وجه يرسمه غالباً الصراع، كما يرسم حروف كلّ أخوات الهويّة: الأمّة، والقوميّة، والوطنيّة، والجنسيّة، والحضارة، والتراث والثقافة بمعناها الطبيعي. ووجه آخر ترسمه الثقافة، بمعناها الأعقد. هو وجه لا يرى نفسه والعالم من عيون الوجه الأوّل حصراً، وإن كان يدرك وجوده ويرى بوضوح ملامحه ويفهم تأثيره في الفكر والعاطفة والجسد، سلباً أو إيجاباً، هذا مع اعتراضه على الكثير من تفاصيل تلك الملامح، بالأخصّ ما كان منها حادّاً يجرح معاني كثيرة لمفهوم الحرّيّة فيعيق إذن كلّ طريق ممكن لصناعة الجمال. كان ذلك في جامعة بولونيا، إيطاليا، في شتاء 2009. لغة ركيكة، لكنّها تتقن الإجابة عن أوّل الأسئلة الأزليّة: ‘من أين أنتِ’. ‘من الأردن’. سريعاً دُعيتُ إلى التعرّف إلى زميل من الأردن أمضى عمره في الجامعة. قال إنّه يعمل على ترجمة شعر عرار إلى الإيطاليّة. لم أستطع إخفاء ابتسامة ما ساخرة وواثقة من إجابته التالية عن سؤالي العفويّ: ‘أنتَ من الشمال، صح؟’. نعم، وكان من إربد، المدينة التي منها عرار، شاعر الأردن. لماذا السخرية؟ أنا أيضاً لم آتِ لأغترب، وإلاّ لما جئت إلى هنا لأبحث مرّة أخرى عن علاقات ما حقيقيّة أو مخترعة بين ما هو محسوب على التراث العربيّ في نظريّات الشعر وبين ما هو محسوب على الغربيّ. وكما لم يستطع زميلي إلاّ أن يعود إلى عرار، رغم زمن مرّ عليه في شمال إيطاليا، كنت أنا أيضاً غير قادرة على التفكير بجامباتيستا فيكو الإيطالي من غير أن أعود لأقترب من عبد القاهر الجرجاني. كلاهما فكّر في موقع العقل والخيال من الشعر، وقالا أشياء متشابهة أحياناً، ومختلفة أحياناً، بحكم المقدّمات. خمسة أعوام مرّت منذ أن صدر في أمريكا كتاب لأكاديمي عربيّ يقارن فيه بين البلاغة العربيّة والإغريقيّة-الرومانيّة؛ بين لونجينوس والقاضي الجرجاني. كيف لم أسمع بالكتاب إلاّ مؤخّراً رغم هوسي بالمقارنات هوساً مصدره بامتياز الوجه الأوّل من الهويّة؟ كان الزميل الآخر إيطاليّاً، ويعرف عن الجرجاني والفارابي وابن سينا وعن الدراسات المقارنة أكثر من زميلي الأردني، فكان الحوار أطول وأعقد، رغم ابتعاد الهويّة، بوجهها الأوّل، ورغم أنّ أيّا منّا لم يتحدّث بلغته الأمّ. على أنّ تفصيلاً أخيراً أعاد لي الملامح الأولى بقوّة: قال إنّني لا بدّ ألتقي بأمبرتو إيكو، ودلّني على مكتبه في شارع مارسالا، البعيد خطوتين عن الكليّة. قال ذلك بفخر لا يخفى؛ فخر بأنّ لديهم اسماً كبيراً كهذا قريباً منهم هكذا، في الحاضر لا في الماضي. قلت إنّني أعرف أعماله جيّداً، وإنّني كبطل ‘اسم الوردة’ لإيكو الذي كاد يجد الجزء الضائع من فنّ الشعر لأرسطو المتعلّق بالكوميديا، أريد أن أصدّق أن تلخيص الكِنديّ لفنّ الشعر لأرسطو الضائع إلى الآن قد يُعثر عليه يوماً. كم سأبكي لو وجدوا المخطوط: قلت ذلك في ذهني وقد سرحت بانفعالات وعلاقات غريبة مصدرها وجها الهويّة معاً، وبالسؤال المكرّر ومصدره الوجه الأوّل: لماذا عليّ أن أعود ألف سنة إلى الوراء وأصطنع علاقة ما مع عباقرة وكأن كلا منهم جدّي المباشر لأبي، بينما لديهم أحياء يرزقون، يقدّمون إلى العالم بأكمله الجديد الكثير؟ شعرت بالسخط، بسبب ارتباطي بفشل حضاريّ راهن، ولجأت بيني وبيني إلى الدّفاع المفلس الغبيّ المتعلّق بقشّتين؛ أمجاد الماضي، ودوافع الاستشراق: ‘كيف يقولون إنّها أقدم جامعة في التاريخ، ماذا عن جامعة القرويين بفاس التي خرّجت ابن خلدون ولسان الدين بن الخطيب، ماذا عن النظاميّة في بغداد ونيسابور.. هم حفنة من كاذبين معتدين على التاريخ وعلينا! ألم يقتل هؤلاء المجرمون عمر المختار؟ لولا الاستعمار، لكنُّا..’. لكن سريعاً، لحسن الحظّ، يذهب الغباء، ويبقى بعده العزاء من أبي البقاء: ‘لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصانُ’، و’من سرّه زَمنٌ ساءته أزمانُ’… يتداخل وجها الهويّة حتّى بعيداً عن التواصل. بولونيا مدينة غارقة في جمال لا يُحتَمل، أعادت لي جزءاً كبيراً من هويّة طفوليّة شكلّتها أفلام الكرتون المدبلجة على التلفزيون الأردني، وبالأخصّ ‘حكايات عالميّة’. تداخلت مع هوسٍ مرضيّ بالشعر، فكنيسة سانتو ستيفانو، وقت الثلج، كانت هي الكنيسة في إحدى قصائد دروريش: ‘فابتسمي، يندف الثلج قطناً على صلوات المسيحيّ’. أمّا الجامعة، فهي تلك التي اعتمدت بدءاً من القرن الثالث عشر كتاب ابن سينا ‘القانون في الطبّ’ مرجعاً أساسيا في تدريس الطبّ، يدرَّس لعام كامل، قبل أن يدرّس أبقراط وجالينوس وابن رشد في السنوات التالية. كان ذلك قريباً من الزمن الذي زار فيه دانتي أليغيري المدينة كما يبيّن جزء ‘الجحيم’ من الكوميديا الإلهيّة الذي فيه إشارات إلى المدينة ومعالمها، ومنها غاريسندا، أحد البرجين المائلين الآن في بولونيا. قبل أيّ فكرة أخرى عن الكوميديا كان لا بدّ أذكر، بسبب وجه الهويّة الأوّل، كم قيل إنّه تأثّر بالمعرّي في رسالة الغفران، وبالإسراء والمعراج، وأنّني سمعت أنّ الكواكبي، في طبائع الاستبداد، قد تأثر به وأسماه ‘الفياري’، على ذمّة أبي. تداعٍ حتميّ بعيد عن دانتي: ما الذي حدث كي نقتل المعرّي (ولاحقاً تمثاله) ونشطب الفصول وننسى الغايات؟ كم هي ‘زندقة’ بحقّ الفكر والإنسان ما فعلنا به وما كتب وبالروح القديمة لمعرّة النعمان. بعيداً عن اللطم على كربلاء الفكر العربيّ أراقب برج غاريسندا. الآن قربه بشر كثيرون، شيوعيون حمر باستمرار يتظاهرون، وآخرون مختلفون، والمشترك أنّ الكلّ يبحث عن فردوسه، وينتظر بياتريس، حبيبة دانتي واقعاً وخيالاً، لتعرج به إلى الفردوس عبر السموات. تذكرتُ ما أعاده فيرجيل على لسانها حين نزلت إلى المطهر لتنقذ دانتي: ‘أنا بياتريس، التي تطلب منك الذهاب. لقد أتيت من مكان أتوق إلى العودة إليه. لقد حرّكني الحبّ وجعلني أتكلّم.’ لقد أتت بياتريس من الجنّة ولهذا تتوق إليها، تماماً كبلقيس التي لا بدّ اشتاقت إلى سبأ رغم صروح سليمان في أورشليم. ماذا يفعل من ‘فردوسهم مفقود’ كما هو عنوان قصيدة ميلتون الشهيرة؟ كانت بياتريس روسو هي فردوس ساعي البريد في الفيلم الإيطالي الشهير ‘ساعي البريد’، الذي يساعده فيه بابلو نيرودا على نيل حبّها بأن علّمه معنى الشعر والاستعارات، بعد أن عرف أن اسمها هو مثل اسم حبيبة شاعر يدعى دانتي أليغيري. ما كان اسم حبيبة عرار؟ غجريّة تقطن أطراف وادي السير في عمّان. في المدرسة وقفنا عند تشبيهها بالـ’ظبية السمراء’. بماذا شبّه ساعي البريد بياتريس؟ أرسل لها قصيدة نيرودا ‘عارية’: ‘عارية، أنت زرقاء كليلة في كوبا’. كوبا، بولونيا، وادي السير. كلّها في الشعر فردوس، أو بالأحرى، ربّما الفنّ والفكر هو الهويّة الحقيقيّة، التي بلا إثبات أو بطاقة، لكلّ من فردوسهم غامض ومفقود. ما أصغر المدينة، كلّ مدينة، وما أوسع الهويّة. لقد بدأ التنظير حول مفهوم الهويّة، بطريقة تبدو بديهيّة، عند أفلاطون في محاورة ثيايتيتوس، حيث حاول سقراط إثبات أنّ ‘الأصوات’ و’الألوان’ أمران مختلفان. كلّ منهما مختلف عن الآخر و’متشابه مع نفسه’. ‘كلاهما (معاً) اثنان وكلّ منهما واحد’. تابع أرسطو الفكرة في ‘قانون الهويّة’ المعروف. من هي ‘النفس’ الجمعيّة ‘الواحدة’ التي أتشابه معها طالما بي شبه مع أشياء كثيرة، كثيرة حقّاً، تجعل الجواب ‘أنا من الأردن’ لا يكفي؟ هكذا البشر، يضيّقون الأشياء، بسبب الصراع الحتمّي بينهم منذ أن تصدّعت رودينيا، تلك القارّة الأمّ. كانت كلّ اليابسة قبل ما يقارب مليار سنة جزءاً واحداً، ثم تصدّعت قبل 750 مليون سنة، وأصبحنا، كما كنّا ربّما سنصبح حتّى لو لم تتصدّع، شعوبا وقبائل يتخاصمون ويتصالحون، محكومين أبداً للمسافة بيننا، الحقيقيّة والمجازيّة معاً. التصدّع الحقيقي عندي غير المأسوف عليه هو في المعنى الضيّق للهويّة. أو هو معنى يضيق ويتّسع حسب المواقف ومنطق التداعي. يوسّعها مفكّرون وشعراء من كلّ الأزمان واللغات فيصنعون من أفضل ما قدّمت البشريّة هويّة أوسع من ‘مدرسة أثينا’؛ العمل العظيم لرافاييل في الفاتيكان، الذي رسم فيه الفلاسفة الإغريق ومن تأثّروا بهم. مع ذلك، تعود فتضيق رغم اتّساع سلالم الموسيقى: كمنجات تصدح في شارع زامبوني وتدريبات موسيقيّة مكثّفة. رحم الله زرياب، صاحب الوتر الخامس في العود، ومحمود درويش : ‘الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود’. يستمر حبل التفكير بالانقطاع، بتدريب على أوبرا يملأ المدينة. إعلان عن عرض مترقّب لأوبرا فـيردي العظيمة ‘لا ترافـياتا’. كم من بين كلّ هؤلاء الغرباء الذي يمشون في الشارع قد قرأ الرواية الأصل للأوبرا لأليكساندر دوماس، ‘غادة الكاميليا’؟ لن تجيبني لا الملامح ولا عادات الثقافة. ماتت مارغريت بين ذراعي أرماند في الرواية، وكتبتُ عن ذلك المسرح الذي وقفت أمامه بحثاً عن أثر ما لفستانها وعربتها ولم أجده. كتبت ذلك بلغتي في كتابي الأوّل والوحيد، الممنوع في بلدي. نعم ‘بلدي’، وهل أنا إلاّ ‘من غزيّة’ مهما غَوت. هكذا يقول الاسم والملامح واللغة والجواز. يا إلهي كم غوت وكم جَنت على نفسها وعليّ. ‘غزيّة’؟ سأدعم الغباء هذا برواية أخرى؛ بمصطفى سعيد في ‘موسم الهجرة إلى الشمال’ حيث قال: ‘ولكن إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتسرَّح الجيوش ويرعى الحمل آمنا بجوار الذئب ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر … إلى أن يأتي زمان الحب والسعادة هذا سأظل أنا أعبر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية ‘. لأنّهم يتألمون، سأحمل بلادي أنّى ذهبت كما يقول درويش. لولا الألم، لرميتهم في جحيم دانتي وذهبت وحدي مع بياتريس بلا ندم. لولا الألم، لما كان بي ما كان، حين رأيت في شارع إيطاليّ جميل علماً كبيراً لفلسطين منسدلاً من إحدى النوافذ، وعلى الحائط المقابل للشارع خربشات على الحيطان بالإيطاليّة:Viva Palestina! . وعلى الحائط المقابل لبيتي شتائم كبــــيرة ضدّ جورج بوش وضدّ برلسكوني. في كلّ تفصيل كانت الملامح المزدوجة للهويّة تعبث بوجهي، حتّى في الطعام حيث صدف الأسماء غريبة جدّاً. المدينة معروفة بالسباغيتي بولونيز، المشتق اسمها من المدينة. لا أقدر على تذوّقها بسبب خيار ما نباتيّ قديم جعل النوع الوحيد من الباستا الذي أستطيع أكله هو، للمفارقة، ‘أرابياتا’. مجرد صدفة، إذ لا علاقة للأمر بأيّ هويّة على الإطلاق، رغم أنّها ستقتحم حتّى الطعام. كان المعرّي أيضاً نباتيّاً جدّاً، ولو عرفني، لما سخر من خياري كما يسخر أهل بلادي والغرباء معاً. كنّا سنتشارك الطعام، بلا رائحة لحوم أو ألبان، وكنا لنتحدّث عمّن نحبّه جدّاً جدّاً معاً، عن أبي الطيّب، وعمّا إذا صدق أو كذب حين قال إنّه ‘غنيٌّ عن الأوطان’. في بولونيا كتبت بحثاً عن الفارابي وأحد مجازاته الأفلاطونية وعلاقتها بالنظريّات المعاصرة في الاستعارة ومررت على بعض أفكار فـيكو مروراً عابراً. بعد عدّة أعوام، قبل يومين، زار الجامعة الأردنيّة وفد من جامعة ‘الفارابي’ في كازاخستان، وقدّم لوحة راقصة من بلادهم، ثمّ قرّرت الفرقة مفاجأة الحضور بتقديم شيء من الثقافة العربيّة، وكان إحدى أغاني هيفاء وهبي (الواوا تحديداً)، رقصاً وغناء. لم يعترض ولم يخرج أحد. جنّ جنوني حين عرفت، وأعطيت محاضرة صباح الأربعاء، قرب مدرّج ‘الكِندي’ في الجامعة، بكلّ قهر، عن رسالة الفارابي في قوانين صناعة الشعراء بما فيها من طلاسم بالنسبة لطلابنا الذي لو سألهم أحد من الوفد الكازاخستاني شيئا عن الفارابي، الذي كتب بالعربيّة، لما عرفوا. ليس ذنبهم، ولا أمل لديّ إلاّ ما أخترع بكلّ شغف مصدره الوجه الأوّل من الهويّة؛ الوجه الغارق بالخزي والحب والوجع. الوجه الآخر: خذيني إليك يا بياتريس. لم أعد أطيق هذا الجحيم.