بيروت-“القدس العربي”:لو قدر للكلمات العربية أن تختار من بينها واحدة كانت خلال هذا العام من بين الأكثر تداولاً، أو الأكثر نطقاً من أفواه الناطقين بلغة الضاد لفاز تعبير “حرامية” بدون منافسة. حرامي وحرامية أي سارق وسارقين باللهجة اللبنانية المحكية، لم تكن في هذا العام الحامل للرقم 2019 في التقويم الميلادي حكراً على لبنان. سبق الشعب الجزائري الشعب اللبناني وإن كان تعبيرهم مختلفاً. وحاول المصريون التأسيس لثورة جديدة لكن الممثل والمقاول الذي أشعلها اختفى. أما في العراق فكانت الانتفاضة الشعبية دموية للغاية. استكان المنتفضون بعد وعود، لكن السارقين لخيرات العراق بمئات مليارات الدولارات ما زالوا أحرارا يرزقون. أما في لبنان فلم تُكسر المحرمات وحسب، بل سحقت وبالأقدام، والمتظاهرون مصرون “كلن يعني كلن”. فمن شدة القهر ساوى الشعب الثائر بين الحرامي والساكت أو المتفرج عليه.
في أي مشاركة مناصرة وداعمة للحشود المنتشرة على امتداد ساحتي رياض الصلح والشهداء، سيكون الحرامي بالمرصاد. الحرامي مستهدف بهاشتاغ، أو بكلمات معبرة، أو بصورة لمسؤول كان كبيراً وقد ألبّس ثياب السجن المقلمة وطُلب منه إرجاع ما سرقه. هذا أو ذاك من المسؤولين نواباً ووزراء أو رؤوساء أو حتى موظفين كبار ستتردد أسماءهم ملحنة وفق مقام جديد ويتبعها حرامي… حرامي. كورس بحدود مترامية تشكل من مجموعات من المواطنين، كل منها يهتف بوجعه وبأحلامه الممكنة.
في ساحات وسط بيروت التي أقصي عنها أهل البلد الحقيقيين بعد إعادة الإعمار، وصُممت لتكون لنخبة الحرامية، لم يكن الهم المعيشي هو الهتاف الوحيد. ثمة هتافات تصدح بين الحين والآخر للحفاظ على النظافة وللتأكيد بأن الشعب الذي أعلن العصيان على سلطة الحرامية “حضاري”. لم تكن الساحات تلمع من النظافة لكن أكياس النفايات موزعة بشكل ملحوظ، وتمّ تشكيل فرق لجمع النفايات كل صباح.
بين ساحة الشهداء ورياض الصلح مساحة غير محتشدة بالجمهور، على جانبيها تنتشر بسطات لبيع الأطعمة والمياه ولوازم “الثورة”. تلك الكلمة ما أن يرددها طفل حتى ترتفع القبضات وتعلو الأصوات بكل زخمها “15ثورة ثورة”. العلم اللبناني بأشكال وأنواع استعمالاته بات جاهزاً للعرض، والشراء كثيف. ففي لحظة التجلي الوطني اللبناني بات العلم ضرورة وحوله توحد الجميع، ولم يرفع سواه.
العلم الجاهز ليكون زينة على صدور الراغبين كان ينادي عليه “ماهر” قائلاً: واحد بـ500 و2 بـ1000. نسأله فيخبرنا أن بيع الأعلام في ساحة المظاهرات استجد عليه “في هذه المناسبة السعيدة”. اختار بيعها لأن استعمالها متاح في السيارة وعلى صدور الراغبين. وكانت بسطة الأحمر والأبيض والأخضر الخاصة بفتحي أبو اللبن تشكل جاذباً للكبار والصغار، فصاحبها اعتمر “بيروكاً” باللونين الأحمر والأبيض وتحول لرأس خاروف لافت. يقول: في أحلى من علم لبنان فوق رأسي؟ هو عشقنا. فتحي أبو اللبن ليس مستجداً على المهنة “هذا عملنا بالأساس وبمناسبة الثورة قلنا هيا إلى العمل فالأشغال كانت واقفة. حالياً ثمة انتعاش في وسط بيروت. وكثر طلبوا (بيروك) فسعرها معقول 5 آلاف ليرة فقط. وهو أعلى الأسعار من بين المعروضات، وبعضها سعره ألف فقط. نحن لا نستغل الناس بل نرغب بالبيع بالحد الأدنى المتاح”.
ديما صفوان علّقت دكانها على صدرها، تبيع بعض الحلويات، والقليل من البزورات. سنتان من البطالة عانت منهما ديما، وقبل الحراك الشعبي وجدت عملاً تقول عنه: هو أدنى مستوى ممكن على صعيد الأجور. حالياً لا أداوم على العمل فالثورة شغلي الشاغل. أبيع هذه الأصناف بهدف تأمين دخل يتيح لي دفع تكاليف النقل من وإلى مكان الثورة. وإلى جانب هذه المعروضات أبيع من زملائي سندويشات التونا فقط بـ750 ليرة للسندويش الواحد. فبعد البحث وجدت أن أحداً لا يعرض مأكولات صحية للمتظاهرين.
تشكل سيارات البث المباشر لمحطات التلفزيون المحلية جاذباً للمتظاهرين، وخاصة المتظاهرات. تحلقن حول رامز القاضي أحد مذيعي تلفزيون “الجديد” وتدافعن لالتقاط سيلفي معه. ليس هذا وحسب، بل شكلت حيوية الجديد في تغطية الحراك مقصداً لكل راغب بشكوى فيرفعها مباشرة على الهواء. وإلى حيث يركن تلفزيون “الجديد” سيارة البث المباشر وصلت مجموعة من المواطنين تحمل صورة متعددة الأحجام للشهيد حسين حسن العطار. نعرف من قريب له أنه أصيب برصاص الغدر على طريق المطار في اليوم الأول للحراك، وأن والده لم يرغب بالنزول إلى وسط بيروت لفضح قاتلي ابنه إلا بعد مرور الثالث على دفنه. والداه وقفا أمام كاميرا “الجديد” وقال الكثير عن ابنهما الذي رحل عن 22 ربيعاً وصار “شهيد الغدر والحراك السلمي” و “شهيد الشعب والثورة”. أصدقاء الشهيد ووالداه تنقلوا بين ساحتي رياض الصلح والشهداء ومعهم جمع من الذين تأثروا بهم من دون معرفة مسبقة.
بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح مساحة محدودة لا اكتظاظ فيها وهي الممتدة من أمام كنيسة مار جورجيوس وصولاً إلى جامع الأمين، ربما هي فسحة راحة نسبية تتيح شرب الماء أو شراء ما يسد الجوع من فول أو ذرة أو سواهما. لكنها بالطبع ليست ساحة رافضة للهتاف، ضربة طبلة تشعل الحناجر، وسماع كلمة ثورة قد يحقق التأهب الفوري والصراخ “ثورة ثورة”. صحيح أن بعضهم أحضر معه النرجيلة، وبعضهم افترش وسط الطريق للعب الورق، وأحدهم كان آتياً من الباشورة وعلى رأسه كرسيه الأبيض، فكل حضور هو موقف.
العاملون في محطات التلفزيون اللبنانية حققوا مزيداً من النجومية مع انطلاق الثورة “ضد الحرامية” وصاروا جزءاً منها خاصة تلفزيون “الجديد” و”أل بي سي”. لكن المعتصمين أمام مصرف لبنان سجلوا عتبهم الشديد على الشاشات. حراكهم أمام هذا المكان المسؤول بشكل كبير عن مصائبهم المعيشية لم يحظ بجاذبية لدى تلك الشاشات. وهذا ما ترك الأسئلة تتدافع حول المكاسب، والتفسير لا يُطلب بالطبع من مذيع أو موظف عادي بل من رؤساء مجلس الإدارة.
هدى شديد مراسلة تلفزيون “أل بي سي” عبّرت لـ”القدس العربي” عن موقفها كمواطنة وإعلامية من الحراك: يعنيني هذا الحراك لأن الساحة تجمع كافة اللبنانين على تنوع طوائفهم، وفئاتهم الاجتماعية، ومكونات مجتمعنا، كباراً وصغاراً، مسلمين ومسيحيين. والأهم أن الناس جميع الناس تركوا ولاءاتهم الحزبية ونزلوا إلى الساحات للتعبير عن أوجاعهم. هؤلاء الناس حملوا أوجاعهم منذ سنوات، وللمرة الأولى يشعرون بقدرة إيصال الصوت والتعبير عن الوجع. الهوة بين السلطة والشعب صارت كبيرة للغاية. ولشدة تسلط هذه السلطة لم يعد فيها ما يمت للشعب بصلة. لهذا تلك الصرخة خرجت من الأرض ومن الناس ومن الشارع وهزت عروش جميع من في هذه السلطة”.
نسألها عن التعبير الأكثر ألماً بالنسبة لها؟ تقول: جميعها مؤلم، طفح كيل الناس. كل من سرد معاناته بحسرة وحرقة ترك أثره بنفسي. شعرت بالنق لدى البعض لكنني وجدت ضرورة لعزل احساسي بهدف إيصال صوتهم. كمواطنة أتمنى وجود سلطة بديلة تنتشل هذا البلد من الحضيض الذي وصله سياسياً واجتماعياً ومالياً وإنسانياً. الهوة بين السياسي السكران بالسلطة والشعب مريعة. نسي السياسيون إنسانيتهم، وأن كل ما في الحياة له نهاية. ذكرتهم ثورة الناس بأنهم يحتمون بالسلطة كي لا يتذكروا مشاعرهم الإنسانية. أتمنى أن يعوا صرخة الناس. وأتمنى أن نصل لمكان نحقق فيه دولة. لقد ساهم اللبنانيون في كافة أنحاء العالم ببناء دول، في حين يرزح وطننا في الحضيض. فالسلطة تمنع أي حضور للنخب الذين يجب حضورهم في حياتنا.
ورداً على سؤال تقول هدى شديد: نعم فاجأني الحراك. ففي اليوم السابق لـ17 تشرين الأول/أكتوبر أعددت ريبورتاجاً عن الرسوم والضرائب التي كان يعدها مجلس الوزراء تحت عنوان الإصلاحات وبطريقة الخداع للمواطن اللبناني. قلت في هذا التحقيق لو يدرك المواطن تفاصيل الضرائب والرسوم التي ستلحق به بنتيجة كل موازنة للعن الساعة التي ولد فيها. هي سلطة تعمل لفرض ضرائب مقنعة بعنوان الإصلاحات. وفي هذا الريبورتاج تساءلت لماذا الشعب اللبناني مخدر؟ نعم تفاجأت وكبر قلبي عندما رأيت الناس في الشارع وبهذا الحجم.
نعلم من هدى أن ساعات عملها تمتد هذه الأيام بين 13 و14 ساعة، ولكن “يوم أمس وصلت طاقة الاحتمال إلى صفر فتركت إلى المنزل لأجل التشريج، وعدت اليوم ليرتاح الزميل ادمون ساسين. يجب أن نبقى واقفين وصامدين لمواكبة هذه الثورة التاريخية للشعب اللبناني ومن أجل حياة أفضل”.
فرح كفوري 16 سنة واحدة من اللواتي جذبهن التعبير رفضاً للواقع المزري الذي يعيشه الشعب، لفتها الحضور النسائي الكثيف فرسمت لوحة وصارت رفيقتها في كل يوم تنزل فيه إلى الساحة منذ انطلاق الثورة حسب تعبيرها. تقول لـ”القدس العربي”: بدأت رسم تلك اللوحة مع أول خبر على الشاشات عن بدء مظاهرة على جسر الرينغ. منذ تلك اللحظة شعرت أن أمراً ما بدأ يتغير. وبعد أن تعرض المتظاهرون لإطلاق نار من قبل حراس أحد الوزراء ومن قبل حراس نائب سابق اجتاحني الغضب. قررت التعبير وفق أسلوب أجيده وهو الرسم. تظهر امرأة في الرسم فأنا فتاة تعبر عن أحاسيسها ومشاعرها. تلك المرأة تصرخ من كل قلبها، فقدرة الاحتمال لديها انعدمت. المرأة تلك تمثل جميع اللبنانيين. رسمتها لأنها تعني لي الكثير في لبنان وسائر الوطن العربي، فهي تعيش بدون حقوق مواطنة وغير متساوية مع الرجل. وأنا كفتاة أتابع حقوق النساء في سائر الوطن العربي، وقد تأثرت جداً عندما سُجنت عهد التميمي من قبل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي طفلة وتمكنت من إيصال وجعها للعالم أجمع. بدوري شعرت بقدرة لوحتي على إيصال وجعي للعالم أيضاً. لوحتي تعبر عن قدرات المرأة في إيصال صوتها والمطالبة بحقوقها وحقوق الشعب، وبدوري أطالب بحقوقي كفتاة ومواطنة معاً. والمطالبة بحقوق المرأة ليس إلغاء للرجل. في رأيي المرأة هي الرمز الذي يمثل الشعب كونها الأم، ويمكن للمرأة أن تكون رمزاً للثورة حتى تحقيق الأهداف. وكتلميذة في السنة المدرسية الأخيرة أتمنى أن أدخل إلى الدراسة الجامعية وأن تكون الحياة قد تخلت عن ظلمها وعنفها واستبدادها الحالي. وأتمنى أن تحقق الثورة المطالب التي تلبي حاجات الشعب ليكون سعيداً في وطنه.
مجموعة من الطلاب الجامعيين تعمل على مشروع خاص بدراستهم لهندسة الكهرباء حيث قال أحدهم: نشارك في الثورة وننجز وظيفتنا الجامعية معاً. من يطالب بالثورة عليه أن يحرص على وقته.
نسأل الممثل طارق تميم عن سبب وجوده في وسط بيروت فيقول: سأبقى هنا حتى سقوط الحكومة وتحقيق سائر المطالب. لي حضور دائم في وسط بيروت في فترتي الصباح والمساء منذ لحظة انطلاق الحراك. لأول مرة أشعر بقلبي كبيراً. لأول مرة أشعر فرحي غامراً من هؤلاء الشباب المنتفضين على الظلم. منذ خمس سنوات نشارك في المظاهرات، اليوم بدأنا جني ثمار التعب الذي بذلناه. بالغوا في محاولات تفريق الشعب لكن مبالغاتهم أدت لوحدتنا بدون قصد من سياساتهم وغبائهم. ويتحدث طارق تميم بحذر عن تفاؤله ويقول: لن نكون سويسرا الشرق بين ليلة وضحاها. وما أخشاه هو عودة البعض إلى طوائفهم مجدداً. ولو حصل سيكون لبنان أقوى. وأرى أن الناس لن تتبع الزعيم بشكل أعمى كما حصل طوال السنوات الـ30 الماضية. ولبنان وحده سيكون “بي الكل” وليس أي إنسان آخر.
يذكر أن “نادي لكل الناس” عرض فيلم “إلى أين” الساعة السادسة من عشية 23 الجاري في صالة “البيضة” الشهيرة في وسط بيروت. وقد قال في دعوته لهذا العرض ما يلي: لإيماننا بحق الشعب في استرجاع كل الأماكن المنهوبة من قبل رجال السلطة وتحت شعار لبنان ينتفض يدعوكم “نادي لكل الناس” لحضور فيلم “إلى أين” للمخرج جورج نصر في مبنى البيضة (سينما البيضة في وسط البلد). وقد شهد العرض حضوراً كثيفاً.