لندن ـ «القدس العربي»: «ما زالت أتألم حتى يومنا هذا، لأنني لم أفز بالدوري الإنكليزي الممتاز بعد 10 شهور من القتال مع مانشستر سيتي، لكن هذه هي كرة القدم، ومع ذلك، يمكنني القول إن ما تم تحقيقه مع هذا الفريق الشاب يستحق العناء، وهذا أمر واضح بالنسبة لي»، بهذه الكلمات الحزينة، عبر مدرب آرسنال ميكيل آرتيتا، عما بداخله من حسرة وقهر في مقابلة أجراها مع صحيفة «ماركا» الشهر الماضي، بعد النهاية المحطمة للآمال، بتبدل أوضاع المدفعجية من النقيض إلى النقيض، من منظومة جماعية تمتع العدو قبل المؤيد بكرة قدم من النوع الفاخر، إلى فريق مفكك لا يقوى على تحمل اللعب تحت الضغط الإعلامي والجماهيري في الأمتار الأخيرة، وفي رواية أخرى، لضعف خبرة اللاعبين وعدم تمرسهم على هكذا منافسة، ما جعل الإدارة تتحرك سريعا في الميركاتو الصيفي، بتقديم الدعم اللازم للمدرب الإسباني، في شكل دماء جديدة، بتكلفة تخطت حاجز الـ200 مليون جنيه إسترليني حتى وقت كتابة هذه الكلمات.
مفاجأة وثقة في المشروع
بصرف النظر عن فصول آرسنال الباردة في الربع الأخير لموسم البريميرليغ 2022-2023، لكنه، بشهادة الجميع، كان المفاجأة السارة والحصان الأسود، وربما لولا شجاعة آرتيتا ورجاله، التي مكنتهم من البقاء في صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز لمدة 248 يوما، لما استمتع عشاق اللعبة بهذه المنافسة والإثارة، في ظل الحالة المأساوية التي كان عليها باقي الكبار، وفي مقدمتهم ليفربول، بفشله حتى في انتزاع إحدى البطاقات المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، وأسوأ منه تشلسي، الذي احتاج لدعوات محبيه، لتجنب الهبوط إلى غياهب التشامبيون شب، رغم الإنفاق الذي يندرج تحت مسمى «الجنون»، بصرف ما يزيد على نصف مليار جنيه إسترليني لشراء لاعبين جدد في فترتي انتقالات الصيف والشتاء. كذلك الجار اللندني توتنهام، لم يكن في أفضل حالاته، خاصة بعد وصول علاقة المدرب السابق أنطونيو كونتي باللاعبين إلى طريق مسدود. الاستثناء كان في ومضات مانشستر يونايتد، التي جعلته يستعيد مكانه ضمن الأربعة الكبار، ومعه نيوكاسل يونايتد، الذي فاجأ الجميع تحت قيادة إيدي هاو، بالوقوف على قدم المساواة مع الكبار والمتمرسين على المقاعد المؤهلة للكأس ذات الأذنين، ثم باقتناص المركز الرابع والعودة إلى أمجد وأعرق البطولات الأوروبية للمرة الأولى منذ بداية الألفية، لكن بلغة الأرقام والرياضيات، كان بإمكان مانشستر سيتي حسم اللقب مع انتهاء شهر ابريل / نيسان، بصورة كربونية لموسم 2020-2021، الذي ختمه بيب غوارديولا وفريقه بفارق 12 نقطة عن الوصيف وقتها غريم المدينة مانشستر يونايتد، إلا أن الحالة الرائعة التي كان عليها التلميذ النجيب ميكيل آرتيتا ومشروعه الشاب، هي ما حفظت ماء وجه الدوري الأكثر شهرة عالميا، بظهور منافس جديد للبطل التقليدي في السنوات الأخيرة.
وهذا في حد ذاته، فاق خيال وطموحات أكثر المتفائلين من عشاق الغانرز، بعد حملات التشكيك في آرتيتا وأفكاره، خاصة في فترة ما بعد التخلي عن المركز الرابع في موسم 2021-2022، ليرد على الشامتين والمشككين، بالنسخة المهيبة التي ظل عليها حتى ليلة اكتساح ليدز بالأربعة مطلع ابريل / نيسيان، تلك اللحظات التي تضاعفت فيها فرص الفريق في استعادة اللقب الغائب منذ العام 2004، بوصول الفارق إلى ثماني نقاط مع السكاي بلوز، قبل أن يسقط مارتن أوديغارد ورفاقه في المحظور، بإهدار ما مجموعه 6 نقاط في ثلاث مباريات على التوالي، ثم تبخر الحلم بعد التجرع من مرارة الهزيمة بالأربعة في قلعة «الاتحاد». لكن في كل الأحوال، هذا لا يقلل من عمل آرتيتا ولا من مشروعه الطموح، الذي بدأ من تحت الصفر، حين قرر الانفصال عن الأستاذ بيب عشية الاحتفال بعيد الميلاد عام 2019، ليخلف مواطنهما أوناي إيمري في الجزء الأحمر في شمال العاصمة، بعد سلسلة من العروض المتواضعة والنتائج السلبية، إلى أن حقق الجزء الأكبر من الهدف المنشود، بإعادة الفريق إلى المنافسة بشكل حقيقي على البريميرليغ للمرة الأولى منذ عصر البروفيسور آرسين فينغر الذهبي، بعد سنوات طويلة ابتعد خلالها آرسنال عن مستوى وجودة فرق النخبة في الدوري الإنكليزي الممتاز، أو بالأحرى السنوات الست التي لم يتذوق فيها الفريق طعم سهرات الثلاثاء والأربعاء الأوروبية، وهذا ما أقنع المسؤولين وأصحاب القرار في قلعة «الإمارات»، وجعلهم يستجيبون لطلبات المدرب، أملا في سد الفجوة مع المنافس المباشر في الموسم المقبل، بمعنى آخر حتى يتخلص الفريق من نقاط الضعف، التي تسببت في توقفه في الربع الأخير، منها التسلح ببدلاء على نفس مستوى وجودة الأساسيين ومفاتيح اللعب، للاستعانة بهم في فترات المداورة وازدحام روزنامة المباريات، وأيضا لتجنب ما حدث في أسابيع الانهيار، تأثرا بخسارة بعض الأعمدة الأساسية، على غرار الانتكاسة الصادمة على مستوى خط الدفاع، بعد الإصابة السيئة التي ألمت بقلب الدفاع ويليام ساليبا في الأسابيع الحاسمة، وعلى إثرها حدث ما شاهدناه من انهيار وتفكك في المنظومة الدفاعية، مقارنة بالصلابة والقوة التي كان عليها الدفاع قبل انتكاسة المدافع الفرنسي، وذلك بطبيعة الحال، لعدم وجود بديل على نفس المستوى والكفاءة. ونفس الأمر على مستوى خط الوسط، عندما يبتعد الزجاجي توماس بارتي بداعي الإصابات المزعجة من حين الى آخر، ومراكز أخرى تحتاج الى مزيد من التدعيم، منها سيتخلص المدرب من هاجس تفاوت المستوى والخبرة بين الأساسيين المؤثرين وبين بدلائهم، ومنها أيضا سيسير على خطى بيب غوارديولا، بامتلاك عدد لا بأس به من الأسلحة الفتاكة على مقاعد البدلاء، فيما ستكون بمثابة الخطوة العملاقة لأخذ المشروع إلى مرحلة الذروة أو القمة، أو بعبارة أخرى لن تكون هناك أعذار أخرى لآرتيتا حتى يحقق الهدف الرئيسي، باستعادة لقب البريميرليغ، بعد بدايته المبشرة في العام 2020 بتحقيق كأس الاتحاد الإنكليزي على حساب العدو الغربي تشلسي.
سخاء ورقم قياسي جديد
من يتابع أخبار آرسنال في الصحف البريطانية، لاحظ نشاط النادي في الميركاتو الصيفي، حيث بدأ بالصفقة المثيرة للجدل بالنسبة لكثير من المشجعين والمميزة بالنسبة للمدرب آرتيتا، والإشارة إلى الألماني المتعدد الاستخدام كاي هافيرتز، في صفقة كبدت الخزينة الحمراء ما يزيد على 65 مليون بعملة المملكة المتحدة، نزولا عند رغبة المدرب الإسباني، رغم علامات الاستفهام الكثيرة حول مردود اليافع العشريني في فترته مع البلوز، باستثناء ومضاته العالقة في الأذهان، أشهرها هدفه الثمين في شباك مانشستر سيتي في المباراة النهائية لدوري الأبطال عام 2021، وهدف آخر في نهائي كأس العالم للأندية في نفس العام، ما جعله يرسم لنفسه صورة اللاعب «الموهوب الكسلان»، لتمتعه بالمواصفات المثالية للمهاجم الوهمي أو الجناح المهاجم أو لاعب وسط ثالث مهاجم من كلا الجانبين. نتحدث عن لاعب أعسر بطول قامة مزعج للمدافعين ولاعبي الوسط، والأهم مفتاح لعب في المواقف الهجومية، لقدرته على الاحتفاظ بالكرة ومراوغة لاعب أو اثنين سواء على الأطراف أو في العمق، كبديل إستراتيجي للقائد السابق غرانيت تشاكا، بعد الموافقة على ذهابه إلى باير ليفركوزن، وفي الطريق نجم مطارق وستهام يونايتد ديكلان رايس، فيما ستكون صفقة قياسية بالنسبة للنادي وأندية البريميرليغ، كونها ستتخطى حاجز الـ100 مليون باوند، وأيضا بناء على طلب آرتيتا، وهذا يعني أنه بنسبة كبيرة لن نشاهد بارتي مع الفريق في المرحلة المقبلة، خاصة بعد اقتران مستقبله بالهلال السعودي، كما أنه ستكون مغامرة كبيرة، بإنفاق هكذا مبلغ على لاعب لم يسبق له اللعب في أعلى مستوى تنافسي، بحكم تواجده مع فريق لا يعرف المنافسة على البطولات الكبرى. لكن في كل الأحوال، ستكون إشارة أو علامة واضحة من قبل إدارة المدفعجية، لتحطيم الرقم القياسي على مستوى الانفاق، بكسر حاجز الـ200 مليون جنيه إسترليني للمرة الأولى، بعد تخطي الـ190 مليون بنفس العملة في النافذة الصيفية الأخيرة، وهذا سيتوقف على نجاح مفاوضات المسؤولين مع نظرائهم في أياكس أمستردام، لغلق صفقة المدافع يوريين تيمبر، مقابل رسوم لن تقل بأي حال من الأحوال عن 40 مليون إسترليني، لتعزيز خيارات المدرب على مستوى الدفاع، ورفع مستوى المنافسة بين المدافعين، لإمكانية الاستفادة من الهولندي صاحب الـ22 عاما في مركز الظهير الأيمن، بجانب مركزه المفضل كقلب دفاع.
استنساخ تجربة ليفربول
في ظروف مشابهة لما حدث مع آرسنال في الموسم الماضي، كان ليفربول قد مر بنفس التجربة مع بيب غوارديولا، بالتحسر على ضياع اللقب بفارق نقطة واحدة عن السيتي مع نهاية حملة 2018-2019، لكن في الموسم التالي، عاد بنسخة أكثر نضجا، أثمرت في النهاية عن كسر عقدة لقب الدوري الإنكليزي الممتاز بعد ثلاثة عقود، وهذا ما يعول عليه آرتيتا لاستنساخ تجربة يورغن كلوب في موسم كورونا، بأن تسير الأمور كما يخطط لها، أن يتعلم الجميع من الدروس المستفادة من التجربة القاسية، حتى يجني ثمار ما غرسه في عقلية اللاعبين، باللعب دائما من أجل الفوز. ولعلنا لاحظنا التأثير الفوري بعد وصول الثنائي المتمرس على الألقاب تحت قيادة غوارديولا، البرازيلي غابرييل جيزوس والأوكراني زينتشينكو، ويُقال إن المدرب الإسباني حريص على جلب زميلهما السابق في المان سيتي جواو كانسيلو، للاستفادة من خبرته والتزامه وانضباطه تكتيكيا داخل المستطيل الأخضر، بعد ظهور بصمة بيب عليه في السنوات الماضية، قبل التحول الكبير في علاقته مع المدرب، الذي تسبب في انتقاله إلى بايرن ميونيخ على سبيل الإعارة في الشتاء الماضي، وبعيدا عن الروايات الكثيرة عن سلوك اللاعب في غرفة خلع الملابس وعصبيته الزائدة على الحد في بعض الأوقات، فمن الصعب التشكيك في خبرته وجودته كواحد من أفضل الأظهرة في العالم، بقدرات وإمكانات نادرة، تجعله يبدع في مركزي الظهير الأيمن والأيسر بنفس الكفاءة والحدة، وهذه واحدة من الشروط والمواصفات التي يحتاجها أي فريق للفوز بالألقاب، إلى جانب الرهان الكبير، على عودة ساكا ومارتينيلي وباقي من تراجع مستواهم في أسابيع الانهيار، بنسخة أكثر وعيا ونضجا في حملة البحث عن أول لقب في البريميرليغ منذ عقدين من الزمن، من دون أن ننسى فائدة التخلص من لعنة اللعب مساء الخميس في ليالي اليوروبا ليغ المنسية، التي لا يتابعها إلا أكثر المنتمين الى الأندية المشاركة، ونتذكر معاناة آرتيتا وفريقه، من توابع مباريات الخميس على المعدلات البدنية للاعبين في مباريات السبت والأحد في البريميرليغ، الى درجة أن الفريق دخل مبكرا مرحلة الانهيار البدني، بعد استنزاف طاقة اللاعبين في 120 دقيقة كاملة أمام سبورتنغ لشبونة البرتغالي في دور الـ16 للدوري الأوروبي، تلك الملحمة الشهيرة التي حسمها الفريق البرتغالي بمساعدة ركلات الترجيح، وبعدها حدث التراجع المخيف في نتائج آرسنال في الدوري المحلي، لكن هذه المرة، ستعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل 6 سنوات، بالاستمتاع بأجواء أم البطولات مساء الثلاثاء والأربعاء، ثم الحصول على راحة كافية قبل مباريات سبت وأحد البريميرليغ.
استقرار وإضافات
باستثناء تشاكا وبارتي، فيُحسب للنادي نجاحه في توفير ما يكفي من الاستقرار والهدوء سواء على المستوى الفني والإداري، بتجديد الثقة في المدرب، أو داخل غرفة خلع الملابس، بتأمين مستقبل الأضلاع الرئيسية في المشروع، وفي مقدمتهم جيزوس، الذي بادر بالتجديد حتى منتصف العام 2017، وتبعه مارتينيلي بتجديد عقده لثلاث سنوات قادمة، ونفس الأمر بالنسبة للثنائي رامسديل وساكا، وقريبا سيحدث اتفاق مع القائد مارتن أوديغارد، كما حدث مع صمام الأمان ساليبا الذي مدد عقده لأربع سنوات مقبلة يوم الجمعة الماضي، وهذا يعكس ثقة وإيمان النادي والمدرب في هؤلاء اللاعبين، على أمل أن يشكلوا عصابة جديدة، على طريقة الجيل الذهبي لليفربول يورغن كلوب، وكتيبة غوارديولا السماوية، مع قليل من الإضافات لضمان العمق اللازم للفريق، مثل خيار الاعتماد على المهاجم الأمريكي فولارين بالوغان، بعد ظهوره النيزكي في تجربة إعارته مع ريمس الفرنسي، التي ختمها بتسجيل 21 هدفا من مشاركته في 37 مباراة على مستوى الليغ1، على بعد ثمانية أهداف فقط من هداف المسابقة كيليان مبابي، وهذا سيعطي الخط الأمامي إضافة جديدة، على الأقل لرفع معدل أهداف الفريق في الموسم الجديد، ولم لا التفكير في تسجيل أكثر من 100 هدف، بعد نجاح ساكا وجيزوس ومارتينيلي والبقية في تسجيل ما مجموعه 88 هدفا على مدار الموسم، أي أقل بستة أهداف فقط من حامل اللقب في آخر ثلاثة مواسم، وإما أن تتم الموافقة على إطلاق سراحه، ومعها سيتعين على المدرب انتظار التبعات، خاصة إذا انفجرت موهبته التهديفية مع أحد الكبار الذين يلاحقونه هذا الصيف، من نوعية يوفنتوس والإنتر في إيطاليا، وكريستال بالاس في البريميرليغ، وفي نفس الوقت لم يصل هجوم المدفعجية إلى القوة النارية اللازمة لسد أو تقليل الفجوة مع هجوم السيتي الكاسح، وتشمل قائمة الإضافات المحتملة، لاعب وسط برايتون موزيس كايسيدو، وجوهرة ساوثهامبتون روميو لافيا، بعد هبوط الفريق إلى دوري التشامبيون شب، وأسماء أخرى من فئة الصفقات المتوسطة الثمن من نوعية موسى ديابي جناح باير ليفركوزن ومدافع بلد الوليد إيفان فريسندا، لكنها تبقى خيارات بديلة، وليست أهدافاً رئيسية مثل ديكلان رايس وتيمبر وكانسيلو وباقي الأسماء المرشحة لمرافقة كاي هافيرتز في ملعب «الإمارات»، والسؤال الآن: هل سينجح رهان ومخطط آرتيتا لوقف هيمنة أستاذه على الألقاب الجماعية بوجه عام والبريميرليغ بالأخص؟ هذا ما سنعرفه في فرصته الأخيرة لتأكيد أحقيته بالبقاء لفترة طويلة على طريقة آرسين فينغر.