لا ينتحر إلا المتفائلون!

في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وتضييق سياسي على المشاركة في الممارسة الديمقراطية، وغياب ملامح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحس المشترك والقيم الجماعية، يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى من يشعرون بالقلق والجزع، وينشدون الخلاص ويريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم. هذا ما يقوله ياسر ثابت في كتابه «شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي»، الصادر في أكثر من طبعة، وعن أكثر من دار نشر منها، التنوير واكتبْ بالقاهرة، في ما يزيد عن مئتي صفحة من القطع المتوسط.
يرى ثابت، أن كتابه هذا ينظر في أمر ظاهرة مقلقة، تستحق ما هو أكثر من الشعور بالأسى، لأن من يُقْدمون على الانتحار ليسوا سوى إخوة وأحبة وأهل، ولأننا لا نريد أوطاناً مصنوعة من خدر، ومن مسؤولين يتشبثون بكراسي مثبتة بأوتاد فولاذية مغروسة في أعناق الفقراء. كما يصف كتابه بأنه نداء استغاثة وجرس إنذار ودعوة للتفكر والنقاش الجاد والموضوعي، لإنقاذ حياة هؤلاء الذين يفكرون في الانتحار، أو يُقْدمون عليه.
ويرى ثابت أن الانتحار ينجم عن كون المنتحر ترك نفسه ليُحْشَر في فخ، حتى يبدو الانتحار بالنسبة للمنتحر حلاً أو مهرباً، سواء من الإخفاق أو العزلة أو الأزمات النفسية والجسمية والمالية، التي يرى الفرد أنه عجز عن مواجهتها أو التكيف معها. أما العرضان الأشد خطورة للانتحار، من وجهة نظر ثابت، فهما الإحساس بفقدان الأمل والإحساس بقلة الحيلة، وإذا ما اجتمعا معاً انهارت قِلاع الإنسان، واستسلم لأفكار قد تقوده إلى إزهاق روحه، على الرغم من أن فطرتنا الحقّة ترفض الإفناء الإرادي للذات.

شهقة اليأس

ويستطرد ثابت قائلاً: هذه الظاهرة المؤسفة، يعني الانتحار، نهشت في جسد الوطن العربي الكبير بتعقيدات واقعه، وثقل تجربته التاريخية. وأدت إلى حوادث محزنة، وأوضاع مأساوية، تستدعي النظر في الأسباب، والبحث عن حلول، حتى نحمي أنفسنا وأحبتنا من خطر موجة عارمة تصبغ أيامنا بالسواد.

أحدثت ظاهرة الانتحار التي تزايدت معدلاتها فجأة في مصر، وفي أقطار عربية أخرى، حالة من الدهشة والفزع لدى الرأي العام، أدت إلى التفكير في ما يمكن أن تمثله هذه الظاهرة من خلل اجتماعي دفين، تكاد لا تشعر به النخبة، أو يثير اهتمام الدولة والمسؤولين.

وبعد أن يرى ثابت أن الانتحار هو شهقة اليأس، وأنه هو الفعل الوحيد الذي يصبح الفاعل بعده جزءاً من الماضي، يوْرد مقولة مصطفى لطفي المنفلوطي: لا عذر للمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه بالهم ونفسه بالأسى، ومهما ألمّت به كوارث الدهر، وأزِمت به أزمات العيش، فإن ما قَدِم عليه أشد مما فرّ منه، وما خسره أضعاف ما كسبه. كذلك يورد ثابت عدة تعريفات للانتحار ويثبت أن الإسلام قد حرم الانتحار بآيات صريحة لا تحتمل التأويل، يقول إن الانتحار أصبح في القرن العشرين شكلاً من أشكال التضحية بالنفس، واستخدم كإحدى صور الاحتجاح، ثم انتشر شكل الكاميكازي والهجوم أو التفجير الانتحاري لأغراض سياسية وعسكرية، تستند إلى مفهوم ديني، بعضهم يمجد مثلَ هذا العمل باعتباره رداً على، أو استهدافاً للمعتدين. ويعدّد ثابت من أسباب الانتحار اضطراب الشخصية والإدمان والمشكلات الأسرية واحترام الذات. أما أهم أسباب الانتحار، كما يرى ثابت، فهي المشكلات الاقتصادية، كالفقر والبطالة وعدم الحصول على المهنة اللازمة أو فقدانها. وهناك أسباب أخرى كالأسباب البيولوجية ومنها اختلال التوازن الهرموني، خاصة لدى الفتيات أثناء البلوغ.

مشاهير منتحرون

ثم يذكر ثابت عدداً من أنواع الانتحار منها الانتحار الأناني، الانتحار الإيثاري، والانتحار الفوضوي. كما يذكر أن إحصاءات منظمة الصحة العالمية لعام 2011 تشير إلى أن ليتوانيا، تشهد أعلى معدلات الانتحار في العالم، أما عربياً فقد تصدرت البحرين القائمة، تليها الكويت ثم سوريا فمصر. كما تنتشر ظاهرة الانتحار في موريتانيا واليمن ولبنان وغيرها. ثم يذكر ثابت عدداً من المشاهير الذين أنهوا حياتهم عن طريق الانتحار من أمثال الكاتب الياباني يوكيو ميشيما، المغنية الإيطالية داليدا، الروائي الأمريكي إرنست همنغواي، الشاعرة الأمريكية آن سيكستون، الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، القاصة الإنكليزية فرجينيا وولف، الكاتبة الأرجنتينية الشهيرة مارتا لينش. ويذكر من المشاهير العرب الذين انتحروا: الشاعر اللبناني خليل حاوي، الأديب الأردني تيسير السبول، الشاعر والرسام العراقي إبراهيم زاير، الشاعر العراقي قاسم جبارة، القاص والروائي مهدي الراضي، إسماعيل أدهم صاحب كتاب «لماذا أنا ملحد؟»، الشاعر صالح الشرنوبي، الشاعر منير رمزي.. هذا وتطول قائمة الأدباء والشعراء والمبدعين العرب الذين لجأوا إلى الانتحار لينهوا حياتهم بأيديهم.

إميل سيوران

أحدثت ظاهرة الانتحار التي تزايدت معدلاتها فجأة في مصر، وفي أقطار عربية أخرى، حالة من الدهشة والفزع لدى الرأي العام، أدت إلى التفكير في ما يمكن أن تمثله هذه الظاهرة من خلل اجتماعي دفين، تكاد لا تشعر به النخبة، أو يثير اهتمام الدولة والمسؤولين. وبعد هذه الجولة في دنيا الانتحار يقول ثابت، إن انهيار الفرد خطر يصيب وحدة الجماعة بالتصدع، وحين تفقد الحياة معناها بالنسبة لفرد بسبب أزمات وانكسارات الفردية الضائعة، تمتد آثار ذلك إلى العائلة والأصدقاء، وربما المجتمع بأكمله. ومن فَهْمِ حجم الخطر وعواقبه، تبدأ رحلة التعامل السليم مع الانتحار: المفهوم والظاهرة. وقبل أن أضع النقطة الأخيرة أردد مقولة إميل سيوران التي يقول فيها: لا ينتحر إلا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل، أما الآخرون فلماذا يكون لديهم مبرر للموت وهم لا يملكون مبرراً للحياة.

٭ شاعر ومترجم مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية