إن العمل الروائي هو الأكثر اتساقا مع المشاعر والأفكار، يُخاطب كل شي (الأحاسيس، الانفعالات والتفكير) لأنه يولد من رحم الواقع، ويخرج من عباءة أحداثه وقضاياه.
فكيف إذا كان هذا العمل نتيجة تجربة الروائي نفسه، كتجربةِ ناريمان علوش في روايتها الأخيرة «للبالغين نون النشوة» الصادرة عن دار ناريمان للنشر (طبعة أولى 2022) حيث سلكت فيها مسلك السيرة الذاتية في السرد الروائي، فنقلتها بكل تفاصيلها، وبكل جرأة وشفافية. وكان ما قدمته في سردها لحكايتها يشبه كثيرا ما يعيشه جيل الصبايا والشباب اليوم من حالات حب وعشقٍ. خلَقت روايةً اتسمت بالصدق والوضوح، وامتزاج الفكرة بالشعور وبالامتداد الإنساني، تحمل آثارها وبصماتها في الشكل والمضمون.
بَنت الكاتبة روايتها على ثنائية الحب الحقيقي الممزوج بالجنون وبمشاعر الغيرة، والحب الخلاصي، الذي أوصلها إلى السلام الداخلي والروحي، المتمثل بظل المتصوف جلال الدين الرومي، فالحياة المفروضة عليها كانت قاسية، لذلك أخذت تبحث عن الخلاص خارجها، ووصلت أخيرا إلى أن الخلاص يكمن في هذا الحب الخلاصي والحقيقي، وبأن الحب هو الله.
نبذة عن الرواية وأحداثها
الحدث المركزي الذي سيطر على النص هو (قصة أدهم وأفروديت) حيث حدثتنا الكاتبة عن يوميات العشق، وكيف يُكوى العشاق بناره، عن قصة حب «تتربع قافيتها على كرسي المعنى» كما ذكرت في صفحة الإهداء. وقدمتها بعاطفتها، أوليست العاطفة عنصرا من عناصر العمل الأدبي، وهي جزء لا يتجزأ من انتقال المرء من الكبت إلى التسامي، حيث عبّر سيغموند فرويد عن هذه العملية بعبارته: «في حياة كل مبدع ألم وكبت وحرمان». أفروديت الشاعرة والإعلامية الثلاثينية التي تقوم بكل حماسة بنشاطاتها الثقافية واللقاءات الأدبية (أفروديت آلهة الحب والجمال في الأساطير اليونانية، التي أورثتها نون النشوة والجموح في مشاعر العشق والحب) كانت تحلم بأن تعيش قصة حب أسطورية كقصص الحب في الأساطير والروايات، كنساء الأساطير اللواتي لا يرضين بالقصص التي لا تشرب حليب وجدانهن، تحلم بأن يحبها شاعر بكامل عنفوان قصيدته، حب تكتفي به ويؤمن لها السعادة، إلى أن وصلت إلى هذا الحلم، وعاشته مع شاعر كانت قد التقت فيه لأول مرة في أمسية شعرية، ولم يتوقف عن ملاحقها كظلها باستمرار. خاضت في قصة حبها التي شابتها الثغرات، تجربة مليئة بالخذلان والألم والحزن إلى أن وصلت إلى أن النشوة الحقيقية هي نشوة اللاوصول، وهنا انتقلت إلى قضية تقف على هامش الحدث المركزي ألا وهي قضية الوصول واللاوصول، وهل فعلا أن الوصول يؤدي إلى الفتور والمقتل ويفقدنا الشغف. أفردويت هي أيضا المرأة المطلقة وأم لطفل اسمه لؤي، تزوجت في سن صغيرة من رامي الزوج الذي لم يبخل عليها بشيء مادي أبدا، إلا أن ما تحتاجه كان حضنه واهتمامه، عاشت تجربة هذا الزواج، الذي بقيت آثاره السلبية ملتصقة بها، وتلاحقها خاصة بعد أن طلبت الطلاق.
تحمل هذه الرواية بين دفتيها قضايا شائكة في مجتمعاتنا العربية، كقضية زواج القاصر (للكاتبة رواية حملت هذا العنوان «زواج قاصر» صدرت أيضا عن دار ناريمان للنشر2022) وقضية المرأة المطلقة والنظرة الموبوءة اتجاهها، وكيف تشغل مساحات التفكير والأحاديث، إضافة إلى صورة الرجل الذي لم يخرج من قوقعة الشك والظن ومن دور الجلاد. «في مجتمعاتنا أول ما يخطر في بال مَن حولنا حين تطلب المرأة الطلاق هو أنها تبحث عن مساحات تتسع لحريتها ولممارسة رغباتها القلبية، أو ربما وجود رجل ما استحوذ على عاطفتها فانقادت له». كما تناولت علوش حاجة المرأة إلى الاهتمام والحنان ورغبتها الدائمة في أن تكون على قائمة أولويات الرجل الذي تحب، أو الذي اختارته شريكا لها في حياتها. «كان رامي قد عودني على حياة البذخ، ولم يشعرني يوما بالنقص أو الحاجة.. لكن ما كنت أفتقر إليه لم يكن قادرا على إعطائي إياه، لم يقتطعه من يومه المثقل بالمشاغل، ويخصصه لي، وإلى عناقٍ طويل ٍلا ينتهي».
الحدث المركزي الذي سيطر على النص هو (قصة أدهم وأفروديت) حيث حدثتنا الكاتبة عن يوميات العشق، وكيف يُكوى العشاق بناره، عن قصة حب «تتربع قافيتها على كرسي المعنى» كما ذكرت في صفحة الإهداء.
ونقلت لنا صورة العائلة ووضعها وانشغال أفرادها كل بهمومه، وغياب الأب وأثر هذا الغياب على العائلة، واغتيال العمة، هذا الاغتيال الذي لم يكن له سبب يٌذكر وبقي مجهولا، وذكرت أيضا خيانة بعض الأشخاص ممن وثقت بهم ثقة عمياء، نظرا لمعاملتهم الطيبة معها والوقوف بجانبها في بعض المواقف الصعبة. كما تسترجع الكاتبة من خلال تقنية الفلاش باك، ذكريات من طفولتها التي كانت حاضرة معها دائما في شخصيتها وفي قلبها، فكما قال إرنست همنغواي: «لا يمكن لأي كاتب الفرار من طفولته» وكيف تفر من طفولتها التي سُلبت منها في تجربة قاسية، حفرت أظافرها في جسدها الصغير البريء، وتركت بصمتها الحارقة في ذاكرتها، كما تسرد لنا بعض المواقف والذكريات الجميلة والسعيدة، والحزينة أيضا التي مرت بها في صغرها وكيف أثرت فيها وكبرت معها.
ومن الأحداث التي ذكرتها أيضا ثورة 17 تشرين سنة 2019 التي سميت «بثورة الواتساب» كما تطرقت إلى الحديث عن جائحة كورونا، وعن سبب وصول هذا الفيروس إلى لبنان في شباط/فبراير عام 2020 عندما سجلت أول حالة إصابة بالفيروس، إضافة إلى شروع الدولار بالارتفاع، والأسعار كذلك. ولأن الرواية خُلقت من صلب الواقع وتمثل سيرة الكاتبة الذاتية في قالب روائي، فإن أحداثها تتداخل، كأنها الحياة تسير بتلقائيتها، دون أدنى تدخل من الكاتبة، وهو ما يجعل السرد متشابكا مع الحواس. فالسيرة، سواء أكانت ذاتية أم غيرية، جنس أدبي مستقل، له قواعد مُحدَدة وأساليب معروفة في القص والترتيب. وقد أشار الباحث الفرنسي فيليب لوجون إلى أنَ عنصرَين فقط من العناصر التي أورَدها في سياق دراسته لفن السيرة الذاتية، لا يكتملُ شكلُ السيرة دونهما؛ وهما التطابق بين المؤلف والراوي، وموقع الراوي وتطابقه مع الشخصية الرئيسية. وهذا ما لاحظناه في «للبالغين نون النشوة» من خلال التطابق الذي كان بين الكاتبة والراوي والشخصية الرئيسية أفروديت. حيث هيمنت الراوية أفروديت على السرد في الكثير من الأماكن، وأخذت دور الراوي العالم بكل شي، فاحتكرت الأصوات، وسيطر في معظم الأحيان صوتها (صوت أُحادي) على السرد الروائي.
شخصيات الرواية
إذا كانت الرواية تمثل رؤية الكاتب إلى الواقع من خلال موقعه الاجتماعي الفكري فإن الشخصية الروائية، وهي عنصر من عناصر الرواية، تشكل جزءا من هذا المتخيل، إنها كائنات ورقية كما يقول رولان بارت. ويجب أن يكون لها طابع ووجه يعكس هذا الطابع، وماض قد شكل هذا الطابع، وهذا الوجه. فكيف إذا كانت هذه الشخصيات حقيقية وواقعية كشخوص رواية «للبالغين نون النشوة» حيث قدمت علوش شخصيات روايتها في هذا النسيج السردي من أفراد عائلتها، أصدقائها، وزوجها السابق وغيرهم بلا رتوش، مع تغيير في أسمائهم الحقيقية، فلم تترك فيها مجالا للخيال أبدا. من هذه الشخصيات نجد:
شخصية (مجند برو) المحببة للجميع، الذي كان يمسك بيد الموهوبين من الشباب، ويمنحهم فرصة إلقاء قصائدهم على صفحته فيسبوكية، التي تضم مختلف المثقفين والمتابعين من لبنان والبلدان العربية. (منصور البابا) الذي وضعته الحالة السردية في نطاق العامل المساعد، فكان حالة مختلفة، وكانت أفروديت وكثيرون مثلها يحبونه، ويرون فيه الطيبة والثقافة والخبرة في لغة الحياة. كان دائم الطرح لوجهات النظر المختلفة، خاصة في ظل تكاثر ولادة الشعراء والأدباء، حيث كان من ضمن القائمين على عقد اجتماعات، للحد من تفاقم هذه الأزمة. ويقول الشاعر والإعلامي مردوك الشامي الذي قدمته الكاتبة في روايتها باسم (منصور البابا): «وحين دخلتُ العتبات الأولى، وقفت في حيرة فعلا، هل سأقرأها كمردوك الشامي بكل حيادٍ، أو كمنصور البابا أحد شخوص الرواية، كما سمتني ناريمان حين كنت وما أزال حاضرا في تلك الأحداث التي لا أقول عنها تشبه الواقع، بل هي الواقع تماما وبكل حيثياته وعناصره».
فنجدها من معين حياتها والأحداث التي مرت بها، بنت عملها الروائي الذي خلط بين نص روائي وسيرة تراوحت بين الذاتية والغيرية، وصور شعرية، وعبرت عن الرؤى الفكرية والرغبات ومكوناتها الداخلية على لسان الشخصية الروائية. وبدت الشاعرية واضحة في السرد، فجاءت اللغة جميلة رقراقة حملت الأبعاد الإنسانية والنفسية للكاتبة، فكما قال أدونيس في كتابه «مقدمة للشعر العربي» إن الشاعر الحقيقي ليس من يُقدم عالمه الخاص وحسب، بل مَن يقدمه عميقا بأبعاده النفسية والإنسانية. وهذا من الطبيعي أن نجده في «للبالغين نون النشوة، وفي أسلوب الكاتبة والشاعرة ناريمان كونها سردت في روايتها سيرتها الذاتية وتجربتها الشخصية.
كاتبة لبنانية