في العلاقات الدولية يعطى وزن كبير للتصريحات العلنية الموقعة، وتتناولها وسائل الإعلام باستخفاف غير مبرر. لقد كتب في الفقرة الأولى من البيان المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، الذي نشر الخميس الماضي في واشنطن: “رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وأمير ولي عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى لاتحاد الإمارات الشيخ محمد بن زايد، تحدثوا اليوم واتفقوا على تطبيع كامل للعلاقات بين إسرائيل واتحاد الإمارات. ولاحقاً أضافوا: “نتيجة للاختراق الدبلوماسي واستجابة لطلب الرئيس ترامب، ستعلق إسرائيل بسط السيادة على مناطق رسمتها رؤية الرئيس للسلام “.
وهذا النص يبرز هدفاً رئيساً: التطبيع. أما تعليق نية الضم فتذكر فيه في وقت لاحق جداً. ولكن أهميته المبدئية هي في الفكرة الجديدة التي يرسمها للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي، التي تبناها المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن بشكل غير مباشر. وتأتي خطة القرن كما عرضت في البيت الأبيض في كانون الثاني، لتكون نقطة الانطلاق والحجر الأساس للفكرة الجديدة. فالخطة ترسم “حلاً واقعياً” في دولتين لشعبين. أما نتنياهو فاعتزم هذه السنة أن ينفذ ومن طرف واحد قسماً صغيراً منها فقط، إلى أن تراجع عن ذلك. لا تطلب الخطة إخلاء للمستوطنات، ولا تغييراً في مكانة القدس، وتبقي للفلسطينيين حكماً ذاتياً على الحياة المدنية في جيوب مقطعة في الضفة. إن شاءوا يمكنهم أن يسموا هذا المنتج من الجزر الجغرافية “دولة”.
واضح من الخطة نفسها أن تنفيذها ليس شرطاً لتحقيق التطبيع الكامل في العلاقات بين إسرائيل ودول عربية وإسلامية، بل العكس. وفقاً لعقيدة كوشنير، المستشار والصهر اليهودي للرئيس ترامب، فإن التطبيع الاقتصادي العربي – الإسرائيلي شرط عملي للتقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين.
لقد رفضت قيادة السلطة الفلسطينية خطة ترامب رفضاً باتاً، والأوروبيون بغبائهم شجعوا رفضها المطلق، مثلما فعلوا دوماً. أما نتنياهو فرحب بها وتبناها: فهي خطة أحلامه التي تعبر بدقة شديدة عن أفكاره للتسوية مع الفلسطينيين، كما فصلها على مسمعي حين كان رئيس حزب معارض صغير.
في أعقاب الاتفاق مع اتحاد الإمارات، ساد في البلاد جو من الرضى الذاتي منفلت العقال، يذكر بفترة ما قبل عشرين سنة عندما ألقى الرئيس بيل كلينتون على الفلسطينيين الذنب في فشل المحادثات في كامب ديفيد، وحين حج ارئيل شارون مع روبي ريفلين إلى الحرم. أما النتائج المأساوية لتلك النشوى التي جاءت على صورة انتفاضة ثانية مضرجة بالدماء والقتل، فنتذكرها جميعنا.
ومن أجل منع اندلاع انتفاضة ثالثة قريباً، مطلوب مبادرة إسرائيلية سريعة وشجاعة دون تعال وتباهٍ، مبادرة تتضمن دعوة لمفاوضات سياسية على أساس خطة ترامب، واستئناف المساعدة الأمريكية والعربية المكثفة للفلسطينيين، وتجميد أي بناء جديد في المستوطنات، وموافقة على توسيع سيطرة السلطة الفلسطينية إلى مناطق نقية من الإرهاب، وإزالة القيود عن التنمية المحلية والتقدم التكنولوجي، مثل منع نشر شبكات خلوية جيل رابع، وغيرها من الخطوات التي تحقق الثقة.
لديوان رئيس الوزراء ووزارة الدفاع قائمة طويلة من الخطوات المانعة للانتفاضة، وتنفيذها أمر حيوي لضمان بقاء وتوسيع اتفاقات التطبيع مع دول الخليج أولاً، ومع باقي العالم العربية والإسلامي لاحقاً. حذار من الخطأ مرة أخرى والاستخفاف بالاستياء الفلسطيني العميق؛ لا نريد من أحداث 2000 أن تعود في 2020.
بقلم: سيفر بلوتسكر
يديعوت 19/8/2020