لعْنَةُ المُثَنّى!

ليس هناك في الثقافة العربية الرسميّة وحتى الشعبية، لعنة تصيب المعدودات غير المثنّى. التّثنية لعنة العاشقين حين يخلوان فتكشفهما عين الرقيب أو لعنة التنائي بعد الأنس يصبح العالم قفرا في غياب مثنّاك وتصيبك سآمة العدد، فالواحد الذي هو أنت لا شيء والجمع الذي هو هم دونه لا شيء. والزوج في مؤسسة الزواج عدد يطلب ويمكن أن يمجّ، لأنّه إمّا أنّه يخنقك بالحصار أو يقتلك بالعطش على مفارق الانتظار.
التثنية التي اشتقّ منها لفظ المثنّى مقولة من مقولات تصريف الاسم بالعدد وفي العربية فإنّ المثنّى هو عدد يعتبره النحاة العرب أوَّل الجمع، لكنّهم يفردون له صيغة مخصوصة لا نجدها في لغات أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية، فالعربيّة من اللغات التي تحتفي بالتثنية وتخصّص لها مقولة برأسها. لكنّنا لن نتحدّث عن التثنية بما هي مقولة لغوية فذلك قد يخرج بنا إلى الاختصاص، لكنّا سنتحدّث عن التثنية بما هي ظاهرة ثقافية مشكلة إلى حدّ الإزعاج واللعنة، ولا سيّما عند الشعراء الذين عانوا من مشكل المثنى.
نحن نعتقد أن الاحتفاء في لغتنا العربية بالمثنّى يعني أنّها مقولة مهمّة في وعي أصحاب تلك اللغة فبعيدا عن النحو ومشكلاته ومعرباته ومبنيّاته، وفي مجال الشعر أرقى صنوف الثقافة في الجاهلية، وفي أيّام ما قبل الإسلام فإنّ المثنّى ضمير ذو مَهابة ووقار إذ يظهر لك في أولى أبيات الشعر في فواتح القصائد الطليلة فمن منّا لا يعرف طالع معلّقة رأس الشعراء وأميرهم امرئ القيس: (قفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل+ بسقْطِ اللّوي بين الدخول فحَوْمَلِ). وقد توقفنا في مقال لنا سابق في هذا العمود عند هذا البيت لكنّنا وحتى لا نعيد ما ذكرناه نريد أن نشير إلى أن التثنية في هذا الطالع ليست في إسناد الفعل إلى مثنى (قفا) بل المثنى حالة عامة في البيت فالذكرى مزدوجة (ذكرى الحبيب والمنزل) و المكان الذي يوقف به مرتبط بموضعين ومن هنا نقول إن التثنية حالة عامة ولنقل شعريّة شاملة ذاهبة إلى الجمع لأنّها تدخل إلى الثلاثة و بهذا العدد تنغلق دائرة كمال الصحبة وكمال الإطار وكمال الذكرى، إذ ترتبط في شقي صورتيها: الحبيب والمنزل براهن المتذكر. ما زلت أستغرب تخريجات تكرر القول إن مخاطبة المثنى في (قفا) هي شكل من أشكال قديمة في مخاطبة المفرد، لكأنها ضرب من مخاطبة المفرد بأنتم، في محادثة أصحاب الفخامة اليوم، مجاراة لما يحدث في لغات أخرى كالفرنسية، لكنّه تفسير غير مقنع لأنّه لا فائدة منه لا نحويّا ولا تداوليّا، فتفخيم المخاطب بجمعه يمكن أن يكون عنوان مهابة لا يمكن أن تنطبق على الرفيق الذي يقف مع من قصد الطلل وطلب الوقوف.
لكنّ السؤال: لماذا كانا رفيقين وليس أكثر؟ فما دام الأمر على الوهم والتخيّل لمَ لا يشدّ الواقف الحزين أزره بجماعة، وهي أمتن شدّا وأصلب عمادا؟ هل يريد الشاعر أن يحزن في دائرة ضيقة لأنّ الحزن إذا شاع أضعف الحزين؟ والخبر إذا شاع أوهن الباكي؟ صحيح أن البكاء ليس من شأن الرجال في ثقافة تتطلب أن يكون القوي من الرجال غير بكّاء؟ لكنّ كلّ هذه الافتراضات يفضحها البوح في النصّ ونشره بين الناس وسعي الركبان به: إن كنت تبكي أيّها الرجل وتخفي فأجدر بك ألاّ تحكي وألاّ تذيع..

المسألة في غير هذا المذهب لأنّ البكاء في هذا السياق يرفع من شأن الباكي، ويجعله إنسانا حيّا وفيّا، ووصف الرجال بأنّهم عاطفيّون متفاعلون حسّاسون لا يذهب بماء الرجولة فيهم شيئا، ودمع الرجال حين يذرف لا توقفه هيبة ولا وقار طهر يجبّ ما قبله ويطيح به لكن له ما بعده.. ما زلت أعتقد أن المثنّى الذي نجده في الوقوف على الأطلال هو تركة ثقافيّة قديمة، لم يستطع الشاعر أن يتخلّص منها دخلت نصّه من عادة وثنية بدأت في عبادة عنصر طبيعي غالب سرعان ما ثنّي تأكيدا للطمأنينة وترسيخا لها. يبدأ التعدّد في الآلهة من الشعور بأنّ الثاني يمكن أن يعضد الأول، وينفتح الثاني على الثالث فعلى الجمع. من هنا كانت التثنية كاللعنة الشيطانية، التي تسكن ذهن من كان يطمئن للواحد وطمع في الزيادة.
المثنّى دائرة اعتقاد مهمّة في الثقافة العربيّة، والمثنّى في هذا الثقافة أيضا تقوية شرعيّة في سياق العدالة والشهادة، فالعدول مثلا في ثقافتنا ينبغي أن يكونا اثنين فأكثر، والشهادة لا يمكن أن تكون عادلة إذا كانت من اثنين فأكثر، فالاثنان عدد أدنى لإرساء نوع من العدل والتوازن الروحيين. في البيت أعلاه (قفا نبكِ..) فإنّ التثنية عادة ثقافية ناجمة عن إرساء التوازن النفسي، الذي لا يكون إلاّ حين تكون الذات الباكية بين قوّتين هما اللتان تخلقان التوازن.

إن أردت أن تفهم نصّا فيه تركيز في الطالع على المثنى فعليك أن تنبذ القراءة التي تركز على المفرد: الواقف على الطلل والحبيبة الراحلة، فهناك دائما واحد يسعى إلى أن يثنّى، إن القراءة التي تنفي المثنّى هي قراءة لا تركّز إلاّ على طرف واحد، تركّز على الباقي وتنسى الرفيق، وعلى الحبيبة وتنسى المنزلة، وعلى الرحلة وتنسى الطريق.

إن أردت أن تفهم نصّا فيه تركيز في الطالع على المثنى فعليك أن تنبذ القراءة التي تركز على المفرد: الواقف على الطلل والحبيبة الراحلة، فهناك دائما واحد يسعى إلى أن يثنّى، إن القراءة التي تنفي المثنّى هي قراءة لا تركّز إلاّ على طرف واحد، تركّز على الباقي وتنسى الرفيق، وعلى الحبيبة وتنسى المنزلة، وعلى الرحلة وتنسى الطريق. إنّ في القراءة كما في عبادة التوحيد اختيارا لمركز وقتلا للثاني، أو هو نفي له إلى المحيط، غير أن القصائد كتبت بروح تعدّديّة يكون فيها المثنى ملعونا إن لم يوجد قارئ مؤمن به.

في قصيدة غزلية لجميل بثينة مخاطبة لمُثنى تبعث على الحيرة وعدم القبول، يقول: (زورا بثينة فالحبيب مزورُ / إن الزيارة للمحبِّ يَسيرُ) ذكرت الأخبار أن المخاطبين هما ابنا عمّ لجميل بل ذكرتهما بالاسم وهما روق ومسعدة؛ وفي تفصيل الأمر خبر مفاده أن الزيارة مشاركة شكلية تفضي إلى خلوة المجنون ببثينة. لا شيء يمنع من أن تصدّق الخبر، ولا شيء يمنع من أن تكذّبه، وسواء أصدّقت أم كذّبت فلا شيء يجعلك تفهم لماذا استعمل المثنى في سياق لا يستعمل فيه إلاّ المفرد، فلئن كانت التثنية مقبولة في الوقوف على الأطلال مثلما عليه الحال في معلقة امرئ القيس، فإنها غير مقبولة في سياق غزلي، رؤية الحبيبة فيه غنيمة مفردة لا تتقاسم مع أحد.

أن يستعمل الشاعر المجنون المثنى في إشراك الغرباء في زيارة هي مقصورة عليه، وفي التسليم على محبّ هو موهوب له، فذاك لا يمكن أن يفسّر إلاّ بثقل العادة التي كان فيها المخاطب المثنى أصل المخاطبة في مطالع القصيد، يقول جميل في قصيدة أخرى أصابتها بدورها لعنة المثنى: (خليليّ عوجا اليوم حتّى تسلّما / على عذبة الأنياب طيّبة النشر) فأن يتقاسم الشاعر الحبّ والزيارة والسلام ورؤية الأنياب وشمّ زكي الرائحة مع غيره، لا يمكن فهمه على أنّه مشاعية غرامية، بل هو إسقاط شكل شعري على آخر. هذا الإسقاط يفضي بنا إلى استعمال مثنى كان شرعيّا في الوقوف على الأطلال إلى مثنّى بات لا أخلاقيا، صار ملعونا.
لكنّ شاعرا ذكيّا مثل أبي نواس تمكّن من التخلّص من لعنة المثنى حين انفصل عنه طالبا الخلاص متجها إلى طريق يختلف عن طريق سلكها الثاني حين قال (عاج الشقيّ على رسم يسائله/ وعجت أسأل عن خمارة البلد) إلى أن يقول (دع ذا عدمتك واشربها معتّقة /صفراء تفرّق بين الروح والجسد). يمكن أن تصل إلى الفصل بين لفيف من اثنين، إن كنت تجد في ذلك ما يكبّلك فالمثنى كاللّعنة التي تبدو لك في أوّلها رغبة مزيّنة ثمّ تصيبك في مقتل.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية