لبنان: جيش الاحتلال الإسرائيلي يتلقى ضربات موجعة من المقاومة في الجنوب

محمد نون
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي تشعر بالفعل أنها «تغرق في الوحل جنوبي لبنان» بعدما أعلنت عن تكبدها خسائر كبيرة ومؤلمة في أرواح جنودها منذ بدء التوغلات البرية اعتبارا من يوم الثلاثاء الماضي.

وفي المقابل تتعمد الحكومة الإسرائيلية إكمال صورة مشهد الدمار في لبنان من خلال استخدام قنابل من زنة 2000 رطل وبكثافة كبيرة وصلت حد إلقاء 83 طنا من المتفجرات في غارة واحدة على منطقة المريجة في ضاحية بيروت الجنوبية مساء الخميس الماضي تحت ذريعة استهداف قيادة حزب الله، وذلك في غارة مماثلة من حيث حجم القوة التفجيرية لتلك التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية يوم الجمعة في 27 أيلول /سبتمبر 2024 واغتالت فيها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
وفي الغارتين وما سبقهما وما بعدهما كان هناك قاسم مشترك وهو قتل أعداد كبيرة من المدنيين اللبنانيين وتدمير مبان سكنية في كل غارة.
وبدأت تتشكل قناعة لدى قيادة الجيش الإسرائيلي بأن اغتيال قادة المقاومة لم تحقق نتائج حقيقية على الصعيد الميداني، حيث أن عشرات الجنود وعددا من الضباط قتلوا بفعل كمائن وعبوات وقذائف قوات المقاومة اللبنانية وخاصة بعدما اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل ثمانية جنود يوم الأربعاء الماضي في حادث تم وصفه بأنه خطير، وتلاه حادث مشابه يوم الخميس أعلن فيه حزب الله عن قتل 17 جنديا وضابطا إسرائيليا.
هذه الوقائع اضطرت رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ارتداء السواد، بينما تحدث وزير دفاعه يوآف غالانت عن خسائر كبيرة ومؤلمة أصابت قوات الجيش، وهو واقع اختصره البعض بالقول «ذهبت السكرة وجاءت الفكرة» حيث أن نتنياهو كان قبل ذلك رفع سقف مطالبه عاليا بالدعوة إلى سحق حزب الله وتغيير وجه الشرق الأوسط، متجاوزا ما كان أعلنه سابقا عن دفع الحزب إلى التراجع ميدانيا إلى شمال نهر الليطاني تمهيدا لعودة المستوطنين الإسرائيليين إلى المناطق التي هجروها عند الحدود بسبب استمرار جبهة الإسناد التي فتحها حزب الله في 8 أكتوبر 2023 دعما لقطاع غزة.
وتنوعت عمليات المقاومة اللبنانية ما بين صد التوغلات الإسرائيلية، وقصف تجمعات حشود الجنود في المنطقة الحدودية بينما استطاعت صواريخها بلوغ مناطق الوسط وضواحي تل أبيب حيث أعلنت عن قصف مقر جهاز الاستخبارات «الموساد» ومقر وحدة 8200 الاستخبارية، إضافة إلى قصف مواقع عسكرية.

استهداف للمستشفيات والطواقم الصحية

وأعلنت ثلاثة مستشفيات لبنانية، تعليق خدماتها اعتبارا من يوم الجمعة بسبب كثافة الغارات الإسرائيلية في محيطها وتسببها بأضرار.
وأفادت إدارة مستشفى السانت تريز في منطقة الحدث عند تخوم الضاحية الجنوبية عن «وقف الخدمات الاستشفائية» بعد وقوع «أضرار جسيمة» في المبنى والمعدات بسبب غارات عنيفة ليلا في محيط المستشفى. كذلك أعلنت إدارة مستشفى ميس الجبل الحكومي في جنوب لبنان، «إخلاء» المستشفى «ووقف العمل في كافة أقسامه» مع «قطع الطرق وخطوط الإمداد، وصعوبة وصول طاقمه. كما أقفل مستشفى مرجعيون الحكومي في الجنوب أبوابه بعد «غارة إسرائيلية استهدفت سيارتي إسعاف عند مدخله الرئيسي وفق ما أكد مدير المستشفى.
وأعلن وزير الصحة اللبناني فراس الأبيض الخميس، أن حصيلة العدوان الإسرائيلي على بلاده بلغت 1974 شهيدا بينهم 127 طفلا، و9384 مصابا.
وأضاف الأبيض خلال مؤتمر صحافي عقده في مستشفى بعبدا الحكومي شرق بيروت، أن الغارات الإسرائيلية قتلت 97 شخصا من الطواقم الطبية والطوارئ، بالإضافة إلى تضرر عشرات المراكز الصحية.
يأتي ذلك بعدما أعلنت غرفة عمليات الدفاع المدني في «الهيئة الصحية الإسلامية» في لبنان، يوم الخميس، استشهاد 7 من مسؤوليها ومسعفيها في قصف إسرائيلي استهدف مركزها بمنطقة زقاق البلاط في قلب بيروت. واستهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مركزا للهيئة الصحية الإسلامية في بلدة خربة سلم في جنوب لبنان، ما أسفر عن سقوط إصابات ومفقودين بالإضافة إلى استهداف عناصر الدفاع المدني أثناء قيامها بإزالة الركام بعد الغارات التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت. كما استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية سيارة للهيئة الصحية الإسلامية قرب مستشفى مرجعيون الحكومي في جنوب لبنان صباح الجمعة، ما أدى إلى استشهاد أربعة من العاملين في الهيئة الصحية الإسلامية.
وأدان رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي انتهاك إسرائيل القوانين الدولية، ومنعها لفرق الإنقاذ من الوصول إلى المواقع المستهدفة. وأجرى ميقاتي «سلسلة اتصالات دبلوماسية من أجل الضغط على العدو الإسرائيلي للسماح لفرق الإنقاذ والإغاثة بالوصول إلى المواقع التي تعرضت للغارات والسماح بنقل الضحايا والجرحى».

سياسة التهجير الممنهج

وأنذر الجيش الإسرائيلي يوم الخميس، سكان 25 قرية ومدينة في جنوب لبنان بإخلاء منازلهم والتوجه إلى شمال نهر الأولي، ومنها قرى الخرايب والزرارية وعدلون وأنصارية ومزرعة دير تقلا ومزرعة، والقصيبة وجبشيت والنبطية وكفر رمان وحبوش والسكسكية وكفر تبنيت وأرنون وزوطر الشرقية وزوطر الغربية وغيرها، وذلك ضمن سلسلة إنذارات سابقة ولاحقة لهذا الإنذار بغية زيادة أعداد المهجرين والنازحين من منازلهم.
وتقول السلطات اللبنانية «إن عدد النازحين اللبنانيين تجاوز 1.2 مليون فيما قتل الجيش الإسرائيلي نحو ألفي شخص منذ بدء الصراع الإسرائيلي وحزب الله اللبناني العام الماضي، وسقط معظم هؤلاء الشهداء خلال الأسبوعين الماضيين».
وازدادت أزمة النزوح حيث أعلنت رولى أمين، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خلال مؤتمر صحافي في جنيف أن «معظم الملاجئ الجماعية التي أنشأتها الحكومة في لبنان، وعددها 900 تقريبا، لم تعد فيها أي قدرة استيعابية». وأضافت أن المفوضية تعمل مع السلطات المحلية للبحث عن أماكن أخرى لإيواء الفارين من الهجمات وأن بعض الفنادق وبعض النوادي الليلية في بيروت تفتح أبوابها لهم في هذه الأثناء.
أما ماثيو لوتشيانو، رئيس مكتب المنظمة الدولية للهجرة في لبنان فأوضح أن «الطرق مزدحمة والناس ينامون في الحدائق العامة وفي الشوارع وعلى الشاطئ».
وأكد لوتشيانو امتلاء معظم الملاجئ، ومنها تلك الموجودة في بيروت وجبل لبنان، لكنه قال إن بعضها لا يزال به أماكن. وذكر أن عددا كبيرا من أماكن الإيواء الحالية هي عبارة عن مدارس، ما يعني تعطيل الدراسة.
وأبدى لوتشيانو قلقه حيال عشرات الآلاف من العاملين في الخدمات المنزلية في لبنان، وأغلبهم من الإناث، الذين قال إن أرباب عملهم «تخلوا عنهم».
وأضاف «ليست لديهم أوراق… ونتيجة لذلك فإنهم يترددون في طلب المساعدة الإنسانية لأنهم يخشون القبض عليهم وترحيلهم». وقال إن عددا كبيرا من هؤلاء العاملين جاءوا من مصر والسودان وسريلانكا، مضيفا أن الكثيرين منهم لا يستطيعون التحدث بالعربية.

استهداف الجيش اللبناني

وأعلن وزير الاشغال العامة والنقل اللبناني علي حمية أن إسرائيل بدأت بفرض حصار غير معلن على لبنان، وذلك بعد قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف نقطة المصنع الحدودية بين لبنان وسوريا فقطعت الطريق، وأضاف الوزير اللبناني أن جميع المعابر الحدودية تخضع لسيطرة الحكومة.
وكانت إسرائيل زعمت أن حزب الله يحاول تهريب أسلحة من سوريا إلى لبنان عبر معبر المصنع الحدودي وهو زعم نفته السلطات اللبنانية.
واتصل رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي بكل من قائد الجيش العماد جوزيف عون والمدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري، وطلب تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود اللبنانية السورية، بعد المزاعم الإسرائيلية. وتلقى ميقاتي تأكيدا من الجيش بأنه «متشدد جدا في الإجراءات التي يتخذها على المعابر الحدودية، ولا سيما عند معبر المصنع».
الاستهداف الإسرائيلي طال أيضا الجيش اللبناني الذي أعلن عن استشهاد جنديين وجرح آخر يوم الخميس.
وأفاد الجيش اللبناني بـ«استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخر بجروح نتيجة اعتداء من جانب العدو الإسرائيلي وذلك أثناء تنفيذ مهمة إخلاء وإنقاذ بمشاركة الصليب الأحمر اللبناني في بلدة الطيبة – مرجعيون» جنوب لبنان.
بينما ذكر في بيان آخر «استشهاد أحد العسكريين نتيجة استهداف العدو الإسرائيلي مركزا للجيش في منطقة بنت جبيل – الجنوب، وقد رد عناصر المركز على مصادر النيران». وكان الجيش اللبناني أعلن الاثنين الماضي استشهاد أحد جنوده جراء غارة إسرائيلية بطائرة مسيرة على حاجز للجيش في منطقة الوزاني جنوبي لبنان.

نشر الجيش
وتأكيد الوحدة الوطنية

وأعلن رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، أن «الحكومة اللبنانية مستعدة لنشر جيشها جنوب نهر الليطاني بعد وقف إطلاق النار، لتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 1701 مشيرا إلى أن «حزب الله موافق والمجتمع الدولي يساعدنا، لذا يجب أن نختار هذا الطريق بدلا من الحرب، لتحقيق أهدافنا بدون إراقة مزيد من الدماء».
وخلال محادثة أدارها رئيس فريق العمل الأمريكي المعني بلبنان، إدوارد غابرييل ونشرتها صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية الخميس، دعا ميقاتي الولايات المتحدة إلى «الإنصاف في النظر إلى من ينتهك الأعراف الدولية، وتأييد الوقف الفوري لإطلاق النار» وفقا لما ذكرته وكالة «آكي» الإيطالية.
وقال ميقاتي، إنه «خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة التقينا في نيويورك مع الدول التي تؤيد الهدنة التي اقترحتها الولايات المتحدة لمدة 21 يوما، وقد قبلناها» مبينا أن «إسرائيل تنتهك القرار رقم 1701 كل يوم، لكن إذا كان القلق يسود من اندلاع حرب إقليمية، فإن تطبيق القرار الآن يصب في مصلحة الجميع.»
وتابع: «التقيت رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأخبرني أن حزب الله قد قبل اقتراح البيت الأبيض» وأضاف: «إذا كان هدف إسرائيل هو إعادة مواطنيها إلى ديارهم آمنين، فيمكننا تحقيق ذلك سلميا من خلال الدبلوماسية» متسائلا: «لماذا نفضل خيار الحرب وحمام الدم بدلا من ذلك؟».

لاجئون
سوريون يعودون

ودفع العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 23 أيلول/سبتمبر مئات آلاف الناس إلى العبور من لبنان إلى سوريا، وفق السلطات اللبنانية، معظمهم سوريون كانوا نزحوا إلى لبنان بسبب الحرب السورية.
وعند معبر جوسيه الحدودي في ريف مدينة القصير السورية، قال أحد السوريين العائدين «هربنا من الحرب وعدنا إلى الحرب، خرجنا من الصفر وعدنا إلى تحت الصفر». ويضيف أثناء انتظاره مع عائلته وأطفاله الثلاثة حافلة تقلّه إلى الرقة (شمال شرق) «بعدما دخل داعش (تنظيم الدولة) إلى مدينتنا قبل عشر سنوات خرجنا فقط بالملابس التي كنا نرتديها ولم نأخذ معنا شيئا». ويتابع الرجل الآتي من منطقة الوزاني بجنوب لبنان «الآن، تكرر المشهد نفسه في لبنان، خرجنا من بين القذائف» في إشارة للغارات الإسرائيلية الكثيفة.
ويقول لاجئ سوري آخر فرّ أيضا من الوزاني جنوبي لبنان: «من نزوح إلى نزوح، رحلة لا تنتهي، واليوم سنتوجه إلى شارع مفتوح في الرقة… لم يعد لديّ شيء هناك، لا أهل ولا أقارب ولا منزل».
وينظر بحسرة الى نجله البكر قائلا «عمر ابني من عمر نزوحنا، لم يرَ في حياته إلا الحرب والنزوح، لم يتعلّم ولا يعرف القراءة والكتابة، حاله حال باقي أخوته».

إجلاء الرعايا

كثفت الكثير من دول العالم خطط الطوارئ لإجلاء رعاياها من لبنان منذ بدء العدوان الإسرائيلي.
ولم تزل شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية ميدل إيست هي الوحيدة التي تعمل في لبنان بعدما أدت الغارات الإسرائيلية إلى إعلان جميع شركات الطيران وقف رحلاتها.
وأرسلت بعض الدول طائرات للإجلاء ومنها اليونان وكولومبيا بينما أرسلت أستراليا طائرة عسكرية إلى قبرص في إطار خطة طوارئ. وتشمل خطة الطوارئ إمكانية الإجلاء بحرا رغم أن السلطات حثت ما يقدر بنحو 15 ألفا من مواطنيها في لبنان على المغادرة جوا بينما ما زال مطار بيروت مفتوحا.
ونصحت بلجيكا رعاياها بمغادرة لبنان في أقرب وقت ممكن. بينما قالت الصين إنها أجلت أكثر من 200 مواطن صيني. وحثت وزارة الخارجية الدنمركية رعاياها على مغادرة لبنان في أسرع وقت وأضافت أن خطوط طيران الشرق الأوسط اللبنانية ستسير رحلات إضافية من بيروت إلى وجهات في أوروبا لتلبية الطلب على مغادرة البلاد. وركزت فرنسا خطط الطوارئ الحالية على قبرص ومطار بيروت وتناقش أيضا عمليات إجلاء عبر تركيا بينما قالت وزارتا الخارجية والدفاع في ألمانيا إنهما تقومان بعمليات إجلاء من لبنان للموظفين غير الأساسيين وأسر العاملين في السفارة والمواطنين الألمان الذين يعانون من مشكلات صحية، وإنهما ستواصلان دعم الآخرين الذين يحاولون المغادرة. أما روسيا فقالت إنها بدأت في إجلاء مواطنيها من لبنان وإن رحلة خاصة غادرت بيروت يوم الخميس على متنها أفراد أسر البعثة الدبلوماسية.
وأعلنت الحكومة البريطانية إنها استأجرت عددا محدودا من الرحلات الجوية لمساعدة رعاياها على مغادرة لبنان وكررت نصيحتها لهم بالمغادرة فورا. وأمرت الولايات المتحدة بنشر العشرات من قواتها في قبرص للاستعداد لأي سيناريوهات بما يشمل إجلاء الأمريكيين من لبنان. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قالت يوم الثلاثاء إنها تعمل مع شركات الطيران لزيادة عدد الرحلات الجوية من لبنان مع توفير مزيد من المقاعد للأمريكيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية