لوس أنجليس – «القدس العربي»: بعد سحب شركة «وورنرز» فيلم كريستوفر نولان، «تينت» من جدول الإطلاق الأسبوع الماضي، بدا واضحاً أنه، وللمرة الأولى، سيغيب موسم صيف الأفلام الهوليوودية الضخمة، الذي صار يُعتبر أكثر المواسم دخلاً في شباك التذاكر، منذ عام 1975 عندما أطلق ستيفين سبيلبرغ فيلم «الفك» الذي درّ ما يقارب 500 مليون دولار مفتتحاً بذلك حقبة الأفلام الضخمة (تينبول)، التي أنقذت استوديوهات هوليوود آنذاك من هلاك مادي بسبب منافسة التلفزيون لها.
وخلافاً للأفلام الأخرى في الستينيات، لم يكن ممكناً الاستمتاع بمشاهدة الأفلام الضخمة على شاشات التلفزيون الصغيرة، وكانت ملائمة لكل الأجيال، لهذا جذبت الأفراد والعائلات لدور العرض في موسم عطلة الصيف، مثل سلسلتي أفلام «حرب النجوم» و«إنديانا جونز» وأفلام أبطال القوى الخارقة وأفلام الكوميديا الرومانسية.
ففي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وصلت نسبة دخل موسم الصيف في شباك التذاكر الأمريكية إلى ما يقارب 70 في المئة من دخلها السنوي.
ومع أن الاستوديات صارت في الأعوام الأخيرة تطلق مثل هذه الأفلام في مواسم أخرى، إلا أن موسم الصيف ما يزال يملك حصة الأسد، وقد بلغ دخله العام الماضي في الولايات المتحدة 5.9 مليار دولار من أصل دخل سنوي قدره 11.3 مليار دولار.
صدمة مادية لاستوديوهات هوليوود
لهذا يعتبر إلغاء هذا الموسم صدمة مادية لاستوديوهات هوليوود، التي كانت تأمل أن يخرج العالم من أزمة كوفيد قبل بداية الصيف، وبنت كل آمالها على فيلم «نولان» ملك موسم الصيف، الذي يُشتهر بصنع أكثر الأفلام دراً للأرباح في شباك التذاكر.
كان مقرراً في البداية أن يفتتح فيلم «تينت» موسم الصيف في شهر يونيو/ حزيران، لكن استمرار الأزمة أجبر «وورنز» على تأجيله إلى مطلع يوليو/تموز، ثم طرأت موجة الوباء الثانية، ما استدعى تأجيل إطلاقه الى منتصف يوليو/تموز ثم نهايته، ثم إلى منتصف أغسطس/آب، قبل أن يستسلم تماماً أمام الفيروس غير المرئي، ما دفع الاستوديوهات الأخرى أيضاً إلى إلغاء إطلاق أفلامها.
من المفارقات أن «تينت» حسب «وورنرز» يدور حول أبطال يستخدمون سلاح التحكم بالزمن لإنقاذ العالم من حرب عالمية ثالثة.
لكن في العالم الواقعي، أخفق الفيلم في إنقاذ دور العرض، التي أصبحت تواجه أزمةً وجودية، بعد أن أغلقت أبوابها منذ اندلاع الأزمة منتصف شهر مارس/آذار الماضي، ولم تتمكن من إيجاد نموذج دخل آخر يعوضها الخسائر الفادحة التي تكبدتها، والتي دفعت ببعضها الى الإفلاس، بينما يتأرجح بعضها الآخر على حافة ذلك. وإذا استمر الوضع على حاله فسوف تبقى معظم دور العرض مغلقة إلى الأبد.
العالم الافتراضي
خلافاً لدور العرض، وجدت استوديوهات هوليوود ضالتها في العالم الافتراضي. فمنذ بداية الأزمة أطلقت شركة «وورنز» منصتها الإلكترونية «أتش بي أو بلاس» وتلتها مؤخراً شركة «يونيفيرسال» بمنصة «بيكوك» لتنضم الأخيرتان إلى منصات «ديزني بلاس» و«أبل بلاس» و«أمازون» و«هولو» و«نتفليكس».
أما شركة «باراماونت» فقد أبرمت اتفاقاً مع «نتفليكس لبث أفلامها على منصتها الالكترونية، بينما عرضت شركة «سوني بيكتشرز» أفلامها للبيع. فالتهمت منصة «أبل» فيلمها الصيفي الجديد، «جريهاوند» بمبلغ قدره 120 مليون دولار.
«جريهاوند» الذي يقوم ببطولته توم هانكس ويطرح معارك بحرية بين سفن قوات الحلفاء وغواصات الألمان، إبان الحرب العالمية الثانية، هو فيلم ضخم صيفي نموذجي، وكان متوقعاً أن يلقى نجاحاً في شباك التذاكر العالمية.
لكن في حديث مع رئيس شركة «سوني بيكتشرز» توم روثمان، قال لي إنه راض عن الربح الذي حققه من صفقة «أبل» فتكاليف حملة التسويق والترويج للفيلم قبل إطلاقه تفوق تكاليف عملية إنتاجه، وإذا فشلت تلك الحملة، يتكبد الأستوديو الخسارات في شباك التذاكر لوحده.
كما عبر لي توم هانكس عن حماسه لطرح الفيلم عبر الانترنت. «الناس في حاجة للترفيه أكثر من أي وقت مضى، ولا يمكننا أن نحرمهم من ذلك بسبب إغلاق دور العرض» يقول هانكس.
بالفعل، حطم الفيلم رقما قياسياً في عدد المشاهدات على منصة «أبل» ورفع أعداد مشتركيها بنسبة 30 في المئة. لهذا قررت الأخيرة، التي كانت تعاني من شح في عدد المشتركين، أن تغير نهجها، فبدلاً من التركيز على إنتاج وشراء مسلسلات تلفزيونية وأفلام صغيرة، قررت أن تطلق فيلماً تجارياً ضخماً على منصتها كل شهر لكي تعزز من عدد مشتركيها.
«ديزني» أيضاً حققت نجاحاً هائلاً من إطلاق فيلمها الموسيقي، «هاميلتون» على منصتها الالكترونية. وكذلك الأمر، حقق الفيلم رقماً قياسياً في عدد المشاهدات وجذب الملايين من المشتركين الجدد. كما تصدرت أفلام الحركة الضخمة، «إخلاء» من بطولة كريس هيمسوورث، و»الحارس القديم» من بطولة تشارليز ثيرون، قائمة عدد المشاهدات على شبكة «نتفليكس». بينما حقق فيلم الكوميديا، «بالم سبرينغس» أكبر عدد مشاهدات في الأسبوع الأول من انطلاقه على منصة «هولو».
نجاح تلك الأفلام الضخمة افتراضياً دفع المنصات إلى الاستثمار فيها، ففضلاً عن «أبل» أعلنت منصات أخرى عن إنتاج عدد من تلك الأفلام هذا العام، مثل «هولو» التي تعاقدت مع شركة «باراماونت» لإنتاج فيلم مارتن سكورسيزي المقبل، «الشيطان في المدينة البيضاء» من بطولة روبرت دينيرو وليوناردو ديكابريو.
بينما تستعد استوديوهات هوليوود لإطلاق أفلامها الضخمة على منصاتها الجديدة لكي تجذب الجماهير اليها، وبالتالي لم تعد تولي أولوية لإغراء الناس للخروج من بيوتهم إلى دور العرض.
نجوم هوليوود وصناع أفلامها رحبوا بالمنصات الالكترونية لأنها تمنحهم ميزانيات إنتاج ضخمة وحرية إبداعية لم يحصلوا عليها من الاستوديوهات التقليدية.
لكن «نولان» ما زال يؤمن بأنه لا يمكن تحقيق تجربة السينما خارج دور العرض، ويصر على عرض أفلامه فيها. وقد كشف لي أنه يملك سينما في بيته، لكنه يذهب وزوجته، منتجة أفلامه إيما تومسون، لمشاهدة الأفلام في دور العرض لكي يتشارك التجربة مع الجمهور.
وأضاف أن ردود فعل الجمهور تعزز من استمتاعه في مشاهدة الفيلم وتعمق من شعوره تجاه شخصياته وأحداثه.
ومؤخراً طالب المخرج المرشح للأوسكار بتقديم الدعم المادي لدور العرض من أجل إبقائها على قيد الحياة وحماية السينما.العقبة الضخمة التي يواجهها «نولان» في إطلاق «تينيت» هي موجة كوفيد الثانية التي اجتاحت الولايات المتحدة وحالت دون إعادة فتح دور العرض هناك. لهذا اقترح البعض إطلاقه خارج الولايات المتحدة تدريجياً، أي في الصين أو كوريا الجنوبية مثلاً، حيث فتحت دور العرض أبوابها، وبلغ دخل شباك التذاكر، الأسبوع الماضي 20 مليون دولار. لكنّ ذلك الطرح لا يمكن تطبيقه على «تيينت» لأن «نولان» أصر أن يسدل ستار السرية على حبكته، فلم يكشف عنها في دعاية الفيلم، ولم يقدم عروضاً أولية للصحافيين ومنع ممثليه من الترويج للفيلم أو الحديث عنه، وعلاوة على ذلك، لم يسمح لأي شخص من خارج طاقمه بقراءة السيناريو أو مشاهدة الفيلم حتى الآن، وهو السبب في إصراره على إطلاق الفيلم في جميع دول العالم في اليوم نفسه، إذ ليس بإمكانه الحفاظ على سره في حال أطلق الفيلم في بلد ما قبل الآخر.
تستثمر الاستوديوهات في حملات ترويج باهظة من أجل إطلاق أفلامها الصيفية في كل أنحاء العالم في الوقت نفسه، لكي تضمن جنْيَ أرباحها منها وتتفادى قرصنتها.
لهذا ما زالت مترددة في إطلاق أفلامها تدريجيا خارج الولايات المتحدة رغم الضغط الذي تواجهه من دور العرض العالمية، مع أن نسبة دخلها هناك تصل أكثر من 70 في المئة، وذلك لأن طرح فيلم في سوق ما سوف يثير الحديث عنه على مواقع التواصل الاجتماعي، مما سيحرّك فضول جماهير الأسواق الأخرى كالجمهور الأمريكي ويدفعهم لتحميله من مواقع القرصنة الالكترونية، الأمر الذي سيكبد الاستوديوهات خسائر فادحة.
مرحلة تغيير جذرية
بلا شك أن هوليوود وصناعة الأفلام تمران في مرحلة تغيير جذرية. لكن أزمة كوفيد لم تثر ذلك التغيير بل سرّعت من حدوثه. ففي الأعوام الأخيرة، أدركت استوديوهات هوليوود أنه لا يمكنها الاعتماد فقط على دخل شباك التذاكر، لأن جماهير السينما صاروا يفضلون مشاهدة الأفلام على المنصات الإلكترونية في بيوتهم.
وقبل أكثر من عامين، أعلنت الاستوديوهات عن تأسيس منصات إلكترونية، ودخلت في صراع مع دور العرض حول تقليص الفترة الممتدة بين عرض الأفلام على الشاشة الكبيرة وعرضها على منصاتها الإلكترونية، لكن يبقى السؤال: هل ستتخلى استوديوهات هوليوود عن دور العرض؟
ذلك لم يحدث بعد. فبدلاً من طرح أفلامها على المنصات خاصتها، أعلنت الاستوديوهات الأسبوع الماضي عن تأجيل إطلاق العديد من أفلامها الى العام المقبل، مثل الأجزاء الجديدة من سلسلة أفلام «أفاتار» و«حرب النجوم» التي تم تأجيل موعد إطلاقها من ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى ديسمبر/كانون الأول 2021. لكن بدا واضحاً أن الاستوديوهات ستطلق العديد من أفلامها على منصاتها الالكترونية من أجل الصمود في معركة العالم الافتراضي وتفادي الهلاك الاقتصادي.