لبنان: كلّ يدفن رأسه في الرمل ويلاقي نصفه الآخر

وسام سعادة
حجم الخط
0

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، قفزت إلى الواجهة مماحكتان في الداخل اللبناني.
فمن جهة، طفق عدد من أخصام الحزب يروّجون لفكرة أن هزيمة الحزب على يد إسرائيل هي فعل انتصار للبنان، وفاتحة لإعادة تشكيل المعادلات الناظمة للمعاش اللبناني من جديد. ما يُطمس رأساً مع هذا الحديث هو مقدار التصدّع في العلاقة بين الجماعات الأهلية اللبنانية المختلفة، ما بين «تغلّب» متهافت، يكابر على واقع هزيمته، وما بين شهوات «تغلّب» بديل أو مستعاد، يكابر على واقع الديموغرافيا.
وفي المقابل، ولو أنّ، قلة قليلة جداً ضمن أوساط الخمينية اللبنانية ومناخات الممانعة تشاطر رأي الأمين العام «الاضطراري» الحالي للحزب، الشيخ نعيم قاسم، بأن الحرب الأخيرة مثّلت انتصاراً له أعظم مما حصل في ختام حرب تموز 2006، فقد اشترك الممانعون في معظمهم في العزف على الوتر، بأن «تنبهوا… يا من في الداخل اللبناني، فالضغط يولّد – عاجلاً أم آجلاً – الانفجار».
رواية «النصر» تداعت من تلقائها، أما الإشعار بأننا «لم نزل هنا» فعمر أطول. لكنه إشعار مطبوع بالصبر والمراوغة حتى الآن. إذ يحاذر الدخول في كباش واضح ومفصلي على مستوى الداخل. يكتفي حتى الساعة بإظهار إشارات إمتعاض واستياء واحتقان. تصعد وتهبط.
فالحزب، ملتزماً بمفهوم «الثنائي» الذي يجمعه مع التشكيل الشيعي الآخر، حركة أمل، لم يقف حجر عثرة حيال انتخاب قائد الجيش جوزف عون رئيساً للجمهورية، ولا حيال تشكل حكومة نواف سلام، وتقبّل خطاب قسم وبيان وزاري، يشطبان ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، وينصّان على احتكار الدولة للسلاح.

مقولة الضغط سيولّد الانفجار

وعلى الرغم من تمادي إسرائيل على امتداد الخمسة أشهر الماضية إغارة واغتيالاً وتوغلاً واحتلالاً لتلال من جنوب لبنان، ويضاف إلى ذلك الإطباق أكثر فأكثر على طرق الانعاش العسكري واللوجيستي والمالي لـ«حزب الله»، من البرّ والجوّ والبحر وفي فضاء الإفتراض، فإن الحزب لم يتحرّك مجدداً لقصف أي من المواقع الإسرائيلية، ونفى مسؤوليته عن أي من تجهيزات الصواريخ المهلهلة، الضعيفة المدى التي بررت بها إسرائيل استهدافاً متجدداً للعمق اللبناني.
ومع ذلك انتفض قاسم وبعض مسؤولي الحزب مؤخراً ضد مقولة «نزع سلاح الحزب»، ومعهم سفير إيران الذي استدعته لأجل ذلك الخارجية اللبنانية، وهذا خبر كان ليبدو خيالياً قبل عام على سبيل المثال.
أما الرئيس اللبناني، فقد استبعد نهائياً أي محاكاة لبنانية، لنموذج استيعاب الحشد الشعبي ضمن القوات المسلّحة العراقية. والحزب، مع ذلك، لا يزال يرفض الكلام عن «نزع سلاحه» ويتسلّح بما مفاده بأن الضغط سيولّد الانفجار. وأخصامه يراهنون في المقابل بأن هذا الضغط سيولّد انفجار الحزب ذاته اذا ما أوصد أمامه الباب بشكل قطعي وواضح على أي إمكانية لإعادة إعمار المناطق المدمرة والمنكوبة في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع الشمالي جراء حرب التدمير الإسرائيلية، إلا من بعد سحب السلاح نهائياً من الحزب الموالي لولاية الفقيه الإيرانية.
الحزب، من جهته، لم يستطع تنفيذ وعوده بالتعويض على من خسر بيته ومصدر رزقه، إلا في القليل، وأخذ يطالب الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها في هذا الصدد، وهو يشارك بشكل غير رسمي في الحكومة، من ضمن مفهوم «الثنائي» الآنف الذكر، مع ذلك، يحور الحزب ويدور بين واقعة وبين خطاب. الواقعة هي أن تفكيك وإتلاف أسلحته جنوب الليطاني جار على قد وساق، من قبل الجيش اللبناني وبمؤازرة اليونيفيل، وتحت إشراف الأمريكيين والفرنسيين، وبضغط ناري من الإسرائيليين. والخطاب ما يزال يحرّك صورة واحدة في الذهن، وهو أن كل الوضع الحالي لن يمنع في «اللحظة المناسبة» توجيه مئات الصواريخ التي ما زال يمتلكها الحزب، باتجاه العمق الإسرائيلي. تقنياً، ما زال الأمر وارداً. عملياً، التكبيل يكبس على الحزب أكثر فأكثر. المماحكتان الداخليتان، تلك التي ترى أن هزيمة الحزب أمام إسرائيل فاتحة انتصار للبنان، وتلك التي ترى أن الحزب رغم هزيمته أمام إسرائيل يمكنه أن يواجه بضراوة أخصامه في الداخل اللبناني، متى أراد، لا تزال حتى الساعة تبثان حممهما، كل في مضماره، بدون احتكاك خشن؛ إنما ليس من سمات الواقع اللبناني أن يبقى «متوازياً» على هذا النحو، إلى ما لا نهاية. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو عن المطب الذي يمكن أن يسرّع الاحتكاك الخشن الداخلي، من جهة، أو الدخول في موجة مواجهة حربية جديدة، بين الحزب وإسرائيل من جهة أخرى. هل يمكن أن يتفادى لبنان الحالي الأمرين معاً؟ أم أن توقع ذلك فيه إفراط في التفاؤل.
جزء أساسي من الاحتقان الموجود في الداخل اللبناني مرده التصورات الجماعية المختلفة، غير المصرّح عنها، إلا لماماً، حول ما حصل يوم انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/اغسطس 2020. ولو أن كاتب هذه السطور ينطلق من واقعة الجهل الأساسي بما حصل بالفعل في ذلك اليوم المشؤوم إلا أنه لا يسعه المكابرة على وجود قناعة بالغة الاحتقان تربط تخزين النيترات أمونيوم في مرفأ بيروت بالحرب السورية، وبنظام الغلبة القائم آنذاك في الداخل اللبناني، أو تذهب لأبعد من ذلك، فتتلقف أقاويل ونتف حول تخزين لأسلحة في المرفأ. مساحة التخمين والقيل والقال هنا واسعة، وقد زاد الاحتقان من جراء تأخر التحقيق العدلي، وضغط أمني مكشوف لحزب الله آنذاك لتجميد هذا التحقيق. اليوم يبدو في المقابل، أن الواقع الجديد يتيح استئنافا للتحقيقات التي يجريها القاضي العدلي طارق البيطار بعد كل هذه السنوات، والمسؤولون السياسيون والأمنيون الذين «يتغنجون» ويرفضون الامتثال أمامه أخذوا يفعلون، وقد استجوب في الأيام الأخيرة رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب لساعتين، وينتظر أن يزود البيطار بالتقرير الفني الفرنسي الشامل المتعلق بانفجار المرفأ، وهناك من يتحدث عن قرار ظني أو اتهامي سيفرج عنه في نهاية المطاف في الأسابيع المقبلة. هذا اختبار غير تفصيلي بالنسبة إلى الاستقرار المتصدع والرث و«الارتقابي» المعمول به حالياً في البلد.
يتوازى ذلك مع المتغير الكبير المتمثل بتعديل قانون السرية المصرفية، تلبية لشروط صندوق النقد الدولي بالدرجة الأولى. فالبلد مدرج على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي كونه يعاني أوجه قصور جسيمة في أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمصارف الخاصة تواجه صعوبات في الحفاظ على علاقة حسنة مع المصارف المراسلة، بسبب ضعف الالتزام بإجراءات مكافحة تبييض الأموال. ما يهم الإدارة الأمريكية من كل هذا، هو التضييق المالي على «حزب الله» والقناعة هنا بأنه لا يمكن التوسع في هذا التضييق في وضع أمسى فيه لبنان، بعد أزمة الانهيار المالي أواخر 2019 يعتمد أكثر فأكثر على اقتصاد «الكاش»، وعلى الاقتصاد غير الرسمي، وغير المقونن ولا المراقب. حاولت البوتقة الأوليغارشية المالية في الأسابيع الأخيرة التعبئة عبثاً ضد رفع السرية المصرفية، ومن خلال إحياء السعار ضد الشيوعية واليسار واللاسامية ضد جورج سوروس، بدعوى أن يريد تدمير القطاع المصرفي اللبناني الوطني المنيع ليأخذ مكانه. يبقى أن رفع السرية المصرفية هو مطلب صندوق النقد، والأهم مطلب الإدارة الأمريكية، ولأجل هذا جرى تمريره في نهاية المطاف. إلا أن تمريره لوحده، لن يسمح بعدول لبنان مجددا عن اقتصاد «الكاش». فالشركات المالية تلعب دوراً متزايد الأهمية منذ انهيار 2019، وهي في الوقت نفسه بديل حيوي عن المصارف التقليدية، التي فقدت ثقة المودعين بسبب القيود على السحوبات وتجميد الودائع. لكنه مشهد جزئي، فالعلاقة بين المصارف والشركات المالية تطورت نحو التداخل الوثيق. وهذا بدوره جزء من لوحة أكثر تشعباً، تظهر أن رفع السرية عن الحسابات ليس كفيلا لوحده برفع الغموض عن العمليات المصرفية والمالية من وإلى وعبر لبنان. ما يجيز الاستطراد بأن البلد قد يكون انتقل من زمن «السرية المصرفية» إلى زمن «المصرفية السرية». مثلما هو انتقل من زمن «الممانعة المتغلبة» إلى زمن «ممانعة الآندرغروند». كل يدفن رأسه في الرمل ويلاقي نصفه الآخر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية