رئيس الوزراء الجديد – القديم بنيامين نتنياهو وشركاؤه في العالم العربي وخصوصاً في دول الخليج، اجتازوا العقبة الأولى التي وقعت في طريقهم منذ الأسبوع الأول من ولاية الحكومة: حجيج الوزير بن غفير إلى الحرم. ومع أن تنديدات واحتجاجات سمعت من كل صوب، بل وأخذت الإمارات على عاتقها دور المبادرة ورفعت شكوى لا داعي لها لمجلس الأمن باسم الفلسطينيين، لكن الرسالة العربية كانت واضحة: سنفعل كل شيء كي لا ندع المسألة الفلسطينية تعود لتفرض نفسها على جدول أعمالنا، وتغرقنا من جديد في نزاع لا جدوى منه مع إسرائيل.
ينبغي الافتراض بأن الدول العربية كان يسرها لو وجدت حلاً ما للمسألة الفلسطينية، وكان يحيّد هذه المسألة المشحونة دفعة واحدة وإلى الأبد، وهي مسألة تشعل المنطقة بأسرها كل مرة. لكن لا ينبغي الوقوع في الخطـأ – فهي لا تبدي أي اهتمام بالفلسطينيين وبمطالبهم من إسرائيل. ومع ذلك، تحتل المسألة الفلسطينية مكان الشرف الذي يصعب على الأنظمة العربية تجاهله في الرأي العام العربي، المنقسم والمنشق حول كل شأن وأمر. ولهذا السبب، هي تحتاج إلى تعاون من جانب إسرائيل موضوعه إبداء ضبط النفس والامتناع عن عروض مغطاة إعلامياً لأغراض داخلية ليس وراءها ما هو حقيقي، لكن من شأنها أن تؤدي إلى اشتعال زائد.
يمكن، بالطبع، الموافقة على الادعاء الذي يقول إن الوضع الراهن القائم اليوم في الحرم ليس مريحاً لإسرائيل، وليس فيه مس بحرية العبادة الدينية لليهود، بل وأيضاً تجاهل لأهمية الحرم لدى الشعب اليهودي. لكن معنى الوضع الراهن، بالمقابل، أن إسرائيل هي صاحبة السيادة على الأرض بالفعل، وبهذا يعترف العالم العربي أيضاً. إن الصراع الذي يشتعل في الحرم صبح مساء لا يتعلق بالسيطرة الفعلية على الحرم، بل موضوعه الاستعراضات والصورة الإعلامية، وغير مرة أيضاً استفزازات من الجانب الفلسطيني ليس فيها ما يغير الوضع الفعلي.
في إسرائيل من يسعون إلى تغيير الوضع الراهن الذي في إطاره يخضع الحرم كمكان مقدس لإدارة – ولكن ليس لسيطرة – رجال دين الأوقاف الإسلامية. غير أن احتمال هذا ليس كبيراً، فما بالك أننا فوتنا الفرصة أكثر من مرة لإحداث تغيير كهذا.
في المرة الأولى فوتنا الفرصة حين فشلت إسرائيل في الأيام الأولى بعد قيام الدولة. في أيار 1948، في محاولاتها لاحتلال البلدة القديمة والتي توجد فيها حارة اليهود والحرم. وفي وقت لاحق أيضاً، عندما رجحت كفة الحرب لصالحها، واختار زعماء إسرائيل إعطاء أولوية لمسائل أخرى على جدول الأعمال – تثبيت الدولة التي ولدت لتوها، وضمان الحدود واستيعاب الهجرة الجماهيرية – وهكذا تركوا مهمة تحرير البلاد كلها للأجيال القادمة.
فوتت الفرصة في المرة الثانية عندما حررت القدس في حزيران 1967، لكن حكومة إسرائيل فضلت إبقاء الحرم بإدارة الأوقاف. في نظرة إلى الوراء، كان هذا تفويتاً لفرصة تاريخية، هي بمثابة بكاء للأجيال، إذ كان بوسع إسرائيل في تلك اللحظات التاريخية أن تملي شروطها وتقرر وضعاً راهناً جديداً في الحرم، دون أن تراعي الدول العربية التي شنت حرباً عليها. منذئذ تمسكت عموم حكومات إسرائيل بالوضع الراهن الذي تقرر في حزيران 1967، بل وسار بعضها شوطاً أبعد، وعندما أديرت مفاوضات مع الفلسطينيين أعربوا عن الاستعداد للتخلي عن السيطرة على الحرم.
اليوم لا يطالب أحد إسرائيل بالتخلي عن سيطرتها على الحرم، والعالم العربي والفلسطينيون يسلمون، عملياً، بوجودها فيه. كل ما نحتاجه هو أن نبدي ضبطاً للنفس والحفاظ على الوضع الراهن، الذي فيه، كما أسلفنا، نقاط إيجابية. صحيح أنه يمكن الجدال في هذه التفصيل أو ذاك للوضع الراهن في الحرم، لكن يجدر بنا أن نتذكر بأنه مهم بقدر لا يقل الحفاظ على البيت نفسه، وعلى دولة إسرائيل ومصالحها التي تتركز اليوم بالدفع قدماً في علاقاتها مع العالم العربي وبإقامة جبهة موحدة حيال إيران. هذه أهداف قابلة للتحقق، ويجب منح الأولوية لها، مثلما فعل بن غوريون في العام 1948 ومثلما اختارت الحكومة الحالية فعله أيضاً في نهاية المطاف.
بقلم: أيال زيسر
إسرائيل اليوم 8/1/2023