كيف ينظر المستوطنون ونتنياهو إلى فلسطينيي الضفة و”ضم” أراضيهم؟

حجم الخط
0

في الأسابيع التي أعقبت انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية كانت فترة للإثارة في الضفة الغربية في تشرين الثاني 2016. في الشوارع التي تؤدي إلى المستوطنات، تم تعليق آلاف اللافتات التي كتب عليها شعار “سيادة.. والآن”. نشطاء مجلس “يشع” ظهروا في أروقة “ترامب بلازا” في نيويورك في أوساط الجمهور الذي حضر أداء يمين الرئيس للقسم. مقربون من قبل أنفسهم ومقربون حقيقيون أكدوا بأنه منذ اللحظة التي سيجلس فيها رجلهم في الغرفة البيضوية ويتسلم شيفرة القنابل النووية فإن كل شيء سيكون مختلفاً. في كل لقاء طلب زعماء المستوطنين من بنيامين نتنياهو الإسراع وألا يفوت الفرصة التاريخية وأن يقوم بالضم. سمع نتنياهو وطلب منهم انتظار لقائه الأول مع الرئيس الجديد.

عندما وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض في 15 شباط، قال ترامب أموراً مستغربة عن الحل المفضل لديه للنزاع مع الفلسطينيين (“دولتان، دولة واحدة، ما يتفق عليه الطرفان”). ولكن كان له طلب واحد، “كنت أريد مشاهدتكم وأنتم تكبحون المستوطنات ولو قليلاً “. وجد المستوطنون صعوبة في كبح الغضب. “نتنياهو خدعنا”، قال أحدهم في انتقاد. ولكنهم أدركوا بأنه لن يتحمل مجرد التفكير بأن يديروا سياسة خارجية مستقلة مقابل الإدارة الأمريكية. لقد بنى كل تاريخه السياسي حول أسطورة أنه زعيم اليمين الوحيد الذي يمكنه الوقوف في مواجهة الضغط الأمريكي. ولم يكن لديهم أي خيار سوى انتظار أن تجري الأمور بوتيرة ترامب ونتنياهو.

وبعد مرور ثلاث سنوات ونصف، اقتربت فترة الانتظار من نهايتها. ولحظة حقيقة الضم يمكن أن تصل في بداية الشهر القادم كما يبدو. لكن نتنياهو كالعادة، يبقي المستوطنين ونصف طموحاتهم في أيديهم. هو يتحدث عن 1 تموز كموعد محظور تفويته، لكنه لا يفسر كيف ينوي فرض السيادة. لا توجد خريطة ولا توجد صيغة لقانون ولا يوجد جدول زمني. المستوطنون منقسمون بين الذين يريدون أن يذهب نتنياهو، حسب خطة ترامب، الآن على الفور قبل أن يتم غلق نافذة الفرص التاريخية، والذين يخافون من مكونات الدولة الفلسطينية في صفقة القرن وتحويل المستوطنات المعزولة إلى جيوب دائمة. ونتنياهو لا ينجح في تهدئتهم بخصوص نواياه، وليس مؤكداً أنه يستطيع ذلك.

من السهل نسيان أن المستوطنين ونتنياهو هم بالفعل حلفاء سياسيون، لكن كانت وما زالت بينهم فجوة كبيرة. أيديولوجية الاستيطان للعودة ووضع اليد على كل ذرة من الأرض المقدسة بواسطة أمر إلهي تتساوق بالفعل مع رؤيا تجديد وتعزيز سيادة اليهود على وطن نتنياهو التاريخي. ولكن هناك بعض النقاط البارزة والأولويات المختلفة.

المستوطنون يعتبرون الفلسطينيين في غرب أرض إسرائيل العدو الرئيسي والعائق المركزي الذي يجب التغلب عليه بأي طريقة ممكنة. باقي العالم –الدول العربية والمجتمع الدولي– ليس أكثر من عقبة بعيدة يمكن تجاهلها. نتنياهو غير مستعد لأن يعتبر الفلسطينيين عدواً. من ناحيته، هم جزء هامشي من تجمع عربي كبير. النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني لا يعتبر حدثاً بحد ذاته، بل هو جزء من صراع أكبر يجري بين القومية العربية والإسلام الراديكالي الذي يعتبر إسرائيل موقعاً متقدماً للعالم الغربي، لذلك هو معني بتدميرها. نتنياهو يعارض تقديم تنازلات للفلسطينيين لأن هذا -حسب رأيه- يضعف الموقف العام لإسرائيل. ولكن الحرب الحقيقية هي أمام عدو عربي وإسلامي أكبر بكثير، يستغل فقط الفلسطينيين.

الفرق في الرؤية يفرض أيضاً فجوة اجتماعية. مشروع الاستيطان هو محاولة الصهيونية الدينية لوراثة الطلائعيين العلمانيين للاستيطان العامل، ليس عن طريق الكراهية أو الاغتراب، بل عن طريق الرغبة في مواصلة وتوسيع طريقهم. نتنياهو لا يعتبر نفسه وريثاً للذين جاءوا قبله. هو تربى على كراهية لمباي، كراهية أقوى بكثير من اتباع مناحيم بيغن. نتنياهو رضع من والده “الذي كان يستخف ببيغن المترهل حسب رأيه”، رضع منه الاشمئزاز من المؤسسة “البلشفية”. ومهمة حياته هي تأسيس نخبة قومية جديدة برئاسته.

بالنسبة لنتنياهو، المستوطنون مشبوهون بسبب تأييدهم وتطلعهم إلى أن يشبهوا أبناء الكيبوتسات وأعضاء مباي الذين كانوا ذات يوم. عدد من المستوطنين تم تضليلهم بسبب العدد الكبير من الزعماء المتدينين الذين يحيطون بنتنياهو وبسبب الثناء الذي يغدقه عليهم. ولكنه فعلياً يعتبرهم مؤيدين، ولم يعتبرهم في أي يوم شركاء في القيادة. الزعماء القدامى والمجربون للمستوطنين سيتذكرون دائماً أن أرض إسرائيل بالنسبة لنتنياهو ليست قيمة، بل وسيلة.

الفرق الأساسي بين نتنياهو والمستوطنين هو أن مشروعه السياسي مكرس لتخليد تمسكه بالحكم. ومشروع الاستيطان. في المقابل، بدأ عندما كان رئيس الحكومة الثالث، ليفي اشكول، ما زال في الحكم. شاهد المستوطنون عشرة رؤساء حكومة يأتون ويذهبون، وينوون أن يبقوا هنا بعد نتنياهو أيضاً. فقد تدبروا الأمر أيضاً مع رؤساء حكومة من الوسط – يسار.

للمستوطنين ذاكرة طويلة، ولم ينسوا أن من رؤساء حكومة من الليكود، بيغن وشارون، هما اللذان قاما بتفكيك المستوطنات في سيناء وغزة وشمال الضفة. لم ينس نتنياهو أن ممثلي المستوطنين في الكنيست أسقطوا حكومتين لليمين – حكومة إسحق شامير في 1992 بسبب ذهابه إلى مؤتمر مدريد. والحكومة الأولى لنتنياهو في العام 1999 بعد تنازله في اتفاق واي ريفر عن 13 في المئة من أراضي الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية.

ومنذ عودته إلى الحكم في العام 2009، نجح نتنياهو والفلسطينيون في الحفاظ على التحالف بينهم. رغم أن نتنياهو خضع لضغط باراك أوباما وكان هو رئيس الحكومة الأول الذي وافق على تجميد البناء في المستوطنات لفترة معينة. توصل المستوطنون إلى استنتاج بأنه خلافاً لشارون وبيغن، لن يقوم نتنياهو بتفكيك المستوطنات. ولكن الشك بقي موجوداً.

“سيقوم نتنياهو بضم مستوطنتين – ثلاث مستوطنات على الأكثر بشكل رمزي”، قال بتشاؤم مؤخراً أحد رؤساء المستوطنين، الذي ما زال يأمل أكثر من ذلك. وهو محق كما يبدو. فنتنياهو سيضم جزءاً كبيراً من الضفة الغربية إذا اقتنع بأن هذا الأمر لن يضر بإنجازاته في العقد الأخير، وهي إبعاد القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال الدولي وإنشاء تحالف غير رسمي ضد إيران مع أنظمة الخليج. لذلك، لا توجد بعد أي خطة عملية للضم، بل هناك تاريخ. وهو يحتفظ بجميع الخيارات مفتوحة ويدرك الثمن الجيوسياسي والاقتصادي الذي يمكن أن يجبيه الضم. وسيتقدم فقط إذا اقتنع بأنه لن يكون ملزماً بدفع ثمن باهظ من الإدانات عديمة الأسنان. والمستوطنون يدركون ذلك.

الخلافات في أوساط قيادة المستوطنين تخدمه بشكل جيد، فهو لا ينحاز إلى طرف بعينه. وهو، خلافاً للنواة الصلبة، غير مستعد لرفض خطة ترامب وإحراج من صنع له جميلاً من واشنطن. ولكنه أيضاً غير مستعد، كما يحثه معسكر المستوطنين الثاني، للمسارعة إلى الضم الفوري. لماذا يسارع في ذلك؟

عندما تنتهي ولاية ترامب البائسة، ينوي ننتنياهو اتهام المستوطنين بالمسؤولية عن تفويت الفرصة التاريخية. وهذا سيكون دليلاً آخر على أنه هو فقط الجدير برئاسة معسكر اليمين.

بقلمانشل بابر

هآرتس 3/6/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية