في كل الثورات والحركات الاجتماعية تنشأ أغان وأناشيد إنسانية تصبح هي الدافع القوي لتحريك الجماهير، وكثيراً ما تكون ثمرة لشعراء كبار عرفوا كيف يتلمسون مطالب الجماهير ويعبرون عنها بإنشاء نص قريب من الروح العامة ويعبر عنها بقوة، وهذا ليس أمراً بسيطاً.
ما حدث في الجزائر هو أن الأناشيد الكبرى لم تأت من شعراء كبار، مع أن هناك مئات القصائد الثورية، لكنها جاءت من جماهير أهازيج ملاعب كرة القدم التي تتدافع كل أسبوع نحو البطولات الوطنية، حيث لم تستطع فعل أي شيء حيال ذلك، على الرغم من قانون منع التجمهر المصاحب لقانون الإرهاب.
لماذا الملاعب؟ ببساطة، لأنه لا توجد مساحة أخرى بديلة غير ممنوعة، مثل المساجد، لكن هذه الأخيرة على الرغم من تحولاتها السياسية تظل محكومة بالنظام الديني الذي لا يتيح فرصة التعبير الفردي الحر.
ثم لكون الملاعب مساحات واسعة، أخفقت السلطة في مراقبتها وكسرها، أي أنه لا رقابة في النهاية مهما كانت وسائل الضبط الميداني، إضافة إلى كونها أمكنة، كثيراً ما يكون فيها الاصطدام بالجهاز القمعي دائماً ومباشراً وعنيفاً، قبل وبعد مغادرة الملاعب. أخيراً، هي المكان الذي يتجمع فيه آلاف الشباب ليقولوا بحرية، ليس الأهازيج الكروية وحدها، ولكن غضبهم ضد النظام الذي حولهم إلى بشر بلا معنى، ضحايا الإرهاب والمخدرات والتسرب المدرسي المبكر، والحراﭬـة.
مجموعة أولاد البهجة، في الجزائر، غيرت الأهازيج جوهرياً، إذ لم تعد مجرد لحظات فرح وانتشاء للتعبير عن مساندة الجماهير للاعبين ميدانياً، مثل جيبوها يا لولاد (الشباب) لفرقة البحارة، في المناسبات الكبرى، كأس الجمهورية، البطولة الوطنية، كأس إفريقيا، أو كأس العالم، ولكنها أصبحت نقدية بامتياز.
لم تعد كرة القدم أفيون الشعوب، ولكن وسيلة لإيقاظها من سباتها. واحدة من أهم منجزات فرقة أولاد البهجة الكروية المرتبطة باتحاد العاصمة، هي أهزوجة لاكازا دال المرادية (بيت المرادية، القصر الرئاسي)، بموسيقاها الحزينة التي اعتمدت ايقاعاً نوستالجياً هادئاً، وكلمات مأساوية. يتساءل المرء وهو يتأمل نص ولحن لاكازا دال المرادية، كم أن مثقف العالم الثالث، والعالم العربي تحديداً، يعيش ازدواجية غريبة بين ما هو كائن، الذي يرفضه، وما يجب أن يكون، الذي يحتاج إلى فهم الآليات الاجتماعية والاصطفاف بجانب الشعب؟ فهو، أي المثقف، يريد أن يكون قريباً من الشعب لكنه في الوقت نفسه، ينفر من ثقافته التي يعتبرها بدائية، متخلفة، وليست ذات قيمة.
لا يقترب منها لفهم جوهرها، وربما فهم مكونات هذا الشعب والدخول في مناخه وانشغالاته. ويقترح بدلها نصوصاً شعرية لا تتخطى عتبات الصالات التي تحتضنها في شكل أمسيات شعرية. أغاني الملاعب، الحرة والجريئة، لا تعني الشيء الكثير للمثقفين؛ لأنها ثقافة من درجة ثانية، مثل كل الثقافة الشعبية، ولا يدخلها المثقف إلا من باب التخصص الأكاديمي لتفكيك آلياتها ثقافياً، سوسيولوجياً أو أنثروبولوجياً. لقد تغيرت أغاني الملاعب في العشرين سنة الأخيرة، جوهريا. من الأغاني البسيطة والعفوية التشجيعية للفريق، التي تمجد اللاعبين وتدفع بهم إلى تحقيق الاستثناء في اللعب، إلى الأغاني التي حولت الملاعب إلى منابر للاحتجاج والرفض ومقاومة الاعتداءات الأمنية. لكن لم ترتق ذهنية المثقف نحو هذا التحول العميق، فبقيت تصوراته مرتبطة بالمفهوم التبسيطي الأول، وكلما ذكرت هذه الأهازيج ارتسمت على طرفي شفتيه ابتسامة ساخرة من سذاجتها. مع أن المسافة الفاصلة بين جيبوها يا الأولادالتي تشجع اللاعبين للذهاب بعيداً في مغامرة كأس العالم، ولا كازا دال المرادية التي تقوم بتحليل صارم ونقدي لحالة وضع البلاد، منذ مرض الرئيس واستيلاء العصابة على الحكم، كبيرة وواسعة، تحول فيها الشباب أنفسهم من ترديد السائد حيث كرة القدم مجرد مخدّر، إلى مساحة من الحرية للتعبير عن حالة غضب وليس حالة فرح، مهما كانت الفرحة في الملاعب كبيرة، بعد أن سرقت منها كل السبل التعبيرية. أصبحت الأغاني شريكاً فعالاً في التحول العام الذي أفضى في النهاية إلى الحراك. أغاني السنوات الأخيرة سياسية بامتياز. فقد نشأت في عمق الأزمة التي كان ضحيتها ووقودها الشباب. وجدوا في الملاعب الواسعة أكبر فرصهم لقول آلامهم الكثيرة التي تكبر يومياً وتتسع بلا أي حل في الأفق. في الداخل فرحة الملاعب وأهازيج المناصرين وأناشيدهم القاسية وانتصاراتهم وهزائمهم الكروية والحياتية، وفي الخارج حربهم ضد الشرطة التي تنتظرهم لتشتيتهم وتفريقهم، قبل أن يتجمعوا بسياراتهم في ساحة أودان، والبريد المركزي، والنفق الجامعي، هناك يغلقون الطرقات بالآلاف مرديين أغاني الملاعب النقدية، ومخترقين قانون منع التجمع أو الإضراب في العاصمة الذي لم تستطع الأجهزة الأمنية فعل الشيء الكثير أمامه. وفي الأخير، تتفكك التجمعات من تلقاء نفسها، ويعود كل شاب إلى وقعه المر، مشكلات البطالة، المخدرات، السكن، حيث ينام الكثيرون مع إخوتهم بالتناوب لضيق المكان. ينام جزء من شباب العائلة، بينما يخرج الجزء الثاني ليتسكع في الشوارع إلى أن يحين دوره في النوم. عندما اندلع الحراك بنظام وقوة وبنموذجية غير مسبوقة، تحولت لاكازا دال المرادية، بسرعة البرق، إلى النشيد الرسمي للحراك الذي فسح المجال لسيل من الأغاني الرافضة للوضع والمنتقدة له ولنظام الحكم. تقول كلماته: ساعات الفجر ولم يأتني النوم. استهلك (المخدرات) لحظة لحظة. من المتسبب، ومن نلوم على هذه الحياة المهينة؟ الأولى (العهدة الرئاسية) قلنا مضت، تحايلوا علينا بالعشرية (العشرية السوداء الإرهابية)، والثانية اللعبة ظهرت: لاكازا دال المرادية. الثالثة البلاد ضعفت بالمصالح الشخصية. والرابعة الدمية ماتت (مرض الرئيس)، وما تزال اللعبة مستمرة. والخامسة قادمة، كل شيء مرتب سلفاً بينهم (…) نشيد شعبي بلغة قوية. كانت كل التعبيرات شديدة الإيحاء، لهذا غنت الملايين هذا النشيد، فتحول بسرعة إلى صوت شباب حي، يرفض الموت، سرقت منه الحرية والمساحات التعبيرية، فوجد مساحته المثالية في مدرجات الملاعب للمقاومة.