منذ دوري عام 2014 الذي حصده نادي العاصمة الأحمر أتليتيكو مدريد، باءت محاولاته المتكررة في معانقة المجد بالفشل. ولا يمكننا الحديث عن ‘الروخي بلانكوس’ دون التطرق للأرجنتيني دييجو سميوني، أسطورة الفريق كلاعب وصاحب الفضل الأكبر كمدرب. الأب الروحي للاعبيه، وصاحب الشخصية القوية والفائزة التي وضعت الحُمر على خارطة أندية العالم الأكبر خلال السنوات العشر الأخيرة. فلولا سميوني لما وصل أتليتيكو لنهائي الأبطال مرتين وفاز الدوري المحلي مرتين وفاز الدوري الأوروبي مرتين وكأس السوبر الأوروبي مرتين وكأس الملك وكأس السوبر الأسباني مرة واحدة بإمكانياتٍ متواضعة فُرضت عليه خلال فترة عمله في العقد الأخير.
ومنذ تولي سميوني لمهامه لحين موسم 2019/20 لا أذكر أنه قام باستقطاب نجومٍ عالمية من نوادٍ كبيرة، أو أنه صرف أموالاً باهظة من أجل لاعبٍ واحد كما نرى اليوم في عالم المستديرة. فهو من أخرج أمثال جريزمان وجودين وكورتوا ودييغو كوستا وفيليبي لويس وفالكاوو إلى العالمية وجعل منهم نجوماً في مسارح أوروبا. فأتليتيكو مدريد لا يملك إمكانيات برشلونة وريال مدريد المادية التي تسمح له بشراء صفوة النجوم من أندية العالم الأضخم، لكنه يملك دييغو سميوني، الرجل الذي استثمر في الإمكانيات المتاحة له وأخرج عصارة قدرات لاعبيه بعد أن نجح في توظيفهم بأفضل صورة. قد لا يقدم سميوني كرةً جميلة أو ممتعة بأسلوبه الدفاعي التقييدي المعهود. لكنه وبفضل شخصيته الملهمة نجح ببناء الأتليتي الذي نعرفه اليوم.
قبل بدء منافسات الدوري الإسباني لموسم 2019/20 ألقى قائد نادي برشلونة الأول ليونيل ميسي خطاباً أمام جماهير النادي في الكامب نو في مباراةٍ تحضيرية للموسم الجديد. وفي إحدى الأسطر كان يعبر عن حزنه لشكل خروج ناديه من بطولة دوري أبطال أوروبا في الموسم الذي مضى، لكنه أكمل بقوله «علينا تقدير إنجازنا المهم بتحقيق لقب الدوري الإسباني، وهو اللقب الثامن في أحد عشر عاماً! فهو إنجازٌ مهول لأي نادٍ في العالم، ولنا أيضاً، فنحن حققنا لقباً كبيراً. يمكن ألا نقدر قيمة هذا الإنجاز الآن، لكننا في السنوات القليلة القادمة سنلاحظ كم كان من الصعب تحقيق ما وصلنا إليه.» كلمات كهذه، هي مميزة وذو مغزى كبير بالفعل، خصوصاً وأنها آتية من ليونيل ميسي. إذ ذكرني بمعاناة سميوني ورجاله بتحقيق لقب الدوري المستعصي. فتمكنوا من الوصول لبعيد على الصعيد الأوروبي تكراراً، لكنهم لم يفلحوا بتحقيق لقب الدوري المحلي سوى مرة واحدة وبشق الأنفس في موسم 2013/14، وهو الموسم الذي كان كبار الإسبان برشلونة وريال مدريد يمران بفتراتٍ انتقالية وعدم استقرار إلى حدٍ كبير.
ومع ارتفاع جودة كرة القدم وازدياد حرفية لاعبي الأندية المنافسة على الدوري الأسباني، مرّ سبعة مواسم طوال حتى أن عانق الروخي بلانكوس لقب الدوري المحلي مرةً أخرى. فكان موسم 2020/21 شاق ومرهق بالنسبة لسميوني ورجاله، إذ نجوا بأعجوبة في عدة مراحل من التفريط بالصدارة لإحدى الغريمين التقليديين.
الفضل بالطبع يذهب لسميوني ولحسّه التكتيكي العالي الذي استغله لبناء منظومة صلبة، قادرة على مواجهة أصعب المواقف الفنية والنفسية. لكن الفضل الأكبر يذهب للسكينة الفتّاكة والأفعى اللادغة التي افتقدها سميوني منذ رحيل راداميل فالكاو، لويس سواريز.
لا يمكن وصف موسم سواريز سوى بالاستثنائي. فرغم كبر سنه وثقله على أرضية الميدان، إلا أن الذهب لا يصدأ بالفعل، فهو من أعظم هدافي كرة القدم عبر التاريخ. فمسيرته في برشلونة أبعثت فيه الروح من جديد بعد حادثة العض الشهيرة عام 2014. فبعد أن أبدع في الدوري الإنجليزي مع ليفربول، جاء إلى الدوري الإسباني وأمضى أفضل فترةٍ في مسيرته الكروية مع برشلونة لمدة 6 مواسم، شكل فيها أفضل وأمتع ثلاثي هجومي عرفته المستديرة مع ميسي ونيمار “MSN”، وفاز بالحذاء الذهبي الأوروبي عام 2016، منهياً بذلك هيمنة رونالدو وميسي عليها، ووضع اسمه في المركز الثالث بقائمة ترتيب هدافي نادي برشلونة عبر التاريخ. إلى أن جاءت إدارة دنيئة للنادي الكتالوني، أرادت التخلص من سواريز بأي شكلٍ كان بسبب ارتفاع مرتبه السنوي الذي اقترحته هي بالأساس! إلى أن تخلصت من سواريز دون مقابل لغريمهم المباشر في الليغا أتليتيكو مدريد. النادي الذي قال مدربه سميوني لإدارته «هل هذا سؤال؟» حينما عرض عليهم لويس سواريز في الصيف الماضي.
لم تعجب لويس طريقة وأسلوب مغادرته لفريق الكتلان الذي أمضى فيه أفضل مراحل مسيرته، فذهب إلى أحمر العاصمة، حاملاً معه عُصارة خبراته وقدراته الفنية للانتقام من إدارة نادي برشلونة التي أنكرت الجميل. فسجل 21 هدف وصنع 3 في 37 مباراة، لكن الأهم ليس هنا. الأهم أن أهدافه عادةً ما حسمت الفوز بفارق هدف وحيد بالدقائق الأخيرة لفريقه، فكان دائم الحضور خاصةً في المباريات المستعصية، إذ أن آخر 16 هدف سجله في الدوري أكسب فريقه 21 نقطة في جدول الترتيب! هذا الرقم هو إنجاز مهول وتاريخي بحد ذاته، يجعلك تقف للحظة وتقول أن لويس سواريز هو من حقق الليغا الإسبانية وليس أتليتيكو مدريد!
فهل كان الروخي بلانكوس قادراً على تحقيق إنجازٍ كهذا دون وجود هدافٍ عظيم بحجم سواريز بحوزتهم؟! وهل كان لويس سواريز هو الجوهرة الضائعة التي افتقدتها كتيبة الحمر طوال السنين الماضية؟