كبيرة، كما فعلوا أمام أتلتيتكو مدريد وبرشلونة في الليغا، فبعدها مباشرة تعود الصورة المأساوية باللعب البطيء والإيقاع الممل، وهذا يرجع في الأساس لعامل السن، لذا من الواضح أنه آن الأوان ليفسح الشيوخ المجال للشباب، والمقصود ليس التخلص من هؤلاء الكبار في ليلة وضحاها، بل على أقل تقدير يبدأ الأمر بشكل تدريجي، بإعطاء دقائق أكثر للثنائي إيدير ميليتاو وفيرلاند ميندي، بجانب إعادة المعارين المتميزين وفي مقدمتهم الدولي المغربي أشرف حكيمي ليرفع مستوى المنافسة مع داني كاربخال في مركز الظهير الأيمن، بالإضافة للظهير الأيسر سيرجيو ريغيليون وداني سيبايوس ومارتن أوديغارد، وفي المقابل يترك رودريغيو يحصل على فرصته في مكان آخر على سبيل الإعارة، أو المفاضلة بينه وبين فينيسيوس جونيور، لاختيار واحد منهما برفقة الأسماء الكبيرة المرشحة لإعادة الهيبة للهجوم المدريدي، ونفس الأمر بالنسبة ليوفيتش، نظرا لحاجته الماسة لاستعادة ثقته بنفسه من جديد، وذلك سيحدث بإرساله على سبيل الإعارة أو بيعه بصفة نهائية، هكذا سيتخلص زيدان من الحمل الزائد للعواجيز، وفي نفس الوقت سيفعل المطلوب منه بتقليل معدل أعمار الفريق، وبأسماء ومواهب قادرة على حمل الراية بعد جيل “لا ديسيما” العظيم، من دون أن نذكر لاعبين آخرين متوقع لهم مستقبل بارع مستقبل مشرق مثل أندري لونين ورينير جيسوس وإبراهيم دياز وكوبو.

 

الاقتداء بنموذج ليفربول

يبقى الشيء الأكثر أهمية، أن يتعامل بيريز مع زيدان بنفس طريقة تعامل إدارة ليفربول مع المدرب الألماني يورغن كلوب، بالصبر عليه ومنحه كافة الصلاحيات حتى يشعر أن وظيفته ومستقبله في أمان، وقد أثبتت التجارب أن جوزيه مورينيو كان محقا في وجهة نظره حول فوائد وإيجابيات الإبقاء على المدربين لفترات طويلة، على عكس العرف السائد معهم في السنوات الماضية، حيث يقع المدربون ضحية وكبش فداء بمجرد أن تهتز نتائج الفريق، أما القلائل الذين يعملون لفترات أطول، فيكون لديهم متسع من الوقت لتنفيذ أفكارهم ومشروعهم على أرض الواقع كما يريدون، حيث يساعدهم الاستقرار على معالجة نقاط الضعف وجني ثمار الفريق الذي اختار عناصره على مدار سنوات، ولنا في الماضي غير البعيد أمثلة من نوعية سير أليكس فيرغسون مع مانشستر يونايتد وآرسين فينغر مع آرسنال، والآن مع كلوب، الذي وصل بالفعل لمرحلة جني ثمار تعبه وعمله الشاق على مدار السنوات الأربع ونصف السنة الماضية، بقيادة الريدز لأول ثلاثية قارية في التاريخ باحراز دوري أبطال أوروبا والكأس السوبر الأوروبية وكأس العالم للأندية، ولولا جائحة كوفيد-19، لأضاف إليهم لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، وبالكاد، هذا ما يحتاج زيزو من رئيس النادي، بالصبر عليه لموسمين آخرين حتى لو لم يفز ببطولة الموسم المقبل، إلا إذا لم تظهر مؤشرات ملموسة لنجاح مشروعه في موسمه الثاني الكامل، أو قرر فجأة تقديم استقالته بنفس سيناريو صيف 2018، هنا سيكون الأمر مغايرا، لكن دعونا نتفق على أنه حتى في أسوأ فتراته قبل توقف النشاط الكروي، كان وما زال من الصعب التشكيك في زيدان كمدرب يحظى باحترام اللاعبين في غرفة خلع الملابس للكاريزما المعروفة عنه بجانب أفكاره التكتيكية المتنوعة وقدرته على اكتشاف المواهب الاستثنائية كما فجر مواهب إيسكو ورافاييل فاران والأخير فيديريكو فالفيردي، والسؤال الآن: هل سيبقى في منصبه ويدعمه بيريز بصفقات من العيار الثقيل كما تقول الصحافة الإسبانية، ليعيد أمجاده وأمجاد الريال من جديد؟ أم هناك سيناريو آخر غير متوقع بعد الانتهاء من أزمة الوباء المستجد؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية