هذه ساعة الزعماء والسياسيين وغيرهم أيضاً، الذين يجب عليهم أن يوجهوا الاحتجاج، ويعرضوا بديلاً. المهمة صعبة؛ لأنه ما من اقتراح واحد قالت له الطغمة القضائية نعم. ورغم ذلك، يتبلور إجماع على الحاجة للتغيير. أي تغيير؟ ماذا يعني هذا؟ مر نحو أسبوعين منذ عرض الإصلاح، دون أن نسمع شيئاً قد يضيف للاحتجاج بضع أناس آخرين وبخاصة من الوسط واليمين المعتدل، ممن يجلسون على الجدار في هذه اللحظة.
وعندما يفتح الزعماء أفواههم يخلقون الكثير من التشويش. هكذا مثلاً نشر يئير لبيد الأسبوع الماضي مقالاً يصف فيه “آلة السم” التي كانت تحت تصرف بنيامين نتنياهو. كانت آلة سم، لا جدال في ذلك؛ فثمة أكاذيب بثت دون تردد. لبيد نفسه كان ضحية بارزة لتلك الآلة. حتى هنا هذا على ما يرام؛ غير أن “دار نشر سيلع مئير” ومعهد “كهيلت” أدخلا إلى القائمة. قرأت وفركت عيني. ما المشكلة مع دار نشر كتب تختص بالكتب المحافظة. ما المشكلة مع معهد تفكير يميني؟ قرأت قسماً لا بأس به من الكتب التي أصدرتها دار النشر ومنشورات عديدة للمعهد. اتفقت تارة وغضبت أخرى. لكن، هل يعتبرون جزءاً من السم أيضاً؟ أي كتاب نشر الأكاذيب، وأي مقال؟ حجة جيدة تنقلب على ذاتها بسبب حلقة ضعيفة فيها. إذن نعم، للبيد حجج ممتازة، لكن لماذا يحرص على المس بها؟
نما يمين مثقف في إسرائيل في العقد الأخير، من يتابعه يدرك وجود خلافات بينه وبين قسم من أبواق نتنياهو. أساس الحجج موجهة لمعهد “كهيلت”. يدور الحديث عن يمين ليبرالي، هكذا هي الادعاءات، يجرنا إلى هوات أيديولوجية واقتصادية بتمويل من رأسمال أمريكي يرغب في التأثير على إسرائيل. هذا شائق؛ لأن عشرات ملايين الدولارات تصل إلى إسرائيل لغرض تمويل منظمات اليسار، التي أصبحت رأس حربة في حملة الشيطنة ضد إسرائيل. هم يحاولون التأثير داخل إسرائيل؛ يؤثرون من الخارج على إسرائيل. وهم كثيرو المال. بعض من تلك الجهات تحاول تحطيم هوية إسرائيل اليهودية، وبعض آخر يحاول العمل على تصفية الدولة من خلال الترويج لفكرة “حق العودة”.
لبيد الذي أعرفه بالذات خرج ضدها، حتى إنه قال في 2018: “سنتصدر خطوة تشريع هدفها منع منظمات الـ BDS من تمويل جمعيات في دولة إسرائيل تساعد في التشهير بدولة إسرائيل”. برافو. لا توجد دولة سوية العقل تسمح لجهات تعارض وجودها بتمويل منظمات في داخلها. قريباً، حسب معلومات وصلتني، سيكون في هذا الشأن تشريع. أين سيكون لبيد؟ مع أم ضد؟
عندما كان لبيد في الوسط، نال سلسلة مقالات تشهير في صحيفة “هآرتس” بسبب توسطه، وكلما خرجت أبواق اليسار ضده أكثر أصبح أقوى. في تلك الأيام، في 2016 وبداية 2017 منحته الاستطلاعات 27مقعداً، ولليكود 24 فقط. إذن ماذا حصل فجأة؟ لكي يعود لبيد رئيساً للوزراء، عليه أن يعمل بكد في أوساط اليمين المعتدل، الليبرالي الذي يريد إصلاحاً للإصلاح القضائي. لكن تكرار شعارات تعود لليسار سيخلد حكم نتنياهو. خسارة، ليس هذا هو الطريق.
تبلور داخل إسرائيل وسط سياسي في العقد الأخير. هذه بشرى طيبة، لا تروق لقسم من اليسار. فهو يريد أن يجذب الاحتجاج إلى اليسار أكثر. احتلال ومرة أخرى احتلال. صحيح أنهم حاولوا هذا في الانتخابات، ولم يجتازوا نسبة الحسم، لكنه شعار لن يشفوا منه، فقد غرقوا فيه. والآن يريدون أن يغرقوا الاحتجاج أيضاً.
عوفر شيلح، في مقال نشره أمس، يحاول أن يدفع الاحتجاج باتجاه الاحتلال. أشاركه قلقه من خلق واقع ثنائي القومية، وهذا كفاح مهم، لكنه كفاح آخر. كما أنه قلق من مسألة المساواة. شائق هذا، لأن العقد الأخير تحديداً تميز بتقليص الفوارق. يواصل شيلح الاندفاع يساراً. لن تكون ديمقراطية، كتب يقول، في مكان يقصى فيه العرب عن المنصة. فمن يدعو إلى المنصة؟ محمد بركة، الذي حج إلى القاتل كريم يونس؟ أيمن عودة، الذي دعا رجال قوات الأمن العرب إلى ترك الخدمة؟ باختصار، يريد للاحتجاج أن يتموضع بين “ميرتس” و”المشتركة”. وماذا عن آلاف المتدينين القوميين المعارضين للإصلاح؟ وماذا عن الوسط؟ وماذا عن اليسار الصهيوني؟ يمكن الافتراض بأن نتنياهو ولفين يصليان كي ينتصر شيلح، ترفرف أعلام فلسطين بفخار، ويقف على منصة الاحتجاج أحمد الطيبي ويتحدث عن الاحتلال. وسيساهمان بتوفير المنصة والأعلام.
منذ الأزل استخف اليسار بالوسط الصهيوني والقومي. هذا هو اليسار الذي فشل، والآن يريد أن يفشل الآخرين. هذا بالضبط هو السبب الذي نحتاج فيه إلى احتجاج جدي ومسؤول، مع قيادة صهيونية. والقيادة ملزمة بعرض بديل للإصلاح، يحظى بتأييد واسع قدر الإمكان. الكرة في يدي لبيد. هو زعيم المعارضة، شريطة ألا يسير في مسار شيلح.
بقلم: بن – درور يميني
يديعوت أحرونوت 17/1/2023