بيروت ـ «القدس العربي»: لطيف أن يتيح الفن لقاء بين زوجين، حينها يتحقق لهما اختباراً مزدوجاً. فالتمثيل يتطلب التجرد من الانفعالات الخاصة، للدخول في متطلبات الشخصية المرسومة على الورق، والمعدّة في بال المخرج. سيرينا شامي وفؤاد يمين ثنائي في الحياة منذ سنوات، ولأول مرّة يتواجهان على خشبة المسرح. «خلِّيا بَيناتنا» عرض مسرحي جمع الثنائي. أما في الواقع فهما شخصيتان فنيتان معروفتان، وإن كان فؤاد علّم جيداً في الأذهان لتقديمه برامج تلفزيونية عدّة.
في «خلِّيا بَيناتنا» سجّلا نجاحاً مميزاً، والعروض تشهد اقبالاً كبيراً. رأى الفنانان أنهما حيال «قصة زغيرة» كما جاء في الكتيب، لكنه في الواقع تبسيط قد يكون مقصوداً من قبلهما أو لا يكون. فالـ»قصة زغيرة» وكبيرة بما فيه الكفاية. عرض مسرحي أسهب في تشريح النفس وصلتها بالجسد. ومع كل فصل جديد من المسرحية كان حضور فرويد يزداد إلحاحاً. إنه الـ«ليبيدو» وما يصنعه ماضينا منذ الطفولة في حاضرنا، والتالي من أيامنا.
في «خَلِّيا بَبناتنا» وصلت الحالة التي يعيشها «ميشال» إلى حدود كبرى من الضعف الذي قاله كلاماً، وبثّه جسده بكل إرهاصاته. بدت حالته الذكورية منهزمة ومكسورة. في حين تمتعت شخصية «سما» بسلاسة وانسياب وحرية في التعبير، قبل أن ترفع الغطاء عن سرٍّ يؤلمها. يُحسب لفؤاد يمين الممثل والفنان ويُسجّل في تاريخه، الدور الرائد الذي رضي فيه عن سابق تصور وتصميم، إنها الهشاشة في صورته الذكورية. والسبب أنه كان بمواجهة «سما» أو سيرينا شريكته في الحياة.
فؤاد وسيرينا أو «ميشال وسما» كل منهما يحمل ندوباً من الحياة بشكل أو بآخر. إنها المآزم التي تزرعها في الشخصية احتكاكات غير مقبولة في مرحلة الطفولة. تنمو وتكبر وتؤسس لصراعات على مستوى الحياة الجنسية. هذا ما تصدى له فؤاد وسيرينا، وتركا الجمهور يتفاعل مع رسائل بالجملة والمفرق وردت في العرض، ووصلت إلى المتفرجين دون افتعال. والسؤال هل يهدف الزوجان والممثلان الشابان لشطب تعبير «خَلِّيا بَيناتنا» من لغة التداول؟ وكم هذا ممكن كي تبرأ النفوس المقهورة؟
إذاً بلغة مسرحية بسيطة وعميقة في آن تواصل العرض المسرحي، مستعيناً بديكور مرن وصالح للتحوُّل السريع. إلى جانب أصوات مسجّلة مسبقاً لشخصيات غير مرئية على المسرح. نجح الزوجان والممثلان وكان الجمهور أمام عرض يقول برفع التابوهات والتداول المباح بكل ما يعني أجساد البشر، وخاصة منها المفيد والضروري للأطفال والمراهقين.
مع فؤاد وسيرينا هذا الحوار:
○قصدنا مسرح المونو وفي بالنا أنّ فؤاد وسيرينا سيضعان على الخشبة بعضاً من تجربتهما. كان الموضوع مختلفاً وصعباً. لماذا؟
•سيرينا: تتكرر ردة الفعل نفسها. كثُرٌ كان العرض بخلاف توقعاتهم. عديدون استعملوا تعبير أبعد وأعمق.
فؤاد: هذا العرض المسرحي أوحى به خوفنا على طفلنا وسيم ورغبتنا بحمايته. تجاربي خلال طفولتي تركت أثراً مزعجاً في حياتي، ولهذا صار الموضوع متداولاً بيننا. عندما كنا بصدد هذه المسرحية، كنا نعرف مسبقاً أننا سنتطرق لموضوع التربية، دون تحديد شكل تناوله بوضوح.
○تقنياً ماذا تعني الفصول في المسرحية؟
•فؤاد: تشكل الانتقال من مشهدية إلى أخرى بالزمان والمكان والحالة. هذه المسرحية كانت تحتاج لفصول كونها تمشي عكس السير، تبدأ من النهاية وصولاً إلى البداية. شكّل الفصل الأول والثاني شرحاً للحالة الدرامية. وشكّل الفصل الثاني الحدث المفصلي، فيما عاد الرابع إلى البدايات.
○عبّرتما عن سروركما خلال كتابة وإعداد المسرحية. ما هو السبب؟
•سيرينا: حلمنا القديم فؤاد وأنا أن نكون في عرض مسرحي معاً، شرط أن يكون ملكنا بكافة تفاصيله. وهكذا كان عرض «خَلِّيا بَيناتنا» شغلنا مئة في المئة. حققنا الحلم، فنحن معاً نفضل المسرح على كل ما عداه من فنون. والآن ساعدتنا كافة الظروف لنخوض معاً مغامرة جميلة.
○هل يمكن اختصار النقطة الدرامية للعرض بـ «أ+ب=تفاحة»؟
•فؤاد: «أ+ب=تفاحة» يشكل الركيزة الدرامية لأية قصة. الدراما تفترض وجود صراع، بدونه لا يكون للقصة موضوع. هذه هي القصة بشكل مبسط.
○أين التبسيط وأنتما تخوضان في المآزم الإنسانية الأشد والأصعب. أعني البشر والجنس؟
•فؤاد: الحياة الجنسية للبشر موضوع متداول على صعيد العالم أجمع. ولأنه كذلك رغبت مع سيرينا بدخوله من جانب غير متداول وغير معروف بشكل واسع بين عامة الناس. أحد الشخصيتين يخاف النساء. والآخر يعرض خدماته.
سيرينا: فؤاد ينظر إلى الأمور من زاوية تطرح الكثير من الأسئلة. ابتكر شخصية «سما» التي يصعب إيجادها في الحياة. إنها شخصية تؤمن أن ما تقوم به هو خدمة وقضية.
○لـ»سما» صدمتها البليغة و«ميشال» يبحث عن الانتقام. كم استعنتما بفرويد لضبط النص؟
•سيرينا: نحن معاً نهتم بالبسيكولوجي، وخضعنا لعلاج. البسيكولوجي موجود في حياتنا دائماً. كما أننا نطالع كتباً خاصة بسيكولوجية الطفل، فنحن أهل. ومن شأن البسيكولوجي أن يساعد الممثل.
○ما هي الرسالة التي أردتما ايصالها من خلال شخصية «سما» و«ميشال»؟
•سيرينا: «سما» لديها قضية اجتماعية غريبة ومرفوضة من المجتمع. وصلتنا أصداء من المتفرجين أنهم يقفون بجانبها عندما تتكلم «لأنها تقنعنا». وكذلك «ميشال» يُقنع عندما يتكلّم. إذاً كل منهما قادر على أيصال وجهة نظره واقناع المتفرجين بها، لكونه مقتنعاً بما يفعله ويقوله.
فؤاد: «ميشال» حالة اجتماعية موجودة، لكن المسرحية ضخمتّها لعشر مرّات إضافية. برأي انعدام التربية الجنسية في المدارس ترفع من نسبة الشباب الذين يهابون حتى الحوار مع زميلاتهن في الصف. هذا التغييب لموضوع التربية الجنسية يؤدي للبحث عن معلومات وصور من مصادر غير صحية، ما يساهم بانطواء هؤلاء الشباب. أو هم يعبرون بأسلوب سوقي وغير أخلاقي. شخصياً عندما تركت قريتي بيت شباب إلى معهد الفنون في بيروت عشت صدمة ثقافية، نتيجة الفرق الشاسع في العلاقات بين الجنسين مقارنة بما هو الحال في مسقط رأسي. عندما كنت اُعجب بصبية انطوي على نفسي بدل التعبير لها عن مشاعري. إذاً «ميشال» موجود وفي العرض المسرحي أضفنا له حالة كاريكاتورية، وضخمنا تعثره.
○كم يساعد هذا العرض الآتين من الأطراف إلى بيروت خاصة للدراسة؟
•فؤاد: لم يكن المسرح يوماً باباً للحلول. إنما برأي أن من يحضر العرض سيتماهي بشكل غير مباشر مع الشخصية. أنا من كتب النص، وكل كاتب يضع منه في نصه ولو قليلاً، ودون شك عندي بعض من «ميشال».
○هل يؤكد علم النفس بأن «سما» يمكنها الشفاء من السر الذي يوجعها؟
•سيرينا: يقول المعالجون النفسيون نعم يمكنها. ويقولون بامكانية أن يتقبل الفرد ما مرّ به، ويتعايش معه من دون أن ينساه. ليتنا نصل إلى ممحاة تزيل الوجع النفسي. بعد العروض الأولى حدث تبديل في النص. منها جملة الحكواتي حين يسأل «ميشال» هل أنت قادر على مصالحتها؟ يجيب «أكيد لا». وتمنيت في العرض «بلكي بموت وبطل فكر بالشي اللي بيوجعني كتير». إلى أن جاءت صبية لتخبرنا أنها كانت بصدد الانتحار أكثر من مرّة للتخلص مما يوجعها. لكنها قالت لا أريد الموت أريد الحياة. لهذا بدّلنا ذلك التمني في العروض التالية. وهكذا باتت سما تقول: «لحظة بدِّي عيش كيف بتقرروا عني؟ كل حياتي تمنيت الموت لأتمكن من عدم التفكير باللي بيوجعني.. هلق قررت بدي عيش».
○وصل عرض «خَلِّيا بيناتنا» إلى المسرح عبر ورشة تعاون عائلي. ولأول مرّة نجد هذا التوقيع؟
•فؤاد: نعم هو تعاون عائلي. سيرينا وأنا مثلنا وأخرجنا. وأخي نفّذ التصميم، وزوجته أنجزت البوستر. وأخو سيرينا أدى صوت الحكواتي. ووالدي نفّذ السينوغرافي. وتلقينا مساعدة بعض الأصدقاء. نعم العرض «شغل عيلة».
سيرينا: منزلنا كان مسرحاً للتمارين. والصوفا على المسرح من بيتنا. نحن محاطون بموهوبين يعملون بالفن بشكل أو بآخر، وكانوا على أتم الجهوزية لمساعدتنا. الدعم العائلي لنا دائم والحمد لله.
○والإنتاج بالكامل لكما؟
•سيرينا: كان قرارنا البدء بعمل مسرحي صغير يكون من إنتاجنا.
○وما هو دور وسيم؟
•فؤاد: ما نقوم به لأجله. ساعدنا في تركيب الإضاءة وأسهب في وضع اللاصق حيث ما رغب.
○سمعتك تقول في نهاية العرض أن الحجوزات جيدة. هل هو فعل إعلام؟
•فؤاد: لأسبوعين مقبلين الحجوزات شبه كاملة والحمدلله. هو دور الإعلام والترويج التقليدي من الفم للأذن. في المسرح الترويج التقليدي فاعل. ولا شك بدور التلفزيون في مرحلتنا الحاضرة خاصة وأننا معاً معروفين من خلال الشاشة الصغيرة.
○ندخل إلى الشخصي. كم تساعد روح المرح على تبديد التشنجات الزوجية الكلاسيكية؟
•سيرينا وفؤاد معاً: أكيد تشكل عاملاً إيجابياً ومساعداً.
فؤاد: الفلسفة التي اعتمدها أن الضحكة والمزحة تُخفف وطأة الكثير من الأمور. الحياة بشكلها العام قاسية في الحروب والمرض والموت. فعل الضحكة يشبه فعل الماء الذي يسري بشكل دائم على الحجر فيملّس أطرافه. سيرينا وأنا نعمد دائماً لتنعيم أطراف القصص الكثيرة الحادة. ونؤمن من خلال الشراكة الزوجية بأن يُخفف واحدنا عن الآخر عند الضرورة. ننفذ هذه القناعة جيداً، باستثناء لحظات «بنكِّد فيها عيشة سيرينا». عندها «بتفلت القصص شوي».
○هل تتشاركان المسرح لأول مرة؟
•سيرينا: سبق ومثلنا معاً في مسرحية «بستان الكرز» لكارلوس شاهين. وهذا يعود لحوالي سبع سنوات. ونحن معاً في فيلمين سينمائيين لم يُعرضا بعد. وكنا في مسلسل معاً بدون أن نلتقي.
فؤاد: «خَلِّيا بَيناتنا» عمل خاص ناص بنا ولأول مرة. نحمد الله لنجاحنا واقبال الجمهور على العرض. والبناء على هذا النجاح ضروري. وقد بدأنا البحث بالتالي.