اللحن أو الخطأ اللغوي مبحث متعدد الاتجاهات قديم التناول، ما يعنينا منه في هذا الإطار هو البحث عن المنطق الذي يكمن وراءه. فنحن نؤمن بأن اللحن ليس صدفة عاثرة أمام سيرورة قدرية للغة؛ بل هو عثرة وراءها سبب ما، قد نجده أو لا نجده. من قدر اللساني للساني أن يبحث عن هذا السبب جيدا.
في هذه الأيام تكثر على صفحات التواصل الاجتماعي نصوص النعي والتعازي وبما أن لكل جِداره، ولكل من الثقافة مقداره، يمكن أن يكتب الكاتبون بأخطاء في اللغة سنسميها لحن الموت.
في التراث العربي القديم خوف مبالغ فيه من اللحن؛ نحن نتفهمه لكننا لا نؤيده. كان علماء العربية وغيرهم يخافون اللحن، لأنهم كانوا يخشون أن يكون الناس وهم يلحنون محرفين اللسان عن أصوله. وتحريف اللغة عند العلماء القدامى، الذين حاربوا اللحن هو شيء عظيم، لأنهم اعتبروه بوابة لتحريف الكتاب والسنة وبالتالي سببا في إفساد العقيدة. كل من يشارك العلماء القدامى هذه النظرة هو في الحقيقة يقاسم رؤية قديمة لدور اللغة وصفائها، ولدور العالم والنحوي خصوصا في أن يكون حارساً للغة أمينا على سلامتها.
لكن الرؤية اليوم تغيرت؛ فحين تكون لسانيا فلن يكون من حقك أن «تغير» أو «تحرس» أو «تسهر « أو «ترعى» أو غير ذلك من الأفعال المسندة إلى «سدنة» اللغة. وليس من حقك ـ لسانيا- أن تلحّن زيدا أو تصوّب عمرا، فهذه أدوار الحرس اللغوي القديم، ومن أراد أن يكون لسانيا فمن شروط العلم الأولى أن يتخلى عن هذا الدور. ولا سبيل إلى الجمع بين صفة اللساني وحراسة اللسان، ففي ذلك ضرب من السكيزوفرينيا اللغوية: أن تكون أنت واصف اللغة ووَصِيفُها.
الحديث اللساني عن اللحن يختلف عن الحديث النحوي عنه فلئن كان النحوي يريد أن يقوّم الخطأ ويصل إلى استعمال للغة لا لحن فيه، فإن من دور اللساني أن ينظر إلى ما يسمى لحنا على أنه غلطٌ ممكن في لسان من تحدث غير لغته الأم. لأن من سمات من يتكلم لغته الأم أن يكون ذا قدرتين: القدرة على أن يتكلم بشكل سليم لا خطأ فيه؛ وأن يكون قادرا على أن يصلح من تكلم لغته الأم من الأجانب، وأخطأ فيها: يسمي شمسكي هذا المنجز للغته الأم: المتكلم المستمع المثالي. إذا أخطأ شخص ما في لغة، ولم يكن الخطأ سبْقَ لسان، أو هفوةً لا إرادية، فإن ذلك دليل على أنه ليس متكلما مستمعا مثاليا، وهناك فرق بين أن تتكلم لغة بعد أن تتعلمها على يد معلم وأن تتكلم بها على السليقة: اللحن لا يكون في هذه، بل يكون في الأولى.
ومن الناحية اللسانية لا يمكن أن يصبح تحريف اللغة ظاهرة عامة، فلا يمكن أن يجمع الناس على أن يرفعوا المفعول، سيفعل ذلك شخص واحد ثم ستلقنه البقية درسه، وسيعود إلى الجادة رافعا ما نصب. ولا يمكن أن يجتمع الناسُ في بلد ما مهما كان ميالا في لسانه إلى الترقيق، أن ينطق طاء طبل بالتاء، أو ضاد ضبع بالذال، وحتى إن فعل ذلك وكتبهما بالتاء والذال فسيجد من سيرده إلى جادة الكتابة على الأقل، حتى إن لم يردّه إلى جادة النطق. تمارس الجماعة اللغوية حمية طبيعية هي التي تجعل الأشخاص يتطوعون للإصلاح، دون أن يكلفهم بذلك أحد. المجموعات اللغوية ليست لها قوة الإنجاز وحسب، بل لها أيضا قوة المحافظة على اللغة، لذلك لا يمكن أن تحرف العربية، إلا إذا اتفقت هذه الجماعة ذات يوم على هجر استعمالها واستبدالها بأخرى، وعندئذ لن يكون في الأمر خطأ أو لحن، بل ستكون فيه نشأة ظاهرة لغوية جديدة، لا يمكن لأي أحد أن ينعتها بالخطأ.
الموت بهذا المعنى لقاء منتظر منذ الخلق لمخلوقات يقال إنهن ينتظرن أصحابهن قبل خلقه. يخلق الصواب عالما يكون فيه الانتقال إلى الجِوار الرباني، ويخلق اللحن عالما موازيا تكون فيه الجواري هدفَ الانتقال بالموت من حياة إلى خلود.
لسانيا يمكن أن نميز بين أنواع من اللحن؛ هذا دور اللسانيات أن تبوب الأخطاء. فعلى سبيل المثال يمكن أن نميز ونحن نقرأ الأخطاء التي يقع فيها من يكتبون النعي بالفصحى بين ضربين من اللحن: لحنٍ له أسباب من داخل اللغة، وآخر له أسباب من خارجها. حين يكتب الناعون خطأ (•إن لله راجعون) بدلا من (إنا) فذلك لأسباب لغوية داخلية نابعة من لبس بين (إن) الناسخة المؤكدة و (إنا) التي هي اختزال لـ(إننا) المركبة من أداة التوكيد وضمير المتكلم الجمع. ما أحدث اللبس ثلاثة أمور اثنان منها صوتيان، والثالث مرتبط بالعبارات الجاهزة. يتمثل الصوتي الأول في أننا لا ننطق في بعض لهجاتنا بالمد نطقا بينا في (إنا لله.. ) والصوتي الثاني هو حذف نون الضمير؛ أما السبب الثالث فيتمثل في أننا نتعامل مع هذه العبارات، وكأنها عبارات جاهزة أو مسكوكة، إذ يعتقد الناس أنها قد قدت بالشكل الذي هي عليه من غير علة ولا سبب. فالعبارات المسكوكة هي عبارات جاهزة لا يسأل حول دلالتها المفصلة ولا عباراتها الجزئية.
أما الخطأ الثاني الرائج في سياق النعي فيتمثل في أن يكتب أحدهم (انتقل إلى جواري ربه) بدلا من (جوار ربه). حين يتكلم المرء بشكل سليم، فإنه ينجز اللسان بالمواضعة العقلية التركيبية الطرازية، التي اتفق عليها الناس؛ وهذه المواضعة اللغوية العقلية ليست خالية من مواضعة ثقافية خلفها. فجوار الله ومجاورته عبارات تستعمل في الثقافة العربية الإسلامية، على سبيل المجاز الدال على قرب المتحدث عنه من مكان مقدس هو عزيز على الله، فالإقامة فيه هي ضرب من مجاورة الله. لذلك سمي الزمخشري، عالم النحو والتفسير جار الله، لأنه أقام في مكة مدة طويلة، فكأنما جاور الله مجاورة مجازية المجاز فيها جاء من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه محله إذ الأصل جارُ بيت الله.
المهم أن (انتقل إلى جوار ربه) في لفظ النعي الأصلي، ينبغي أن يفهم منه أن الميت المنعي قد كسب بموته نقلة مكانية، فمقامه بعد موته يمكن أن يقربه من الملكوت الأعلى. في النعي ضرب من التسامي بالميت وتعويض عن حرمان الوجود بوجود فيه قرابة من الملكوت الأعلى. الانتقال من الدنيا إلى الآخرة بالموت هو في هذه الثقافة انتقال من ملكوت بعيد عن الله هو ملكوت البشر ومغرياته بإنسه وشيطانه، إلى ملكوت لا إغراء فيه ولا غواية.
الغلط أن يكتب كاتب انتقل إلى (جواري) ربه ولسنا ندري كيف ينطقها أبكسر الجيم أم بفتحها. في الأمر لحنٌ ذو خلفية ثقافية. فلو كان الأمر لحنا بسيطا لكان الخطأ انتقل إلى جِواري بالكسر وليس بالفتح وهذا سيكون خطأ بإشباع حركة لا تشبع، أو بلغة النحاة القدامى يتمثل اللحن في مَطْل أو إطالة لحركة الراء بلا مناسبة. أصل الإشكال في نقل حركة الكسر التي في الجيم إلى فتحة وإشباع الراء في آخر الكلمة، ما جعلنا ننتقل من مفهوم الفضاء: جِوار أي قرب في المكان إلى مفهوم الشخص: جَوارٍ.
الخطأ فيه نقلة لا واعية من الجنة باعتبارها جوارا ربانيا، أو محلا مقدسا كالكعبة في الدنيا يمكن أن يكون فيها الله قريبا أو قل أقرب إلى حد الجوار؛ إلى الجنة باعتبارها مقرا للخلود في النعيم، لكن ليس بين جواري الرب وجواريه صلات منقطعة. فالجوار في الملكوت الأعلى حين يترجم إلى مكان معلوم، سيكون له اسم واحد هو الجنة، وما من شك في أن الجواري جزء من متعلقاتها. أن الموت بهذا المعنى لقاء منتظر منذ الخلق لمخلوقات يقال إنهن ينتظرن أصحابهن قبل خلقه. يخلق الصواب عالما يكون فيه الانتقال إلى الجِوار الرباني، ويخلق اللحن عالما موازيا تكون فيه الجواري هدفَ الانتقال بالموت من حياة إلى خلود.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية