لارا سابا: الفيلم كوميدي بامتياز ويسجّل موقفاً من الليبرالية المتوحشة فكان الهروب إلى الريف

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«ع مفرق طريق» يقع في إغراء وادي
قنوبين ويقدّم صورة بدون عقد للراهبات

بيروت ـ «القدس العربي»:  إلى حالة الفرح التي ينثرها فيلم «ع مفرق طريق» بين الحاضرين في صالة الفرجة، فهو يتضمّن مواقف لقلة من شخصياته شكّلت رافعة وسنداً كان ضرورياً للكوميديا لايت التي يتصف بها. فيلم من توقيع المخرجة لارا سابا التي تركت أثراً واعداً عندما قدّمت فيلمها الطويل الأول «قصة ثواني». وفي فيلمها الثاني الطويل إنحازت سابا للريف والجبال اللبنانية الجميلة. هناك تشكّلت صورتها الغنية بما يختزنه وادي قنوبين من إغراء مفرط للكاميرا.

إلى الصورة المميزة اخترقت لارا سابا سياجاً منصوباً حول الراهبات وحياتهن في الدير، فإذا بهن بشر يُشبهننا. بشر يتغزّلن بالـ»شب الحلو». يدعونه للإقامة في غرفة في الدير. يتعايش الجميع في أجواء «كول» بعيداً عن العقد. راهبات يباركن ويشجعن عاطفة صادقة نمت بين صبية وشاب. يعملن في الأرض ويحصلن قوتهن بعرق جبينهن.
«ع مفرق طريق» يعطي للراهبات مساحة مميزة وحرّة. هنّ اللواتي بدأن بتصغير نجومية النجم الذي التقينه صدفة، وإعادة رأسه ليتموضع على كتفيه. وهنّ من يمسكن على الدبكة. يشاركن الجميع في قطاف التفّاح. كذلك حال الأبونا الذي «يكرع كاس العرق مقفّى» رغم ترداده لقول السيد المسيح «قليل من الخمر يفرح قلب الإنسان». ولا يتردد الأبونا كذلك عن المشاركة بالدبكة. حالة في وادي قنوبين تُظهر تسامحاً دينياً ورحابة صدر كنسي.
وإلى الصبية الآتية من فرنسا لتداوي ذاتها من أزمة نفسية ولّدها عملها في تصفية المؤسسات المتعثّرة، حيث شكلت نموذجاً لجيل جديد بدأ يعي خطورة الليبرالية المتوحشة. في وادي قنوبين حاولت تلك الصبية أن تطهّر وراحت تبحث عن عمل «ما بيدمّر حدا». واجتهدت بحثاً عن حلٍ لموسم التفّاح لتفادي تكسير التجار لسعره دون اهتمام بحال المزارع وخسائره.
لارا سابا قدّمت كوميديا خفيفة وبسيطة وبعيداً عن الإدعاء. صورة فيلمها نقلت وستنقل للمتفرجين المجهول من وطننا المنشغل بحروبه الصغيرة والكبيرة. والصورة الأهم تتمثل في العودة إلى الريف بعيداً عن طاحونة الليبرالية القاتلة.
مع لارا سابا هذا الحوار:
○ قارن البعض بين «قصة ثواني» و«ع مفرق طريق» وإذ بالترحيب القديم يتراجع. ماذا تقولين؟
•لماذا يُرفض فيلم يتوجه للجمهور العريض؟ العكس هو الصحيح، يمكننا تقديم سينما مشغولة بحرفية وتتوجه للجمهور العريض. نقد اتقبله بابتسامة عريضة.
○ وهل التوجه للجمهور العريض بات تُهمة أو سُبة؟
•مطلقاً. بالنسبة لي مخاطبة الجمهور العريض تؤتي ثمارها سريعاً. فإن هو غادر الصالة بسلاسة وانسياب وفكّر بمشاكل مزارعي التفاح، والطبيعة الجميلة والاهتمام أكثر بالأرض، فهذا يعني تصالح هذا الجمهور، الذي يحمل ذكريات غير إيجابية عن بلده، مع كل بقعة من هذا الوطن فهذا جميل. وهنا لست أعني الطبيعة فقط، بل الناس وكرمهم وحبهم للآخر. إن أثّرت تلك المشاهد بالمتفرجين وتركتهم يخرجون من الفيلم مبتسمين فهذا جميل.
○ العروض الأولى للفيلم كانت في مهرجان البحر الأحمر في السعودية. فكيف كان الاستقبال؟
•بعد عرض الافتتاح شاهدت الفيلم وأنا بين الجمهور، فلمست التفاعل الكبير المقرون على الدوام بالابتسامة. وهذا بحد ذاته جيد.
○ قدمت الراهبات كما الناس الاختلاف الوحيد في مكان العيش. هل كانت استشارة لمرجعية كنسية بشأن الفيلم ككل؟
•بالتأكيد جرى ذلك. بداية قررنا أن يكون ثوب الراهبات لوناً وشكلاً غير معتمد لدى أي من الرهبانيات اللبنانية. على مدى الفيلم لم يتناول أي مشهد إيمان الراهبات أو شعائرهن الدينية. عندما تستقبل الراهبات الشاب الآتي إلى منطقتهن في إحدى غرف الدير يحاولن التكتم على الأمر، وبالنهاية لا يجدن ضرراً في الإعلان. فمن المعروف أن الرهبنة تفرض التزامات في إطار العفة والفقر والطاعة. تلك الراهبات لم ينكثن بالالتزام الذي تعهدن به. بالنهاية هنّ نساء حرّات قمن بما وجدنه مناسباً دون إذن أحد. ورعين قصة حب ناشئة لتصل إلى حيث يجب. وعندما كُتب السيناريو بشكله النهائي تواصلنا مع الأب فريد صعب من بكركي وطلبنا منه قراءته وابداء رأيه. وافق المركز الكاثوليكي للإعلام على السيناريو، ومن ثمّ بدأ التصوير.
○ اخترت لرقص التانغو والاحتفاء بالجسد الأخت غابي. هل كان اختياراً محسوباً؟
•أدت الدور الممثلة ميرنا مكرزل. تلك الراهبة رأت الضيف الممثل يرقص، وراحت تقلّده عندما اختلت بذاتها، وفتحت ذراعيها للرقص والهواء. في هذا المشهد تحوّل الجسد لأداة فرح. يشكل مشهد الرقص تعبيراً عن الحرية حتى لو استنجدت الراهبة في ختامه بأحد القديسين الذي واجهتها صورته. فمن شأن الرقص أن يمنح الجسد حرية للتواصل مع المساحة والمكان المحيطين به. اختيار ميرنا مكرزل لم يكن مقصوداً. مساحة السيناريو المخصصة لكل من جوليا قصار وبيتي توتل كان لها أثرها الدرامي. وكنّا نعرف مسبقاً أن مساحة سينيا كرم وميرنا مكرزل أقل، ولكونهما أكثر تزمتاً سعينا ليكون لكل منهما كاراكتير. وفي الحقيقة أن رقص التانغو الذي أدته ميرنا مكرزل ولد في موقع التصوير.
○ هل يمكن ذكر المشاهد التي ولدت في موقع التصوير إضافة لرقص التانغو؟
•شغلتني المساحة الإضافية التي وجدتها ضرورية للممثلتين ميرنا مكرزل وسينيا كرم. فكانت ميرنا في رقص التانغو، وسينتيا في رفضها تشويه النوتا في غناء بيتي توتل. ومن ثم تأتي بيتي توتل لقمع سينيا كرم خلال غنائها بالقول «كلكن صرتوا مطربات هلق»؟ ومن ثمّ تدخل الكنيسة وتغني للسيدة العذراء. إذاً الراهبتان الأكثر تزمتاً تغيرن تماماً كما تمكنت الراهبات جميعهن من تغيير الشاب الذي استقبلنه في الدير.
○ الصبية الهاربة من توحش الليبرالية في فرنسا ربى زعرور اعطيت مساحة ملموسة جداً كيف رُسمت تلك الشخصية؟
•وجدت تلك الشخصية كداعم لحضور البطل. لم يكن ممكناً أن تكون شخصية من دون بعد بسيكولوجي، وبدون أن تكون لها سرديتها وإن مختصرة. كأم أفكر بالعالم الذي سأتركه لإبنتيَ، هل هو عالم المراهقين الذين يتبادلون «البولينغ» وبالنهاية يذهب بعضهم للانتحار؟ نحن نُدفع إلى عالم متوحش لا نحبه. ولهذا ترك بعض من سكان أوروبا أعمالهم في المدن، وقرروا الاستقرار في الأرياف. إنه البحث عن حياة مختلفة تتسم بالهدوء، والقناعة بالعيش مع امكانات مادية أقل ونوعية حياة أفضل. المشهد كان صغيراً لكنّ بعده كبير.
○ لماذا تركت الراهبات يشذبن نجومية الشاب المفرطة؟
•ليس الراهبات وحدهنّ من قام بهذا الفعل بل كان ذلك أيضاً من فعل المكان بجماله وبساطته وبعده عن المدنية، ما أعاد وصل الأشخاص بالأرض. يضاف إلى ذلك وقوع الشاب بالغرام. والحب سيد التغيير، مدعوماً بالطبيعة، والاحتضان والإحاطة من قبل الراهبات. إثر ذلك ليس طبيعياً أن لا يتغير هذا الشاب الذي كان متشاوفاً في البداية.
○ هل سيترك هذا الفيلم أثراً لدى الجيل الجديد من المهاجرين برأيك؟
•عندما عُرض الفيلم في مهرجان البحر الأحمر سمعت ما ردده مواطنون سعوديون تعبيراً عن شوقهم لزيارة لبنان. وأكثرهم قال «بجد شوقتونا». تلقيت فيديو من سيدة سعودية تُعبّر عن حنينها للبنان، فهي كانت تزوره كثيراً في صغرها. وتمنت أن يتمكن أبناؤها من مشاهدة لبنان الذي تخبرهم عنه. بالتأكيد سيكون للحنين مساحته الكبيرة عندما يشاهد المغتربين الفيلم. فالحنين طبع متأصل بالبشر.
○ ما هو مشروع الجولات المقرر للفيلم؟
•مبدئياً العروض في الخارج قائمة، وشركة الصبّاح المعنية بالتوزيع تضع في حسابها حالياً كندا والولايات المتحدة واوستراليا.
○ كمخرجة لبنانية هل أنت نصيرة لقضايا المرأة؟ وهل تفكرين بوضعها على الشاشة الكبيرة؟
•عبّرت عن ذاتي في فيلم «قصة ثواني». في هذا الفيلم تحضر المرأة والطفل وهما متلازمان في وجودهما كإمرأة/أم وطفل. ومؤخراً أنجزت فيلماً قصيراً لصالح مؤسسة اجتماعية في عكّار. طُلب من النساء اللواتي تعرضْن لعنف جندري التعبير عبر الكتابة. أي طُلب منهن كتابة ما لم يقلنه مُطلقاً لأحد. في قراءة ما كتبته النساء تأثرت للغاية فالعنف يفوق قدرات العقل على التصور. إحداهنّ تحدثت معي عن العنف الذي قاسته ليلة زفافها والذي استمر إلى حين تركها البيت الزوجي. هذا العنف الفالت من كل الحدود أدى لولادتها طفلتين مشوهتين. ومع وصولها إلى المكان الآمن الذي أتاح لها التعبير، وحصلت على اعتراف بأنها ضحية فعلية لعنف جندري، شعرت بدعم نفسي. وتحصّنت بنصائح لتحسين حياتها جعلتها إنسانة ذات قوة وطموح. سيدة أخرى في أربعينيات العمر تتعرض للضرب منذ 23 سنة، قالت بأن التعبير الكتابي مكّنها لأول مرة من أن تمسك يد زوجها ومنعه من ضربها. وحين زارت المكان الآمن مجدداً أعلنت بأن زوجها لم يعد يضربها منذ ثلاثة أشهر. فهو استوعب التغيير لدى زوجته، وهي شعرت بقوتها لوضع حد لهذا العنف. كمخرجة وإنسانة لا يمكنني التجرّد من مشاعري حيال الظلم. جميعنا كنساء حتى نحن اللواتي بنين لذاتنا مهناً منظورة لا تزال نصيحة «لازم تْضحي وتصبري» تسلب منا طاقاتنا. كثير من النساء تعشْن لأجل غيْرهنّ. أحكي عن نفسي وكيف مرّت سنوات فقدت خلالها التواصل مع ذاتي لأني كإمرأة أعيش حيال واجبات لا حصر لها. لا تخرج إحدانا من هذه الدوامة التي تستهلك كل طاقتها إلاّ بعد صدْمة تهزها كي تعود إلى وعيها. نعم المرأة مظلومة بالمهمات الكبيرة الملقاة على عاتقها. أحدهم نظّرَ مؤخراً بضرورة عمل المرأة – الأم، وضرورة الحفاظ على أناقتها خلال عملها. استغربت اصراره وكأن المرأة «فاضية البال لا أطفال ولا من يحزنون» عليها أن تكون مزينة وأنيقة. مجتمعنا يجعل حياة المرأة مستحيلة إن هي وافقت على مطالبه وقوانينه غير العادلة. وفي أفضل السيناريوهات تكون المرأة حتى الحرّة خاضعة لهذا الواقع. فكيف بالمرأة المرتبط مصيرها بمصير الرجل اقتصادياً واجتماعياً، سواء كان زوجها أم والدها أم أخيها؟
○ هل ترين حضور النساء في السينما إلى تزايد كمخرجات، أو منتجات أو مصورات؟ وغير ذلك مما يطلبه وصول الفيلم إلى الجمهور؟
•نعم هنّ إلى ازدياد في لبنان وفي العالم العربي حضور النساء في الصناعة السينمائية في نمو دائم. فكّرت بالسبب وتوصلت لحصيلة قد تكون صحيحة أو لا تكون. في السينما النساء موجودات، إنما في الإعلان حضورهن أقل بكثير من الرجال. فعندما عملت في قطاع الإعلام في دبي لبضع سنوات، تبين لي أن الوكالة التي مصدرها لندن تَقترح مخرجة للعمل المطلوب، بعكس تلك التي مصدرها عربي. وجدت السبب في حجم المال المرصود لقطاع الإعلان. في حين أن المردود المالي محدود في السينما المستقلّة في العالم العربي بخلاف السخاء في الإعلانات. ثمة مخرجون للإعلانات يتقاضون بين 10 و12 ألف دولار بدل كل يوم تصوير.
○ وهل كان لك حظ تصوير دعاية ما؟
•نعم العديد من الدعايات والبدل الأعلى كان 7500 دولار ليوم التصوير. وهذا جيد. لكن الدعايات تذهب دائماً نحو المخرجين الرجال. والملاحظ أن المرأة تميل للفيلم السينمائي لأنه يشكل بالنسبة لها مساحة تعبير واسعة. كما أنها تساهم في نسج علاقات مع فريق عمل كبير متناغم، تنمو خلال أيام التصوير الذي يكون في مكان مقفل على الخارج. سمعت من أكثر من عامل في الحقل السينمائي أن حضور النساء في موقع التصوير يؤدي لأجواء مختلفة تتصف بالتضامن والهدوء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية