لجنة التحقيق حول فض الاعتصام في السودان عقبة أمام عودة التفاوض

عمار عوض
حجم الخط
0

كشف سياسيون ناشطون في قضية الوساطة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير بان المقترح الاثيوبي يتضمن تشكيل مجلس سيادة بأغلبية مدنية ورئاسة دورية، وان المقترح عبارة عن 8 مدنيين و7 عسكريين، وان الوساطة تنتظر تسمية العضو الثامن الذي سيرأس مجلس السيادة من قبل الحرية والتغيير ضمن الرئاسة الدورية بعد اكتمال تسمية أعضاء المجلس السبعة من المدنيين الذين تم الاتفاق عليهم بالكامل.

وكان السفير الاثيوبي محمود درير الذي يقود فريق الوساطة الاثيوبية في الخرطوم قال في مؤتمر صحافي قبل أيام، إن المجلس العسكري وافق على العودة إلى جميع الاتفاقيات السابقة التي جرى التوصل لها مع قوى الحرية والتغيير حول تشكيل مجلس الوزراء والمجلس التشريعي والفترة الزمنية للفترة الانتقالية.

فيما أكد الفريق شمس الدين كباشي رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري ترحيبهم بالمبادرة الاثيوبية وموافقتهم على طرحها ولكنه قال إن العودة للاتفاقيات السابقة ممكنة ولكن مع إشراك قوى سياسية سودانية أخرى من خارج قوى الحرية والتغيير في هذه المشاورات، وطالب قوى الثورة العودة للمفاوضات المباشرة في ظرف 24 ساعة.

وفي وقت تمسكت فيه قوى الحرية والتغيير بشروطها من أجل العودة للتفاوض، وعلى رأسها تشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف المجرمين الضالعين في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، وهو الأمر الذي رفضه المجلس العسكري في مؤتمره الصحافي الخميس وتمسك بالاكتفاء بلجنة تحقيق محلية، والتي قال إنها تقوم بأعمالها الآن وستصدر تقريرها النهائي السبت (أمس) بشكل نهائي تحدد التجاوزات التي تمت خلال فض الاعتصام، وذلك بعد ان أقر المجلس لأول مرة بأنهم ورئيس القضاء والنائب العام ومدير جهاز الأمن وقائد الشرطة، من قاموا بإصدار الأوامر والخطط لفض الاعتصام، وبالتالي فمن المتوقع ان يخرج التقرير المحلي للتحقيق بإدانة شخصيات دنيا من الذين شاركوا في التنفيذ وليس قيادات المجلس الذين قاموا بوضع الخطط وتولوا إصدار أمر الفض.

وبرز اتجاه آخر ما زال قيد التبلور من الوساطة الأفريقية بتكوين لجنة تحقيق يشارك فيها مكون خارجي من القارة الأفريقية، فيما يرى سياسيون في قوى الحرية والتغيير أن لجنة التحقيق يجب أن تضم ممثلين من خارج القارة الأفريقية، ويرون أن سجل الاتحاد الأفريقي في لجان التحقيق من هذا النوع غير جيد وغير مبشر.

وكان المراقبون للوضع في السودان يعولون على الدور الأمريكي المتمثل في زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية تيبور ناغي للخرطوم في الضغط على تشكيل لجنة تحقيق دولية حول الأحداث التي رافقت فض الاعتصام وسقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى خلال العملية، ولكن البيان الذي صدر من قوى الحرية والتغيير بعد لقائهم الوفد الأمريكي أتى عكس هذا التوقع، حيث لم يدعم تشكيل لجنة دولية للتحقيق وإنما اكتفى بالقول “ضرورة تكوين لجنة تحقيق مسنودة دولياً لتقصي الحقائق وتقديم الجناة للعدالة” وتعبير مسنودة دوليا لا يعني بالضرورة ان اللجنة ستضم أعضاء غير سودانيين.

وهو الأمر الذي سار عليه مساعد وزير الخارجية الأمريكية في مؤتمر صحافي مغلق عبر الهاتف من العاصمة الاثيوبية اديس ابابا بعد مغادرته الخرطوم ضم صحافيين من مختلف دول العالم من بينهم كاتب هذه السطور قال ردا على سؤال حول مطالبة قوى الحرية والتغيير بتحقيق دولي “الولايات المتحدة تدعم تحقيقا شفافا وذي مصداقية حول ما حدث أمام القيادة وان الولايات المتحدة لن تكون طرفا في التحقيق ولكن تدعم أي جهود لتحقيق مستقل ونزيه وشفاف وذي مصداقية”.

وبالطبع لن يكون التحقيق الذي أجراه المجلس العسكري الذي استغرق عمله أسبوعا واحدا فقط تنطبق عليه هذه الشروط الأمريكية المتمثلة في المصداقية والشفافية والاستقلالية، وهو الاتجاه نفسه الذي سار عليه التحالف الديمقراطي للمحامين السودانيين وهو أحد مكونات تجمع المهنيين وذراعه القانوني في البيان الذي أصدره الخميس وطالب من خلاله أعضاء المجلس العسكري الانتقالي، ورئيس القضاء والنائب العام بالاستقالة، وذلك لضمان نزاهة التحقيق بشأن الأحداث التي صاحبت فضّ الاعتصام من أمام مقرّ قيادة الجيش.

وقال التحالف: إنّ اللجنة التي كوّنها المجلس العسكري بشأن أحداث الثالث من حزيران/يونيو الجاري أصبحت غير قانونية بعد الاعتراف العلني منه بفضّ المعتصمين بالقوة.

وأوضح البيان أنّه يتوجّب تكوين لجنة تحقيق دولية يشترك فيها المحامون الشرفاء لضمان المراقبة والشفافية والدقة في التحري، لا سيما وأنّ السلطة القضائية ومكتب النائب العام يخضعان لسيطرة قيادات من شأنها إعاقة العمل القانوني وعدم الالتزام بالحيدة. وأكّد التحالف أنّ المجلس العسكري بات غير مؤهل بتكوينه الحالي ومباشرة أيّ مفاوضات سياسية للتقرير حول مستقبل الحكم في السودان أو المشاركة في عضوية مجلس السيادة بسبب وجوب خضوع جميع أفراده للتحقيق حول الجرائم التي ترتبت على فض الاعتصام.

وفي ظل هذا الوضع المعقد من اشتراط قوى الحرية والتغيير للعودة للتفاوض، إجراء تحقيق دولي حول فض الاعتصام وسحب مظاهر القوى والانتشار العسكري في شوارع الخرطوم وإعادة الإنترنت، وهي الشروط التي رفضها المجلس العسكري جميعها بتمسكه بلجنة تحقيق محلية وتسبيب عملية الانتشار العسكري بالظروف الأمنية التي تحيط بالبلاد وكذا الحال بالنسبة للإنترنت الذي اعتبر المجلس عودته مهددا أمنيا، تبقى قصة العودة للتفاوض المباشر أمرا عصي المنال في الوقت الراهن، ولكن من المتوقع ان تستمر جهود الوساطة الأفريقية التي تقودها دولة اثيوبيا من أجل تقريب وجهات النظر في القضايا الخلافية الكبرى المتمثلة في لجنة التحقيق كمرحلة أولى  ونسب المشاركة في المجلس السيادي كمرحلة ثانية والتأمين على الاتفاقات السابقة كمرحلة أخيرة.

لكن من الواضح أن هذه المراحل ستأخذ وقتا طويلا جدا ولن تنتهي بسرعة وفق ما هو مرغوب لإنهاء حالة الاحتقان السياسي في السودان الذي يفتح الباب على مصراعيه حول مستقبل هذا البلد الهش أمنيا والذي يفتقد إلى الموارد ويعيش مواطنوه ضائقة اقتصادية كبيرة لكن لديهم التصميم العالي لاستعادة الديمقراطية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية