“لبنان القوي” خائف من أغنية راغب علامة… أي موسيقا سمعها فريق الاغتيال؟ وفرنسا على “العربية” ليست فرنسا

حجم الخط
1

بثت “سي أن أن” أخيراً ما اعتبرتْه خبراً حصرياً للحظات الأخيرة في حياة جمال خاشقجي، ولعل أهم ما يؤكده محتوى الخبر أن القرار بقتله كان حاسماً ومعداً سلفاً، وأن مكالمات جرت أثناء التقطيع للإخبار أن العملية تمت، ما فّسر على أنه تأكيد على علاقة لمحمد بن سلمان بالأمر.
“سي أن أن” أكدت أنه يمكن سماع صوت منشار العظام أثناء تقطيع الجثة في حين كان أحد القتلة (صلاح محمد الطبيقي، رئيس الطب الشرعي في وزارة الداخلية السعودية) ينصح زملاءه بالاستماع للموسيقى لحجب صوت المنشار وتقطيع الجثة. الطبيقي قال: ضعوا سماعات الأذن أو استمعوا للموسيقا مثلي.
منذ سمعت لأول مرة بحكاية الموسيقى هذه تذكرت عبارة الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر، تعليقاً على فضيحة سجن “أبو غريب” في العراق: “أعمال التعذيب تصبح مملة بسهولة، فالسجانون يحتاجون إلى قليل من الضحك للمحافظة على معنوياتهم عالية، وقد تأكد ذلك بطبيعة الحال في أحداث سجن أبو غريب”. ويبدو أن حاجة القاتل هنا كانت للموسيقا.
في مسرحية “الموت والعذراء” للكاتب التشيلي أرييل دورفمان تتذكر امرأة، ضحية تعذيب وحشي في سجون الطاغية بينوشيت، كيف كان الجلاد يستمع إلى موسيقى شوبيرت “الموت والعذراء” أثناء حفلات التعذيب. إنه شيء لا يصدق، كيف لقاتل أن يكون مولعاً بالموسيقا، بل وبالضبط أثناء عمل القتل. كل هذه الوحشية، وكل هذه الرهافة!
طوال الوقت كان لدي فضول التعرف على أي نوع من الموسيقا كان يستمع القاتل، إذ إن المرء قد يجد جواباً في “الموت والعذراء”، حين يعلم أن رباعية شوبيرت ما هي إلا محاورة بين الموت والضحية، وبالتالي يمكن للجلاد، القاتل أن يتقمص في تلك المحاورة دور الموت.
لكن السؤال يظل يلح، كيف لم تستطع الموسيقا لجم القاتل، ألهذا الحدّ يمكن للمجرم أن يكون معتاداً على الذبح؟ وتقولون إنه مجرد خطأ!

لبنان القوي!

لبنان ماض بقوة على طريق النظام الشمولي، ويبدو أن نموذجه في ذلك “سوريا الأسد”. هذا ما يثبته نائب من كتلة الرئيس ميشيل عون مهاجماً سياسيين ومسرحيين وفنانين، معتبراً أن هناك من يريد “تيئيس البلد”. عبارة هي المعادل اللبناني لنظيرتها السورية “وهن نفسية الأمة”، التي قضى في حكمها سوريون كثر في معتقلات النظام.
مثال النائب العوني في حملة التيئيس، وإيهان نفسية الأمة، أغنية راغب علامة التي أطلقت أخيراً “طار البلد” (كلمات نزار فرنسيس وألحان جان ماري رياشي). تقول الأغنية: “صار الوقت يا ناس، نصرخ على العالي/ ما في وقت، طار البلد يا ناس/ وينيي العدالة”. إلى أن يقول “خلص الحكي، وعم تشتكي، ما في حدا سامع.. زاد القهر والجوع، وين العدل ودموع، عم يكبر الحرمان..”.
أغنية طيرت صواب النائب حكمت ديب فقال قولته، في مقابلة عبر تلفزيون OTV، مطالباً بتطيير رأس الفنان علامة: “هيدا لازم يطير راسو، شو يعني طار البلد؟ شو هل اللامسؤولية”.
علامة لم ير في كلام النائب العوني مجرد زلة لسان، مصنفاً إياه بمثابة “تهديد”، ومطالباً رئيسَ مجلس النواب نبيه برّي برفع الحصانة عن النائب تمهيداً لمقاضاته بتهمة التحريض على القتل.
في “لبنان القوي”، لبنان ميشيل عون، ممنوع أن تغني، أن تصرخ من وجع، هذه هي القاعدة في الأنظمة الشمولية التي ترى في الصراخ والشكوى والنقد مجرد نقّ وتعطيل لحركة الجموع باتجاه التقدم. لكن أين التقدم في لبنان؟ وأين حركة الجموع؟ علام تخشى كتلة لبنان القوي أن يتعطل إن غنى راغب علامة؟!

فرنسا ليست فرنسا!

“فرنسا السبت.. ليست بفرنسا” هذا عنوان فيديو لتلفزيون “العربية”، تقارن فيه القناة السعودية، بتأثر مزعوم، حال الشوارع والساحات والمتاجر الباريسية قبل احتجاجات “السترات الصفر” وبعدها.
صحيح أن ليس بالإمكان إلا أن يتحسر المرء على أضواء باريس وزينة الميلاد الغارقة بدخان الحرائق الأسود، أو الغازات المسيلة للدموع، لكن من قال إن هذه ليست فرنسا؟ إن هذه الحيوية الاجتماعية والسياسية، إمكانية الاحتجاج، مواجهة الظلم والتجاهل وغرور السلطات، هي بالذات فرنسا. إن ذلك كله جزء يسير من ضريبة إحقاق قوانين عادلة وحياة أفضل.
ليس على “العربية” أن تقلق. لا خوف على أنوار باريس.

“عائدون” إلى حضن الوطن

الباصات الخضر التي اقتلعت السوريين من بلداتهم المحاصرة من قبل تعود بآخرين اليوم من لبنان. باتت ريبورتاجات “العودة” هي الفيديوهات الأثيرة لـ “سانا”، وكالة الأنباء الرسمية السورية، وهي تقوم على مقابلات مع “العائدين” الذين يرددون بصوت شبه مدرسي واحد: ما في أحلى من الرجعة ع الوطن، سوريا هي أم الجميع، نحس برعشة الفرح، حدا بيترك أمه وبيمشي،.. مع تأكيد المذيع في كل مرة على وصفهم بالمهجرين بفعل الإرهاب.
تذكرت أحد صهري صدام حسين عندما انشق وهرب إلى الأردن، وحين أجبر على العودة إلى العراق بصفقة ما، نقل أنه كان يردد طوال الطريق عبارة: “ليس لي وطن غيره”. هكذا، ظل يرددها إلى أن وصل فأعدم مع أخيه على الفور.

كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية