ليس للجرح الملتهب الذي يسمى “قطاع غزة” أي سبيل للإشفاء، فهو معنا منذ نهاية حرب التحرير. كل محاولات التصدي له فشلت. لقد كان موشيه دايان بين البارزين في قائمة طويلة من العسكريين ممن اعتقدوا بأن لديهم حلاً جيداً، وآخرون كثر جاءوا بعده. عشرات آلاف العرب ممن اندفعوا إلى هناك من الأماكن التي احتلها الجيش الإسرائيلي في أثناء الحرب أصبحوا “لاجئين” إلى الأبد؛ عملياً، إلى أدوات لعب في أيدي المحافل الدولية.
ملايين اللاجئين في كل أرجاء العالم أعيد تأهيلهم منذئذ، بينما بقي الغزيون في وضعهم هذا. منظمة لاجئين خاصة (الأونروا) تشكلت لهم ولأجلهم، ولا أحد معني بحلها، فهي توفر مصدر رزق لآلاف الأشخاص، ولا يمكن القول بأن الوضع بقي ثابتاً. فمنظمات إرهابية مختلفة سيطرت بين الحين والآخر على القطاع، وفي كل مرة لم تتغير سوى الأسماء.
لم يرغب المصريون على الإطلاق في غزة، لقد حاول بيغن أن يفرض على السادات تلقي المسؤولية على القطاع في إطار اتفاق السلام، ولكنه رفض. كل مجالات سيناء أعيدت إلى مصر، وبقي القطاع كالشوكة في حلقنا. في إطار خطة القرن للرئيس ترامب هناك محاولة لجعله جزءاً من الدولة الفلسطينية من خلال شيء ما يسمى “الممر الأمن”، ولكني لا أرى كيف يمكن لمثل هذا المبنى أن يعمل. ما سيحاولون عمله، برأيي، من خلال “الممر الأمن” هو نقل مجالات عملهم إلى الضفة أيضاً.
كل هذه حقائق لا يمكن الكفر بصحتها، ومع ذلك تصعد مسألة الحل إلى العناوين الرئيسة في كل حملة انتخابات. من ليس وراء دفة الحكم يطلق الوعود، ولكن الجميع يعرف بأنه لا حل حقيقياً هناك. حملة أخرى ودخول بري آخر لن يجديا نفعاً. الكل يعرف هذا، ومن الأفضل لسكان الغلاف أن يتعلموا كيف يتعايشون مع انعدام الحل البنيوي هذا.
رفاه اقتصادي يؤدي إلى هدوء محدود، والقطريون يواصلون تحويل الأموال بدلاً من أبو مازن الذي منعها عن القطاع بسبب خصوماته مع حماس، ولكن حتى هذا ليس بحل. عملياً، كما أسلفنا، لا يوجد حل. جربت إسرائيل كل شيء حتى الآن. رابين وبيرس سلما السيطرة في القطاع لياسر عرفات، ولكن هذا لم يجد نفعاً. ارئيل شارون واصل الطريق ذاته وطرد من غوش قطيف آلاف العائلات اليهودية.
منظمات الإرهاب تواصل عادتها، ولا يوجد أي سبيل لإبعادها من هناك، مثلما هو الوضع في جنوب لبنان. إيهود باراك أمر بانصراف الجيش الإسرائيلي من هناك وتسبب بتطوير منظمة إرهابية عنيدة مع أكثر من 100 ألف صاروخ بعضها دقيق بشكل رهيب. حزب الله يجلس في هذه اللحظة بهدوء بالتأكيد ليس بسبب مخاوفه من القيادة الإسرائيلية الحالية، إنما إذا ما أراد الإيرانيون فكل شيء سيحصل.
ما يعيدني إلى بداية الحديث، لقد مللنا سماع كل أولئك الذين يعدوننا بأن لديهم حلاً. كثيرون وطيبون وعدوا في الماضي الأمر ذاته وفشلوا. فلا يمكن إيقاع الهزيمة بمنظمات الإرهاب، ولا يوجد سبيل للضغط عليها، فمصير السكان المدنيين لا يهمهم. والأمريكيون تعلموا هذا. ويمكن سحق رأس آخر تلو آخر، ولكن الجسد يواصل إنتاج الرؤوس الجديدة. كما أن أعمال الرد لا تساعد إلا للحظة، وهذا أيضاً ليس حلاً.
يقودني هذا إلى منطقة الأمور التي كتبت حتى هنا. لا يجب التنازل حتى ولا عن شبر واحد من الأرض من غربي نهر الأردن. على الجيش الإسرائيلي أن يسيطر على كل الأرض والبلدات المدنية ويجب أن تكون جزءاً من منظومة الدفاع. لا سبيل آخر لضمان سلامة السهل الساحلي ومنع دخول منظمات الإرهاب المسلحة بالصواريخ إلى يهودا والسامرة.
بقلم: د.حاييم مسغاف
معاريف 23/2/2020