تخط الحدود بلون أزرق في عالم تخطيط المدن. هذا هو الرمز الدارج للمفهوم الواضح بحدود عملنا، لكن الخط الأزرق ليس سوى حدود الخطة وليس حدود الرؤية التخطيطية كلها. كل معماري ومهندس أو مخطط مديني سيقول إن تخطيط المدن يجب أن يتطلع لخلق استمرارية وتواصل وارتباط بينه وبين ما يحصل في محيطه. فالمدن والدول متواصلة، والخطة قطعة فسيفساء أوسع بكثير من خطها الأزرق.
وعندها جاءت “المناطق” [الضفة الغربية]؛ فرسم رجال الجيش والسياسيون خطاً أخضر، وليس المخططون. ومثلما في قصة الأطفال المعروفة، نظر الخط الأزرق إلى الخط الأخضر وسأله، “من أنت؟”، “أنا”، قال الخط الأخضر، “أنا من قصة أخرى”.
ومنذئذ وحتى اليوم لم يتحدثا معاً. الخط الأخضر هو حائط، حاجز، لا يمر عبره أي تخطيط إسرائيلي استراتيجي، ولا أي خطة قطرية لخطوط البنى التحتية، الغاز، الطاقة، محطات توليد الطاقة، خطوط التوتر العالي، خطوط التسفير العام، المستشفيات أو المقابر. كله في إسرائيل مخطط حتى التعب، لكنه يتوقف، وينقطع، ويتقطع ويكبح عند الخط الأخضر. 56 سنة ونحن في عالم التخطيط نتجاهل، بأمر سياسي، التخطيط كما ينبغي له أن يكون.
في قلب أزمة السكن والبنى التحتية الخطيرة والمتواصلة، يترك إقليم من البلاد يقع على مسافة ربع ساعة جوية من قلب مناطق الطلب عندنا، ليدير نفسه تخطيطياً بدون أي صلة بنا، يلعبون “الغماية” كأطفال الروضة: يضعون الأكف على العيون ويقولون “ها هم لا يروننا الآن”. هذا الانقسام موجود أيضاً في عالم الترخيص والتخطيط المحلي، وإذا اعتقدتم أن التخطيط في إسرائيل مركزي، فانتظروا لتسمعوا ما يحصل في “المناطق”. واضح أن المسألة الأمنية – السياسية مركبة ومن الصعب تحريرها، لكن لماذا يحق لمهندس مدينة أشدود أن يقرر بنفسه خطوط البناء لأرض عامة في المدينة، بينما مهندس مدينة “أريئيل” أو “معاليه أدوميم” يحتاج لتلقي إذن من مجلس التخطيط الأعلى لدولة إسرائيل؟ هذا خط بناء مدرسة، أليس كذلك؟ وليس مفاعلاً ذرياً.
مثال آخر: لنفترض أن أصدقاءكم في بلدة “لبيد” أو “اورانيت” أو “الفيه منشه” يبنون فيلّا، ثم في إطار البناء غيروا ولو قليلاً شكل النوافذ التي تقررت في الرخصة؛ حينئذ عليهم أن يرفعوا طلباً لرخصة جديدة من البداية، وإذا ما أقاموا “مظلة” فسيحتاجون رخصة بناء، على كل التسويق الذي ينطوي عليه ذلك.
فالتغييرات الطفيفة ليست من صلاحيات المهندس في “المناطق” [الضفة الغربية] مثلما هي في إسرائيل، أنظمة الألمنيوم المعفية من الرخصة غير موجودة هي الأخرى في “المناطق” كما هي في إسرائيل، هذه وأنظمة عديدة أخرى موجودة في القانون ويمكن تبنيها بسهولة في “المناطق” وستحسن لكل من يسكن هناك، لمهندس المدن، والمجالس الإقليمية وبالتأكيد للسكان، كل السكان.
في إسرائيل يتمكن عالم التخطيط من التغيير والتغير، أما في “المناطق” فهو مجمد منذ زمن بعيد؛ والذريعة “ننتظر التسوية السياسية”، لكن التخطيط السليم لا يتعارض والسلام، بل العكس؛ فإذا حدث هنا سلام بين الشعبين يوماً ما، فسنكون مطالبين بأن نقيم وننشر بنى تحتية متواصلة معاً. لقد سبق أن قامت أقاليم موضع خلاف سياسي في التاريخ، فنحن لم نخترع هذا، ومع ذلك من حازها عملياً حرص دوماً على تطويرها وازدهارها. دولة إسرائيل تستخدم حتى اليوم بنى تحتية مادية، وخطوط سكك حديدية، وموانئ وحتى مباني بيروقراطية مؤسساتية أقام فيها الأتراك والبريطانيون قبل مئات السنين.
حتى من يؤمن بأن هذه الأقاليم لا تعود لنا، فعليه أن يقبل حقيقة أنها في الحفظ والصون منذ 56 سنة، وحفظها في وضع غير متطور ومخطط يمس بطرفي النزاع. إن إقرار إدارتها في هذه الأثناء دون تفكير استراتيجي يمنع عن الجميع الازدهار والنجاح، لكن ثمة أمل: مؤخراً، نشر عطاء علني لمنصب مخطط لواء “المناطق”، الذي يكاد يكون موازياً لمنصب مدير مديرية التخطيط في إسرائيل. وهذا سيتمكن من أن يقود نحو التغيير المطلوب.
نصيحة واحدة للمرشح للمنصب: هذا ليس موضوع يمين ويسار. لا محل لانتظار السلام أو المسيح. المسيح لن يأتي حالياً. كما أن المسيح لا يخطط، فهذه وظيفتنا.
عنبر فايس
إسرائيل اليوم 26/6/2023