كي لا تتكرر التجربة الأردنية: كيف توظف إسرائيل سلامها مع العرب لكسر شوكة الفلسطينيين؟

حجم الخط
1

يعاني البحث في الاتفاقات بين إسرائيل والدولتين الخليجيتين، وبغياب اتفاق موازٍ مع الفلسطينيين، من إخفاق في التمييز بين طريق المصالحة لليسار السياسي وطريق التفوق الاستراتيجي لليمين السياسي.

فاليسار يكفهر وجهه في ضوء اتفاق لا يسير على طريق المصالحة أو إعطاء شيء ما. وعليه، فإنهم يشيرون برضى سخيف إلى تعليق السيادة أو يحذرون من الطائرات المتملصة. صعب على اليسار أن يرى تبدد حق الفيتو الفلسطيني على دخول إسرائيل من البوابة الرئيسة إلى المنظومة الجغرافية الاستراتيجية لغربي آسيا وشمال شرق إفريقيا.

وبالمقابل، ثمة يمينون ينظرون بقلق على تجدد حلف محتمل بين إسرائيل وأسياد الفلسطينيين السابقين. وبرأيهم، بدلاً من تعزيز قوة إسرائيل، ثمة تخوف من أن تورطها الاتفاقات مع حلفاء خونة يشبهون الأردنيين أو المارونيين. ويثير تعليق السيادة خوف اليمين من ألا يكون مؤقتاً، بل بنيوياً: فإسرائيل ستكون مطالبة بالامتناع عن حسم صراعها ضد الحركة الوطنية الفلسطينية التي تبيت لها النوايا السيئة. وقبل ذلك، لوحت المؤسسة الأمنية بتخويفات عابثة على مصير الاتفاق مع الأردن في ضوء السيادة على الغور. والآن دول الخليج، ولاحقاً السعودية أيضاً، وستضاف إلى المعالجة لتكبل أيدي إسرائيل في التصدي للتهديد الفلسطيني.

إن الإخفاق الذي هو في نزعة المصالحة السياسية أحادية البعد لدى اليسار يظل سهلاً على التشخيص. فالإخفاق موجود في الفرضية المغلوطة بأن إسرائيل “قوية بما يكفي”، وعليه فليس هناك من يحملها على الموافقة على شروط تسمح بالسلام مع الفلسطينيين. أما الآن، ويا للويل! فإنها تقوى أكثر فأكثر. من سيخرجها من براثن الاحتلال، حين تكون دول عربية مهمة تتوجه إليها لمساعدتها؟ من سيصالحها مع الفلسطينيين حين يكون ترامب أكثر تشدداً تجاههم منها؟ ومن سيعرف إذا ما فاز بايدن؟

أما الحقيقة فمعاكسة: إسرائيل غير قوية بقدر يكفي لاقتلاع أمل الفلسطينيين الهدام. المطلوب هو تعظيم قوتها من خلال قطعهم البري عن الخلفية الاستراتيجية. فلم يحرم الفلسطينيون بعد من إمكانية أن يلغوا في المستقبل، من خلال الهجرة الجماعية، تعريفنا الذاتي. لعلنا نتمكن في المستقبل من مصالحتهم، ولكن إذا ما تحقق تفوق استراتيجي، يحرمهم للمدى البعيد من كل إمكانية لتقويض إسرائيل. نحن ملزمون بأن ننتصر في المعركة التاريخية ضدهم. أما اليسار الصهيوني فيعتقد مخطئاً أننا انتصرنا فيها، وأنه لم يتبقَ سوى مصالحتهم. وهذا خطأ قديم يعود إلى نهايات حرب الأيام الستة. وآباؤه كانوا موشيه سنيه، وبنحاس لافون، ويشعياهو ليفوفيتش، وعاموس وعوز ويعقوب تلمون.

أما الإخفاق في تفكير بعض من اليمين السياسي فمختلف؛ فهم يفهمون بأن من الحيوي تحقيق تفوق استراتيجي من خلال فاصل بري وإلغاء الفيتو الفلسطيني على علاقات إسرائيل في المنطقة. وعليه، فإنهم يفهمون مساهمة الاتفاقات مع دول الخليج. ولكن عليهم أن يفهموا بأن تحقيق التفوق ليس نهاية مطلقة. إسرائيل ملزمة بعزل الفلسطينيين سياسياً من خلال العودة أيضاً إلى خطة الحكم الذاتي التي طرحت في خطة ترامب تحت عنوان “دولة”، دون المس بالمستوطنات أو بنظامنا الديمقراطي.

هذا لا يفهمه كثيرون في اليمين. فخطة ترامب مهددة في نظرهم لدرجة أنهم تجندوا لإحباط السيادة على الغور والمستوطنات، التي هي في نظرهم أيضاً مصلحة إسرائيلية مهمة، وذلك لأن السيادة ربطت بخطة مشروطة لإقامة “دولة ناقص” فلسطينية. فمعنى خطة ترامب هو قطع كل أمل في التراجع إلى الوراء عما تحقق في أيار 1948. وتنفيذها سيشفي الفلسطينيين من آمالهم الهدامة، بعد أن تثبت سيادة إسرائيلية لا جدال فيها في غور الأردن غرباً حتى طريق “ألون”، ويفتح باباً مشروطاً لحكمهم الذاتي في ضوء الحكم الذاتي لبيغن وبالمشاركة مع الأردن.

صحيح أن هناك أساساً للتخوف من امتناع حلفائنا الجدد عن نتصدى بنيوياً بهذا الشكل مع التهديد الفلسطيني، وصحيح أن من الحيوي ضمان تعزيز التحالفات بهدف تقوية إسرائيل لا إضعافها، ولكن اليمينيين ملزمون بأن يفهموا بأن لنا مصلحة في بألا يكون الإرهاب هو المسار الوحيد المفتوح مع الفلسطينيين. ومن أجل أن ننتصر عليهم، يجب أن ندمج بين السيادة على الغور والمستوطنات الآن وبين صمام ضغط في شكل وعد بحكم ذاتي قد يفاقم وضعهم إذا رفضوه.

بقلم: آفي بار-ايلي

 إسرائيل اليوم 23/9/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية