الجزائر ـ «القدس العربي»: أراد الرئيس الفرنسي ان يمثل الاستثناء مقارنة بمن سبقوه في الحكم في فرنسا بتحقيق إنجازات غير مسبوقة في ملف الذاكرة مع الجزائر، وبقدر اندفاعه في هذا المسار خلال حملته الانتخابية الرئاسية وخلال سنوات حكمه الأربع، بقدر ما نسفت خرجاته وتصريحاته غير المسبوقة حول هذا الملف كل ما أنجز على قلته، وأكثر من ذلك أدخل العلاقات بين البلدين في أزمة يصعب تصور مآلاتها بسبب حجم الغضب والضرر الذي خلفته تصريحاته شعبيا ورسميا في الجزائر التي طعن في تاريخ شعبها.
وبعد سلسلة من خطوات التقارب بين باريس والجزائر في اتجاه تفكيك ألغام أكثر الملفات تعقيدا بين البلدين ويتعلق الأمر بملف الذاكرة، والتي شكلت محور اتصالات مكثفة بين قائدي البلدين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، وفي وقت وقت كان ينتظر ان تسفر هذه التحركات عن تقارب أكبر، جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي لتدخل العلاقات بين البلدين في نفق أزمة لن تحلحل غدا وتداعياتها كبيرة، خاصة وان ماكرون أدلى بتصريحات اعتبرت في الجزائر، شعبيا ورسميا، تدخلا في شؤون البلاد الداخلية وطعنا في تاريخ الجزائر، عبر خطاب ومصطلحات مشتقة من خطاب اليمين المتطرف الفرنسي الذي ناصب العداء لكل ما هو جزائري بسبب عقدة الجزائرية الفرنسية.
«الجزائر لم تكن أمة»
ماكرون لم يجد حرجا في القول بإن الجزائر لم تكن أمة قبل الاستعمار الفرنسي، عندما تسائل خلال لقائه مع شباب من أبناء الحركى والأقدام السوداء وفرنكو جزائريين «هل كانت هناك فعلا أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟ هذا هو السؤال» وأضاف بالقول «أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماما الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها، وشرح أن الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون. وهو أمر يصدقه الجزائريون».
أن الجزائر قامت بعد استقلالها عام 1962 على نظام «ريع الذاكرة» الذي كرسه «النظام السياسي – العسكري» فيها، وقال إن ذلك النظام هو الذي أعاد كتابة التاريخ الاستعماري الفرنسي للبلاد، بمرجعية نابعة من «الكراهية لفرنسا» وطالب بإعادة كتابة التاريخ باللغة الجزائرية.
وجاءت التصريحات بعد أيام قليلة من قرار فرنسا بخفض التأشيرات الممنوحة لمواطني دول كل من الجزائر وتونس والمغرب، وهو الإجراء الذي انتقدته الجزائر بشدة وربطته بأجندة انتخابية فرنسية.
ردود غاضبة في الجزائر
تصريحات ماكرون وإجراءات فرنسا خلفت غضبا في الجزائر قامت على إثرها باستدعاء سفيرها لدى باريس للتشاور، أعقبته بقرار آخر يمنع تحليق الطائرات الفرنسية العسكرية فوق أجوائها. وأصدرت الرئاسة الجزائرية بيانا عبرت فيه عن رفضها القاطع للتدخل في شؤونها الداخلية وذكرت فيه بماضي فرنسا الاستعماري بالجزائر وفداحة جرائمها التي اقترفتها ضد الشعب الجزائري.
ردود الفعل الرافضة لتصريحات ماكرون في الجزائر عبر عنها مسؤولون جزائريون وأحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة للرد الشعبي على ما بدر من الرئيس الفرنسي.
ودعت أحزاب سياسية ومنظمات جماهيرية إلى إعادة النظر في العلاقات الجزائرية الفرنسية، عبر تمرير قانون تجريم الاستعمار بالبرلمان الجزائري، ومنع استعمال اللغة الفرنسية في الإدارات وإحياء مشروع التعريب، إلى جانب إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الفرنسية في الجزائر.
وطالبت منظمة المجاهدين التي تجمع قدامى المقاتلين في حزب تحرير الجزائر في بيان أصدرته، بأنه «آن الأوان لمراجعة العلاقات القائمة بين الدولتين الجزائرية والفرنسية» وأضاف البيان أن إجراء هذه المراجعة يمثل «أولوية» و«مسؤولية وطنية» وأنّه بات ضرورياً «التفكير جدّياً في إخضاعها – أي العلاقات الثنائية- لتقييم يطال مختلف جوانبها».
أجندة انتخابية
وربطت الكثير من القراءات بين تصريحات ماكرون والوضع الداخلي، حيث تأتي عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية ويسعى ماكرون للبقاء على رأس الإليزيه لعهدة ثانية، لكنه يرى بأن حظوظه محدودة بالنظر إلى سجل حكمه خلال العهدة الأولى الذي عرفت فيه شعبيته تراجعا كبيرا بالنظر إلى إخفاقاته على أكثر من صعيد اقتصادي واجتماعي ومؤخرا دوليا بعد خسارته لصفقة الغواصات التي وصفت بخسارة القرن والهزيمة المذلة لفرنسا، إلى جانب المتاعب التي يواجهها في مناطق نفوذ فرنسا في أفريقيا خاصة في منطقة الساحل.
وتدرك الجزائر جيدا حسابات ماكرون الداخلية وتوظيفه لملف الذاكرة، وهو ما عبر عنه مسؤول جزائري فضل عدم الكشف عن هويته، في تصريحات لموقع «الشروق أونلاين» بقوله «أن الهوس القهري بالانتخابات الرئاسية المقبلة قد جر الرئيس الفرنسي إلى عاصفة المزايدة ضد كل ماهو جزائري وضد المهاجرين، مزايدة يغذيها وبطريقة مصطنعة اليمين المتطرف».
أما الدبلوماسي والوزير الجزائري الأسبق عبد العزيز رحابي فاعتبر تصريحات ماكرون بأنه يتبنى خطابًا عن الجزائر يتكيف مع كل موعد انتخابي، مما «يجعل بلدنا موضوع نقاش متكرر ليصبح مشكلة سياسية داخلية لفرنسا».
وتأسف لكون الجانب الفرنسي «لا يزال يُنظر إلى الجزائر على أنها زبون وشريك أمني خلال السنوات الأربع الأولى من العهدات الرئاسية؛ في حين ينظر إليها كفزّاعة خلال السنة الأخيرة، بعدما تم هذه المرة استنفاد روافع أسلمة التطرف من قبل النخب السياسية والإعلامية».
من جهته يرى الإعلامي والمختص في العلاقات الجزائرية الفرنسية طارق حفيظ ان ما جاء على لسان ماكرون بأن الأخير «يستعمل منصبه كرئيس للجمهورية في حملة انتخابية مسبقة، ويستعمل أيضا وسائل الرئاسة الفرنسية لإطلاق هذه الحملة عبر قصر الإليزيه» وأشار إلى أن «ماكرون حاول اللعب على زرع الفتنة بحديثه عن العلاقات الجيدة التي تجمعه مع الرئيس تبون، محاولا تحميل ما وصفه بالنظام السياسي العسكري مسؤولية المشاكل بين البلدين، كما انه انتهز الفرصة للتهجم على تركيا بحديثه عن عدم اعتراف الجزائريين بأن بلادهم كانت مستعمرة من طرف الأتراك».
في هذا الشأن توقف الإعلامي طارق حفيظ في حديثه مع «القدس العربي» عند الاخفاقات التي منيت بها فرنسا على الصعيد الدولي على غرار صفقة الغواصات مع أستراليا، والتي خرجت منها بخفي حنين، إلى جانب خسارات أخرى استراتيجية «فرنسا تدرك بانها فقدت حضورها في المغرب لصالح الأمريكيين والإسرائيليين بالرغم من أن المغرب العربي كان تحت نفوذهم» إلى جانب ذلك لدى فرنسا «مشاكل مع تركيا وأيضا مع روسيا وهنا أعني ما يجري في الساحل وبالضبط في مالي بعدما خسرت أفريقيا الوسطى لصالح موسكو» ولا يستبعد مشاكل مستقبلية مع الصين.
ويقدر طارق حفيظ ان المستجدات التي تعرفها هذه المنطقة، مرتبطة بعملية إعادة توزيع الأوراق ليس في الساحل لكن في كل أفريقيا الغربية، حيث ينتظر ان نشهد «هجوما كبيرا لروسيا في مناطق نفوذ فرنسا في أفريقيا الغربية».
ردود من باماكو وروما وتحرك
الجزائر اختارت بعناية طرق الرد على خرجات ماكرون «غير المسبوقة والغريبة» كما وصفت من طرف المتابعين، حيث استغل وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة فرصة تواجده في مالي للرد على باريس، وما تمثله مالي الآن من صداع لدى حاكم الإليزيه في ظل الأزمة التي تفجرت إثر التقارب الكبير بين باماكو وموسكو على حساب باريس. وصرح لعمامرة بعد استقباله من طرف المسؤولين في باماكو وعلى رأسهم رئيس الدولة عاصيمي غويتا ونظيره المالي «هناك ما يمكن تسميته إفلاس ذاكرة لوصف التصريحات الأخيرة الصادرة بحق الجزائر» وتابع: «هذا الإفلاس يدفع للأسف علاقات فرنسا الرسمية مع بعض دولنا إلى أزمات لابد أن يتم التخلص منها باحترام متبادل وغير مشروط للسيادة واستقلالنا».
لعمامرة رد أيضا على تصريحات ماكرون بتذكيره بالماضي الاستعماري لفرنسا ليس فقط في الجزائر ولكن في أفريقيا بمطالبته شركاء أفريقيا في الغرب ويقصد فرنسا «أن يتحرروا من تاريخهم الاستعماري ومنطق ما يزعمون أنه مهمة نشر الحضارة كغطاء أيديولوجي للاستعمار، الذي هو جريمة ضد الإنسانية في الجزائر ومالي وفي عدة دول أفريقية» وأضاف قائلاً: «نذكر كل من يريد أن يسمعنا بأن أفريقيا هي مهد الإنسانية وقبر الاحتلال والعنصرية، والجزائر فخورة بأنها سرّعت هذا التاريخ عبر ثورتها المجيدة وأسهمت في انعتاق عديد الدول الأفريقية».
تواجد لعمامرة في مالي في هذا التوقيت، حسب مراقبين، كان بمثابة رسائل إلى فرنسا على ان الجزائر لديها كلمة ووزن في منطقة الساحل ويمكن ان تؤثر على مصالحها، وعبر لعمامرة خلال لقائه مع العقيد عاصيمي غويتا عن «تضامن الجزائر اللامشروط والتزامها الثابت بدعم مالي خاصة في ظل التحديات الراهنة، وفاء لقيمها ومبادئها التحررية».
التذكير بماضي فرنسا الاستعماري من باماكو، أعقبه تذكير آخر ورد على تصريحات ماكرون بخصوص عدم وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي أي سنة1830 وكان هذه المرة من العاصمة الإيطالية روما، حيث انتهز الفرصة بزيارة المعتقل الذي كان يتواجد فيه القائد النوميدي يوغرطة قبل ان يقتل، وكتب لعمامرة في تغريدة له على حسابه بموقع «تويتر» مرفقة بصورة للمعتقل «هذه قطعة من تاريخ الجزائر الممتدة جذوره في قلب روما. آخر مكان سجن وقتل فيه ملك نوميديا يوغرطة ابن سيرتا وحفيد ماسينيسا سنة 104 قبل الميلاد، بعد حرب ضروس ضد الرومان دامت 7 سنوات» أراد من خلاله القول لماكرون بأن تاريخ الأمة الجزائرية يعود إلى ما قبل التاريخ.
رسائل تهدئة ورفض جزائري
وأمام الغضب الجزائري، حاول ماكرون اللعب على وتر التهدئة من أجل تدارك ما خلفته تصريحاته «الاستفزازية» وأكد خلال مقابلة مع إذاعة «فرانس أنتر» على أن العمل مع «الجزائر يجب أن يستمر وآمل أن تهدأ التوترات الدبلوماسية الحالية قريبا». وأضاف: «نرجو أن نتمكن من تهدئة الأمور لأني أعتقد أن من الأفضل أن نتحدث إلى بعضنا بعضا وأن نحرز تقدما» ودعا إلى مواصلة «فحص تاريخنا مع الجزائر بتواضع واحترام» داعيا إلى «الاعتراف بالذاكرات كلها والسماح لها بالتعايش». وأكد «هذه ليست مشكلة دبلوماسية بل هي في الأساس مشكلة فرنسية-فرنسية».
الجزائر لم تتفاعل مع دعوات التهدئة الفرنسية، بل تشبثت بموقفها، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية عن مصدر قريب من الرئاسة الجزائرية على حسب ما نشرته بأن «الموقف الجزائري سيظل ثابتاً تجاه فرنسا الرسمية» مشيرة إلى أنّ تصريحات ماكرون التي تدعو إلى التهدئة «لن تغير شيئاً».
ووفق المصدر أيضاً، فإن «تصريحات ماكرون بخصوص العلاقات الوديّة التي تجمعه بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لن تغير موقف الجزائر كون المشكلة بين دولتين، وهي ليست مشكلة شخصية». وأشار إلى أن «الجزائر ستبقى على عدم تفاعلها مع مثل هذه الدعوات التي أطلقها الرئيس الفرنسي، أمام محاولات التهدئة التي قام بها بتودده إلى الرئيس تبون».
وهو ما أكده لعمامرة بقوله أن فرنسا ارتكبت خطأ جسيما، وبأن الجزائر «لن تقدم أي تنازلات» وقال من روما بأنها: «لا ترغب في إدارة أي مشكلة مع شركائها الدوليين عبر وسائل الإعلام، وإنما من خلال الوسائل الدبلوماسية» وأضاف: «القواعد واضحة، في حال احترام سيادتنا واستقلالنا وحقوقنا المشروعة، فنحن على استعداد للتعاون مع هذا الشريك، وإلا فنحن مستعدون لمواجهة ذلك».