في واحدة من القصص المُثيرة والقليلة التي كتبها الكاتب الصحافي الراحل مصطفى أمين وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني قبل نحو ثلاثين عاماً، جاءت كلمة «لا» عنواناً لائقاً بالتفاصيل التراجيدية لبطل الحكاية عبد المُتعال محجوب، حيث بدأت المأساة من الحلقات الأولى مباشرة في إدانة صريحة وواضحة للعهد الملكي قبل قيام ثورة يوليو بحسب المُبين في خلفية المشاهد التي تظهر فيها صورة الملك فاروق باستمرار، كدلالة لتحديد زمن الأحداث التاريخية الواقعة في فترة الأربعينيات من القرن الماضي.
وربما ذلك ما فرض إعادة قراءة للعمل الدرامي الكبير في ضوء التفاصيل الصادمة والدامية الواردة في الحلقات الوثائقية المهمة التي يُعاد عرضها الآن بقناة «ماسبيرو زمان». ولأن الكاتب الكبير مصطفى أمين كان من الرموز الصحافية المُعارضة بشدة لفترة حُكم الرئيس جمال عبد الناصر، فقد مثلت الرؤية السياسية لقصته المُعتبرة تناقضاً كبيراً بين هجومه على النظام الناصري في أغلب مقالاته الصحافية وإدانته أيضاً للنظام الملكي على النحو الذي ورد في المُسلسل بدون مواربة أو تجميل، حيث يتم سرد الأحداث المريرة والمواقف المؤلمة التي يمر بها البطل عبد المُتعال محجوب جراء نزاهته ومثاليته وشجاعته في رفع شعار كلمة «لا» ضد أي انحراف أو فساد من رجال السُلطة الملكية، الأمر الذي أدى إلى فصله من وظيفته المرموقة بإحدى الشركات الاستثمارية الكبرى والتنكيل به، وليس هذا فحسب، بل وصل التعسف والإجرام بكبار رجال الدولة الملكية ومعاونيهم من أزلام النظام البائد إلى شطبه من سجل الأحياء نهائياً واعتباره ميتاً.
ولم يتم الاكتفاء بهذا القدر من البطش والظلم والاستبداد، وإنما تم تشييع جنازة المواطن الشريف عبد المُتعال محجوب ودفنها ونشر نعيه في الصُحف الرسمية بمؤامرة لا يقوى على تدبيرها سوى الشياطين. وفي تطور تراجيدي آخر للأحداث تزوج حافظ سري سكرتير رئيس مجلس الوزراء من زوجة محجوب وهو على قيد الحياة، في حين أودع محجوب بشحمه ولحمه السجن تحت اسم مُستعار وديانة غير ديانته الأصلية إمعاناً في التعمية والتضليل.
وقضى الرجل المغلوب على أمره سنوات بين جدران الزنزانة الرطبة يجتر أحزانه ويتوعد خصومه من البطانة والحاشية، وبين المشهد والمشهد يؤكد كل من كاتب السيناريو عاطف بشاي والمخرج يحي العلمي على مقاصد صاحب القصة الكاتب الراحل مصطفى أمين، الذي سجل وقائع الفساد والرشوة والاستبداد في كل سطر وكل جُملة مُعلناً انحيازه الكامل للبطل المسكين الذي بات يتعلق بأمل بعيد يُبقيه حياً في الأوراق الرسمية ليُثبت براءته ولو بعد حين.
وبالفعل تنقضي السنوات العجاف ويخرج عبد المُتعال محجوب من السجن باسم جديد وهوية جديدة يبحث عن نفسه وعن زوجته وعن الأوغاد الذين أوقعوه في براثن التجربة القاسية بلا ذنب منه أو خطيئة، فلا يجد من يعينه غير دلال عبد العزيز التي يُعاد عرض المُسلسل وفاءً لها وتقديراً لدورها المهم، حيث قدمت دلال دوراً تاريخياً بتجسيدها لشخصية سلوى وهبي الممثلة المشهورة، صاحبة السُلطة والنفوذ، وهو مستوى آخر من إدانة السُلطة الملكية في عصر الملك فاروق، إذ يُسجن الشرفاء بلا تهمة ولا جريرة وينعم أصحاب الحظوة بالحرية ويرتعون في خيرات الملك ورجاله الفاسدين النافذين، فلا يُستثنى منهم غير من استفاق من غيبوبته وعاد إلى صوابه كسلوى وهبي التي خاضت المعركة مع عبد المُتعال لعلمها اليقيني وخبرتها المُسبقة بما يُحاق في الظلام وما يُدبر بليل للنُبلاء من المواطنين المُسالمين.
يشتد وطيس الحرب وتدخل الممثلة المشهورة الدائرة الجهنمية مع من آمنت ببراءته لتجابه الأشرار والقتلة والمُرتزقة والمأجورين، وتتراءى صور الظُلم وإهدار الحقوق ويدخل عبد المُتعال محجوب الذي يتقمص شخصيته باقتدار شديد يحي الفخراني مستشفى الأمراض العقلية بمؤامرة جديدة من أصحاب المعالي وذوي السُلطة والسُلطان في إعراب آخر وشهادة موثقة بالصوت والصورة عن دلائل العدوان الهمجي السافر ضد الإنسانية وحقوق البشر في زمن ما قبل ثورة يوليو 52 وهي شهادة لها اعتبارها الخاص جداً كونها تجسدت في إبداع كاتب كبير لم يكن مُتصالحاً مع الثورة ولا رجالها وظل لسنوات يكتب عن سوءات الحكم الناصري.
بيد أن الحق أحق أن يُتبع، فما رآه مصطفى أمين وعاصره ووثقه لم يكن في إمكانه إخفاءه وهو الكاتب الحصيف وشاهد الإثبات على عدم نزاهة الحُكم في عصر فاروق وحاشيته وأتباعه وأعوانه ورجاله الكبار والصغار في حكوماته المُتعاقبة وكوادر وزاراته ودوائر سُلطاته في الدواوين والمؤسسات والشركات والإقطاعيات وخلافه.
ولم تنته فصول الملهاة والمأساة الخاصة بسجين المبادئ والقيم عبد المُتعال محجوب عند حد السجن والاتهام بالجنون، ولكنها امتدت إلى ما لا نهاية وبقيت متواصلة ببقاء الملك والبطانة وفق السياق الدرامي المكتوب بحرفية على الشاشة الصغيرة بالقناة الرسمية التي تعتني بعرض الكلاسيكيات القيمة من الأعمال الإبداعية لتُنبئ بما خفي وعظُم من جرائم طوتها السنون فكادت أن تندثر وتُصبح في ذمة التاريخ، لولا صحائف الأرشيف الفني والدرامي التي لا تكذب ولا تتجمل، أبت إلا أن تُعيدها للنور فيُعاد النظر فيها مُجدداً ليكون للمُشاهد العصري حُكماً آخر على الأحداث والأشخاص.