لبنان بين الفراغ الرئاسي أو التوافق الوطني المدعوم خارجيا

محمد نون
حجم الخط
0

منذ سنوات عدة كانت المعركة السياسية محتدمة في لبنان على هوية من سيخلف الرئيس ميشال عون بعد انتهاء مدة ولايته الرئاسية في نهاية شهر تشرين أول/أكتوبر 2022.
لذلك كان من المتوقع وغير المستهجن أن تنتهي جلسة مجلس النواب يوم الخميس الماضي دون التوصل إلى انتخاب رئيس جديد، وذلك لأسباب عديدة بينها عدم تمكن أي من المرشحين من الحصول على الأصوات اللازمة للفوز بالرئاسة. لكن لعبة الأرقام في مجلس النواب تعكس كما هو معروف طبيعة الأحجام السياسية للأحزاب والقوى والتيارات المتمثلة فيه، وهي قوى لها مصالحها الداخلية وعلاقاتها أو بالأحرى ارتباطاتها الخارجية المعروفة والمستترة وحتى الرمادية التي تخرج بين الحين والآخر على استحياء أو تظهر عبر مصادر التمويل وفلتات التصريحات.
ولهذا كله كان الاستحقاق الرئاسي في لبنان محطة اختبار إقليمية – دولية علاوة على كونه عملية انتخاب واختيار وطنية محلية من ممثلي الشعب اللبناني في مجلس النواب.
فالقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة اللبنانية كثيرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيران والسعودية وكذلك عدد كبير من أجهزة الاستخبارات الدولية، ولكن بما أنه لا يستطيع أحد الخروج على الدستور في آليات انتخاب الرئيس، تأتي أهمية الأرقام لتفعل فعلها في تحديد الخيارات.
فبموجب الدستور تستلزم جلسة انتخاب الرئيس حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب أي حضور 86 نائبا من أصل 128 نائبا هم عدد أعضاء المجلس، وعندها تجرى عملية اقتراع أولى تستوجب أيضا حصول أحد المرشحين على ثلثي أصوات المجلس أي 86 صوتا وإذا تعذر ذلك تجري جولة اقتراع ثانية ويعتبر فائزا فيها من يحصل على النصف زائدا واحد من أصوات المجلس أي 65 صوتا، لكن شريطة أن تكون جلسة الاقتراع الثانية تتمتع هي أيضا بنصاب حضور الثلثين فيها.
وبما أن أيا من التحالفات النيابية في البرلمان الحالي لا تستيطع الوصول إلى تأمين غالبية الثلثين للانعقاد، فإنها لن تكون قادرة على إيصال مرشحها إلى كرسي الرئاسة إلا بالتوافق أو الاتفاق مع كتل أخرى معارضة لها.
هذا الواقع اختصره رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بعيد انتهاء جلسة الخميس النيابية التي أخفقت في انتخاب الرئيس الجديد، فربط بين الدعوة إلى جلسة جديدة وبين حصول توافق بين الكتل والقوى الممثلة في البرلمان من أجل التمكن من العودة إلى تحديد جلسة جديدة تؤدي إلى نتيجة حقيقية.
إلا أن جلسة الخميس الماضي أعطت دلالات سياسية رغم أنها كانت جلسة «رفع عتب» حتى لا يسمح أحد لغيره باتهامه بتعطيل انعقاد جلسة الانتخاب بحد ذاتها، فجاءت أوراق الاقتراع لتجمع كلاً من الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية وكتلةِ تجدد وبعض النواب المستقلين وهم صوتوا بـ36 صوتا للنائب ميشال رينيه معوض، بينما اجتمعت أصوات نواب التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله وتيار المردة وحزب الطاشناق، فصوتوا بأوراق بيضاء بلغ عددها 63 صوتا (أي أقل بصوتين عن تحقيق الأغلبية المطلقة) بما يعني استعراضا لحجم تمثيلهم.
ومن خارج الأسماء المتداولة سابقا جاء تصويت كتلة النواب التغييريين بـ 11 صوتا لصالح رجل الأعمال سليم إده، بينما اختار قدامى تيار المستقبل وبعض نواب عكار التصويت بمجموع 10 أصوات لصالح إسم لبنان.
ويمكن اعتبار جلسة الخميس الماضي أيضا بمثابة محطة تمهيدية للقوى الأكبر في البرلمان للتوجه نحو تكتلات أخرى والتوافق معها لتأمين النصاب وانتخاب مرشح توافقي قد يكون واحدا من الأسماء المتداولة باستمرار، أو يكون من المرشحين الواقفين خلف الستار وذلك في ظل المصاعب التي تعترض المرشحين المعروفين ومنهم سليمان فرنجية (رئيس تيار المردة) وجبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحر) وجوزيف عون (قائد الجيش) وسمير جعجع (رئيس حزب القوات اللبنانية).
تلك المصاعب لا تنحصر بين ما يمكن تسميته قوى الموالاة والمعارضة لعهد الرئيس ميشال عون، بل تتعداها إلى داخل القوى المتحالفة فيما بينها.
أبرز وجوه ذلك داخل تحالف قوي 8آذار والتيار الوطني الحر، تتجلى في رفض رئيس التيار جبران باسيل لترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي يحظى على وجه الخصوص بدعم حزب الله وحركة أمل. وكذلك فإن فرنجية لا يقبل بترشيح باسيل ويلتقي في هذا الرفض مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حليف حزب الله.
ويلقى باسيل أيضا معارضة خارجية من الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد بعدما فرضت عليه سابقا عقوبات اقتصادية.
أما داخل قوى الرابع عشر من آذار وحلفائهم من قوى التغيير والمستقلين فلا يتمتع سمير جعجع بإجماع على ترشيحه، ناهيك عن الرفض الشديد الذي يلقاه من قوى آذار والتيار الوطني الحر وكثير من النواب المستقلين.
أما بشأن ترشيح قائد الجيش العماد جوزيف عون فهو يأتي من خارج الاصطفافات السياسية، لكن وعلى الرغم أن أحداً لا يجاهر علنا برفض ترشيحه إلا أنه يحتاج إلى تعديل المادة 49 من الدستور التي تلزم الموظفين من الفئة الأولى بعدم الترشح إلا اذا تركوا مناصبهم قبل سنتين من موعد الانتخاب، أو جرى تعديل المادة بثلثي أعضاء مجلس النواب، وهو ما حصل سابقا عند انتخاب الرئيس إميل لحود عندما كان قائدا للجيش عام 1998.
وبالتالي فإن حظوظ ترشيح العماد جوزف عون ستبقى مرهونة أيضا بحصول توافق داخلي إذا كانت هناك تسوية خارجية للحل في لبنان.
وبالمقابل فإن عدم التوافق على مرشح يقبله معظم الأطراف سيعني دخول لبنان مجددا في ما يعرف بالفراغ الرئاسي، بحيث يصبح مقعد رئيس الجمهورية شاغرا وتنتقل صلاحيات الرئيس إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
ومن نافل القول أن كلمة «مجتمعاً» تعني الكثير من الناحية الدستورية، إذ لا يتمكن مجلس الوزراء من اتخاذ أي قرار إلا بالاجماع وليس الأغلبية، وبالتالي فإن كل وزير يتمتع حينها وبمفرده بحق الفيتو لوقف تمرير أي قرار في مجلس الوزراء، وهذا واقع مرير يعني دخول البلاد في مرحلة أشبه بالشلل.
لبنان عانى من وضع مماثل في السابق عند شغور منصب رئاسة الجمهورية بين عامي 2014 و2016 قبل الاتفاق بين القوى السياسية على انتخاب ميشال عون رئيسا.
والوضع سيكون أكثر تعقيدا في الظروف الراهنة إذا حصل الفراغ الرئاسي، لأن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال برئاسة نجيب ميقاتي وهو رئيس مكلف منذ أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي بتشكيل حكومة جديدة لم تبصر النور حتى الآن بسبب الخلافات بينه وبين رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون الذي يوشك بدوره على نهاية عهده الرئاسي.
وبالتالي هناك حاجة ملحة بحصول اتفاق بين الرئيسين عون وميقاتي على تشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على سد الفراغ الرئاسي في حال حصوله.
والبعض يجادل في لبنان بشأن حتمية أو عدم حتمية مغادرة الرئيس عون للقصرالرئاسي في بعبدا- بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر عند انتهاء مدة ولايته – إذا حصل الفراغ الرئاسي ولم تتشكل حكومة جديدة تكون قادرة على تسلم صلاحيات الرئيس. لكن تم تجاوز هذا الاحتمال في ظل اعتراض البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي يقال بأنه لا يمكنه تغطية بقاء عون رئيسا في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته.
أما إذا تشكلت الحكومة فإن ذلك سيعني حكما حصول انفراج هام يتمثل في اتفاق القوى الفاعلة على توزيع الحقائب الوزارية تمهيدا لكسب الثقة في مجلس النواب، ومن شأن تطور من هذا النوع أن ينعكس إيجابا على المشاورات الممهدة للتوافق على شخصية تتولى منصب رئاسة الجمهورية.
وهناك ملف ضاغط يعتبر مؤشرا هاما على سير التطورات اللاحقة، وهو ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية تمهيدا لاستخراج النفط والغاز من الحقول الغنية داخل مياه البحرالأبيض المتوسط.
فالرئيس ميشال عون وحلفاؤه وخاصة حزب الله يريدون التوصل سريعا لاتفاق يحفظ حقوق لبنان البحرية وثرواته الغازية والنفطية، على أن يقوم عون بالتوقيع عليه قبل مغادرته قصر بعبدا الرئاسي على اعتبار أن التوقيع على مثل ذلك الاتفاق هو من صلاحيات رئيس الجمهورية.
أما في حال لم تتمكن الوساطة الأمريكية من بلوغ ذلك الهدف في عهد عون، ولم يتمكن الأفرقاء اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد، فسيكون الباب مفتوحا على توترات أمنية في حال تأجيل عملية الترسيم ودخول لبنان مرحلة الفراغ الرئاسي، وتذرع إسرائيل بذلك الفراغ للبدء من جانب واحد في استخراج الغاز من الحقول المتنازع عليها، وهو أمر يرفضه لبنان بالتزامن مع تهديد من حزب الله بعدم السماح لإسرائيل القيام بعملية استخراج الغاز من تلك الحقول وغيرها.
ويعتبر هذا الملف للنفط والغاز أهم ملف على الإطلاق في لبنان لكونه يحمل الحل الناجع لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية الخانقة وتردي الأوضاع المعيشية بعد انهيار سعر صرف الليرة ووصول سعره في السوق السوداء إلى 38 ألف ليرة للدولار الواحد، والاتجاه إلى رفع سعره رسمياً من 1500 إلى 15000 ليرة، هذا إضافة إلى احتجاز عشرات المليارات للمودعين في البنوك اللبنانية بسبب تدهور الاقتصاد.
لكن للأطراف الأخرى مصلحة أيضا في التوصل إلى اتفاق بشأن استخراج الغاز ومنها إسرائيل الطامحة إلى تصدير ما يمكن أن تستخرجه إلى الاتحاد الأوروبي المتعطش للطاقة البديلة عن الغاز الروسي الذي توقف تصديره إليها بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.
وهذا الواقع قد يدفع فرنسا والدول الأوروبية إلى بذل مزيد من الجهود لتهدئة الأمور في لبنان وعدم حصول فراغ رئاسي فيه، خاصة أن شركة توتال الفرنسية طامحة لاستئناف العمل في مشاريع للتنقيب والاستخراج  للغاز اللبناني بعد رفع الفيتو الأمريكي الذي يتحدث عنه الكثيرون في لبنان.
ومعروف أن فرنسا لديها قنوات مفتوحة مع إيران بشأن الملف اللبناني برمته، كما لديها خطوط اتصال مفتوحه مع حزب الله في لبنان.
وبناء على ما تقدم يجزم كثير من متابعي الشأن اللبناني أن التوافق اللبناني المرتجى لا يمكن تحقيقه دون تسوية خارجية بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة وخاصة على الخط الممتد من واشنطن إلى باريس وطهران والرياض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية